//Put this in the section

السودان وموعد مع الأمل – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

صُنفت رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للكاتب السوداني الراحل الطيب صالح، واحدةً من أهم الروايات العربية في التاريخ. وقد جاء فيها على لسان بطلها كلمات ينعكس صداها على أحداث السودان اليوم، حينما قال: «إنني أريد أن آخذ حقي في الحياة عنوة».

أحداث السودان هي مرآة لأطيب الشعوب العربية، السوداني كريم وعفيف وأمين وصادق وصبور وحليم، ولكن إذا ما بلغ السيل الزبى فاحذر غضب الحليم. وما يحصل في السودان «تطور طبيعي» لوضع خاطئ، وهو اللعب على وتيرة تحريك عامل الدين في شعب له نفَس ديني فطري، لذلك أزهى فترات السودان كانت «الحقب الديمقراطية» قبل أن تعاني من الانقلابات عليها باسم الدين.




ملامح الدولة المدنية كان لها وجود مؤقت في حقب محدودة، ولكنها ناجحة ومؤثرة، وهي المسألة التي تطرق إليها بمهارة وعمق، المفكر السوداني منصور خالد، في كتابه المهم «النخبة السودانية وإدمان الفشل».

زرت السودان لأول مرة ضمن وفد سعودي إعلامي محدود، وكنت صبياً صغيراً في السن برفقة والدي، ورضا لاري، رئيس تحرير «عكاظ»، ويعقوب إسحاق، رئيس تحرير مجلة «حسن». والتقينا وقتها الرئيس السوداني جعفر نميري، وهو بلباسه العسكري. كانت السعودية وقتها قد قررت أن تدعم السودان اقتصادياً، فأقدمَ رموز الاقتصاد والأعمال في السعودية، مثل عدنان خاشقجي، وصالح كامل، وبن لادن، وبن محفوظ، على الدخول في مشروعات استثمارية كبرى في قطاعات مختلفة، مثل البنوك والزراعة والبني التحتية.

ولكن السودان ظل يعاني من مشكلة راح الاقتصاد ضحيتها، وهي «هوية السلطة» وتنقلها بين العسكرة والدين، كما حصل مع النميري نفسه، الذي جنح من أقصى اليسار الاشتراكي إلى أقصى اليمين الإسلاموي، تماماً كما فعل الثنائي البشير والترابي بعد ذلك، بحسب ما هو مناسب وما تحتاجه السوق السياسية.

كنت قد قابلت محمد إبراهيم، أشهر وأهم رجال الأعمال في السودان، وهو الذي أسس شركة اتصالات ناجحة وباعها بربحية رائعة، ووجه عوائد أعماله نحو القيادة الرشيدة في القارة الأفريقية، عبر مؤسسته التي تحمل اسمه، فقال جملة حكيمة: «خلف كل سياسي فاسد رجل أعمال فاسد».

السوداني ناجح في كل موقع، وهناك قصص نجاح عظيمة له في مجالات الطب والهندسة والمحاماة والمحاسبة، وغيرها من المجالات، ولكنه كان ضحية العنصرية البغيضة، عنصرية لم تهذبها الأديان ولا القوانين، فظلت تتعامل مع السودان بطبقية ودونية، مما عزل السودان وجعله منغمساً في همومه بشكل متزايد.

السودان بلد خيرات، فهو المصدر الأول للصمغ العربي، المادة التي تدخل في شتى المجالات الصناعية والتحويلية، وبلد زراعي رائد في زراعة السمسم والسكر، ونفطي أيضاً، ولكنه ضحية سوء الإدارة والفساد.

السودان بلد عريق وله تاريخ في التعليم؛ ففي الخرطوم تأسست «مدرسة كتشنر» الطبية، أول مدرسة طب تؤسس في شمال أفريقيا عام 1924، والتي كانت نواة لكلية الطب في جامعة الخرطوم لاحقاً. وبالتالي هذا الشعب العظيم يستحق العيش الكريم.

يردد السودانيون هذه الأيام: «يا شعباً لهبك ثوريتك»، لرمز الأغنية السوداني والرجل صاحب المبادئ والمواقف الوطنية، محمد وردي، الذي قال في هذه الأغنية: «سيد نفسك… مين أسيادك… ديل أولادك… وديل أمجادك».

رقي الأخلاق السودانية متجسد في الحراك السلمي لهم، غير متأثر بالتيارات الدينية التي تحاول خطفها. خرجت المرأة والرجل بروح وطنية، لا تكفير ولا تخوين فيها، راسمين صورة لسودان مشرق. وكما قال شاعر السودان الأكبر الهادي آدم، ذات يوم، وكتب: «قد يكون الغيب حلواً، إنما الحاضر أحلى»، قال مواطن سوداني في تعليق له لإحدى القنوات الفضائية عن الحراك السلمي: «الكسرة دي أكلة سودانية نقبلها؛ لكن الكسرة للكرامة ما نقبلها».