//Put this in the section

٤٤ عامًا على اندلاع الحرب الأهليّة اللبنانيّة… والقدر السوريّ لا يزال سيّئًا

إذا كانت العادة قد درجَت على أن يردِّد اللبنانيّون عبارة “تنذكر وما تنعاد” لدى التطرُّق إلى السجلّ الأسود للحرب الأهليّة التي اندلعَت يوم الثالث عشر من شهر نيسان (أبريل) عام 1975، فإنّ ذلك لا يلغي بالطبع أهمّيّة وضرورة الخوض في غمار استرجاع الذكريات الأليمة لما شهدناه من معاركَ دمويّةٍ طاحنةٍ على مدى قرابة الخمسة عشر عامًا من الزمان كلّما استطاع الواحد منّا إلى التذكُّر سبيلًا في الوقت الراهن، أملًا في استنباط المعاني واستقاء العِبر من دروس الماضي، وبالتالي، في تحصين مقولة “تنذكر وما تنعاد” وجعلِها أكثر رسوخًا، ولا سيّما بعدما كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن أنّ العوامل التي أدَّت إلى انفجار الوضع جرّاء التراكمات الناجمة عن انتقال قيادات منظّمة التحرير الفلسطينيّة إلى لبنان في أعقاب وقوع مجازر “أيلول الأسود” في الأردن عام 1970 تكاد تبدو متشابهةً مع العوامل التي تتكاثر حاليًّا جرّاء التراكمات الناجمة عن استمرار أعباء أزمة النازحين السوريّين على طول الخارطة اللبنانيّة وعرضها للعام الثامن على التوالي، فضلًا عن أنّ الانقسامات الأفقيّة والعاموديّة بين الأفرقاء المحلّيّين حول سُبل معالجة الملفّ السوريّ في هذه الأيّام تكاد تبدو متشابهةً أيضًا مع ما حصل من انقساماتٍ بين الأفرقاء أنفسهم حول سُبل التعاطي مع الملفّ الفلسطينيّ في سبعينيّات القرن العشرين.

ومع الأخذ في الاعتبار أنّ الأمانة المهنيّة والأخلاقيّة تستوجب التنويه هنا بأنّ القضيّة الفلسطينيّة التي سرعان ما تحوَّلت منذ أيّام النكبة الأولى عام 1948 إلى قضيّة العرب المركزيّة هي ناجمةٌ في الأصل عن احتلالٍ إسرائيليٍّ تسبَّب في تشريد سكّان البلاد الأصليّين من ديارهم على دربِ جلجلةٍ لم يقدَّر لنا أن نرى نهاياته بعد، خلافًا للمسألة السوريّة الناجمة في الأصل عن صراعٍ سياسيٍّ أدّى إلى اندلاع حروبٍ داخليّةٍ بين النظام والمعارضة، بمعنى أنّ استضافة الفلسطينيّين لا تزال تُعتبر واجبًا قوميًّا إلى حين بلوغ الحلّ النهائيّ بينما يُفترَض أن تكون استضافة السوريّين قد بلغَت خواتيمها منذ نجاح فكرة إقامة مناطق خفض التصعيد وعودة الاستقرار إلى معظم الأراضي السوريّة، فإنّ أسباب استحضار هذه المقاربة بين الملفّيْن في الحالة اللبنانيّة الراهنة تتمثَّل في وجوب التوقُّف مليًّا عند الدلالات المعبِّرة لما جاء يومًا على لسان حكيم الصين كونفوشيوس عندما قال: “إذا كنت تريد أن يكون المستقبل صفحةً مشرقةً أمامك فعليك أوّلًا أن تدرس الماضي”، وهي الدلالات التي ينبغي على كافّة الأفرقاء اللبنانيّين وضعها في الحسبان قبل أيِّ اعتبارٍ آخر، وفوق كلِّ اعتبارٍ آخر، بغية تفادي تكرار أخطاء الماضي وتجنُّب الوقوع في المحظور، ولا سيّما بعدما بات في حُكم المؤكَّد أنّ ثمّة أطرافًا إقليميّةً ودوليّةً مختلفةً ما زالت تحاول العمل حتّى هذه الساعة على تعكير مياه ملفّ أزمة النازحين السوريّين أملًا في الإيحاء أمام اللبنانيّين بقدرتها على الاصطياد فيها، وعلى حساب استقرار لبنان وأمن أبنائه وسلامتهم بالطبع.




هذا الكلام، وإنْ كان لا ينطوي على أيِّ نيّةٍ لاستخدامه لأغراض التهويل والتخويف، ولا لإدراج مضمونه في خانة المسلَّمات الحتميّة التي لا مهرَب منها، ولكنّ الهدف من ورائه يتمثَّل في وجوب التنبيه من أنّ أيَّ مقاربةٍ مطروحةٍ في الأوساط اللبنانيّة حول سُبل معالجة أزمة النازحين السوريّين من دون أن تضع على رأس قائمة أولويّاتها إعادتهم إلى ديارهم في أسرع وقتٍ ممكنٍ، لا بدَّ من أن تفتح شهيّة الصيّادين في المياه العكرة على رمي صنّاراتهم فيها، الأمر الذي من المفترَض أنّ يكون لبنان بغنىً عنه جملةً وتفصيلًا، ولا سيّما بعدما تعلَّمنا من الماضي أنّ تجارب من يُسمّون بـ “ملاقط النار” و”مخالب القطط” الذين درجَت العادة على أن يبحَث عنهم الخارج الإقليميّ والدوليّ من أجل تحقيق مصالحه وخططه في الداخل اللبنانيّ غالبًا ما كانت تفضي إلى نهاياتٍ غيرِ سعيدةٍ في مختلف الأحوال والظروف.

وإذا كان للمرء أن يقول كلمةَ حقٍّ اليوم في مناسبة الذكرى الرابعة والأربعين لاندلاع الحرب الأهليّة، فإنّ الأمانة الأخلاقيّة تستوجب عليه أن يشير أوّلًا إلى أنّ هذه الحرب، وإنْ كانت قد بدأت في الأصل لبنانيّةً – فلسطينيّةً جرّاء الهجوم الذي نفَّذه مسلَّحو “حزب الكتائب” على حافلة الركّاب الفلسطينيّين أثناء مرورها في منطقة عين الرمّانة شرق بيروت، قبل أن تتحوَّل لاحقًا إلى حربٍ يمينيّةٍ – يساريّةٍ، ومن ثمّ إلى حربٍ مسيحيّةٍ – إسلاميّةٍ، ولكنّ جولاتها المتتالية لم يكن ليُقدَّر لها أن تتواصَل على مدى قرابة الخمسة عشر عامًا من الزمان لولا البوّابة السوريّة التي كانت تمرّ عبْرها كافّة لوازم الاشتعال إلى من يهمّهم الأمر من “ملاقط النار” و”مخالب القطط” الحريصين على تنفيذ أجندة الرئيس (الراحل) حافظ الأسد في لبنان، وإلّا، لما كان سعر الرشّاش الأتوماتيكيّ من نوع “كلاشينكوف” قد وصل إلى ثلاثين دولارًا فقط، أيْ ما يعادل سعر قارورةِ عطرٍ فرنسيٍّ من نوعٍ جيّدٍ، ولما كان عدد الضحايا قد وصل إلى حوالي أربعين ألفًا، منهم من سقط في ميادين القتال أو جرّاء عمليّات القصف والقنص والتفجير والتلغيم والاغتيال، ومنهم من سقط بسبب خلافٍ على أفضليّةِ تجاوُزِ شارةِ مرورٍ أو بسبب نزاعٍ على بطّيخةٍ حمراء أو قرعاء، ولما كان اللبنانيّون قد دفعوا كلّ هذه الأثمان الباهظة من أجل تنفيذ هذه الأجندة التي لم توفِّر أحدًا منهم على الإطلاق، ولا سيّما بعدما قُدِّر للرئيس الأسد أن يحترف لعبة التحالف مع هذا الفريق ضدّ الفريق الآخَر، قبل أن ينقلب على حلفائه لنصرة غرمائه، ومن ثمّ ليعطي الفرصة والمبرِّر للفريقين لكي يتعاركا مع بعضهما البعض، وهي اللعبة التي دفعَت رئيس الوزراء اللبنانيّ (الراحل) رشيد كرامي الذي كانت تجمعه علاقة وطيدة مع الرئيس الأسد إلى القول ما بين الجدّ وما بين الهزل ذاتَ يومٍ من أيّام عام 1978 أمام زوّاره في حديقة قصره الصيفيّ في بلدة بقاعصفرين الشماليّة، وكنتُ في عدادهم، ما حرفيّته: “إنّ سوريا قدرٌ على لبنان، وينبغي علينا أن نتعامل بحذرٍ مع هذا القدر، حتّى ولو كان قدر الإنسان في معظم الأحيان سيِّئًا”… والخير دائمًا في قدرة اللبنانيّين على التعامُل بحذرٍ مع القدر السوريّ السيّء عن طريق تحصين السِلم الأهليّ في البلد من وراء القصد.

جمال دملج – يورابيا