//Put this in the section

هل تنجح إيران باختراق الأقلية الدرزية والعلوية بسوريا مذهبيا؟

لا تختلف الأهداف الإيرانية التوسعية من وراء نشر التشيّع في المناطق التي تقطنها الأقليات، عن بقية المناطق السورية الأخرى، لكنها في واقع الأمر تختلف في الأساليب حيث تمارس طهران نشاطها على نطاق ضيق، وبتكتم شديد، تجنبا لإثارة الزوابع في حالة التعامل مع مجتمعات “منغلقة” إلى حد ما، ويصعب اختراقها، بحسب ما أوضح مراقبون لـ”عربي21“.

وأعطت مخاوف الأقليات من التنظيمات المتشددة التي ظهرت بعد السنة الثانية من الثورة السورية، فرصة ذهبية لإيران للتغلغل في بنية الأقليات السورية، مستفيدة من نظام “علوي” حاكم لسوريا.




وبحسب مصادر متطابقة، فإن المساعي الإيرانية المتزايدة لنشر التشيع في سوريا لم تقتصر على المناطق السنّية فحسب، بل امتدت إلى السويداء، وغيرها من المناطق التي تقطنها أقليات سورية.

وفي هذا التقرير تحاول “عربي21” الوقوف على العديد من التساؤلات، حول مدى نجاح إيران في اختراق الأقليات السورية، من خلال التحدث إلى مصادر مطلعة.

السويداء

ربما لم تثر ضجة إعلامية حول محاولات إيران نشر مذهبها في منطقة سورية ما، بقدر ما تثيره هذه المحاولات في السويداء ذات الأغلبية الدرزية، ومرد ذلك إلى حالة الرفض الدرزي الواسع لهذه المحاولات، بسبب طبيعة المجتمع المحلي الملتحم والمتماسك.

ووفق معطيات جمعتها “عربي21” من مصادر خاصة، فإن إيران نجحت مؤخرا في تحقيق اختراق جزئي للمجتمع المحلي في السويداء، بعد أن ساعدها على ذلك الهجوم الدامي الذي تعرضت له المحافظة من قبل تنظيم الدولة، في تموز/يوليو 2018.

المصادر أوضحت أن تنسيق الفصائل المحلية المسيطرة على السويداء مع النظام وحزب الله والمليشيات الإيرانية، لدرء خطر التنظيم عن المحافظة، ساعد إيران على الانتشار في الأوساط المجتمعية، والبدء بمحاولات نشر المذهب الشيعي، عبر عدد من الوكلاء المحليين.

وكشف تقرير نشره “تلفزيون سوريا” عن خطة إيرانية تهدف إلى التقريب بين الموحدين الدروز ومذهب الشيعة الذي تتبناه إيران، إلى جانب شراء عقارات في داخل المحافظة.

وأوضح، أن إيران تعمل على تصدير الشيخ عارف شعبان، أحد مشايخ الموحدين الدروز في أشرفية صحنايا، ليمثّل الطائفة الدرزية في المحافل الرسمية والأماكن التي تحتاج إيران إلى تمثيل للدروز فيها.

ونقلا عن مصدر أكد التقرير أن شعبان الذي تربطه علاقة وطيدة جدا مع رئيس “حزب التوحيد” اللبناني وئام وهاب، زار إيران أكثر من مرة خلال السنوات الماضية، وعمل على نشر دراسات دينية للتقريب بين مذهب الموحدين الدروز ومذهب الشيعة (الإثني عشرية) الذي تتبناه إيران، إلا أن هذا الزعم لا تسعفه الأدلة على الأرض، بحسب حديث الصحفي سالم ناصيف، لـ”عربي21“.

وقال: “يُثار من حين لآخر، الحديث عن محاولات إيران نشر التشيّع في السويداء لم تتوقف منذ العام 2012، لكن لم يشاهد أحد هذا النشاط على الأرض”.

وأعرب عن اعتقاده، بأن السويداء خارج نطاق أهداف إيران المذهبية، مستدركا: “لكنها قد تكون ضمن أهداف طهران عسكريا، أي تطويع أهالي السويداء في مليشيات تابعة لحزب الله”.

وأكد ناصيف، فشل كل هذه المشاريع، خلافا للنجاح الجزئي الذي حققته إيران في مناطق سورية أخرى.

بدوره نوه الصحفي مالك أبو خير من السويداء، في حديثه لـ”عربي21” إلى ما اعتبره “مخططا لحصار السويداء من قبل حزب الله”.

وأكد، أنه بالرغم من التعهدات الروسية بمنع تواجد إيران في الجنوب السوري، إلا أن إيران وحزب الله قاما بنشر قواعد عسكرية تمتد من مدينة القنيطرة وصولا إلى حدود السويداء، وهذه القواعد تحاصر السويداء بشكل شبه كامل.

تزامنا مع ذلك، بحسب أبو خير، فإن المدينة تتعرض لحصار اقتصادي، من خلال فرض الحواجز العسكرية التابعة للنظام ولحزب الله، مبالغ مالية كبيرة على حركة البضائع من وإلى السويداء، ما يزيد من تردي الأوضاع الاقتصادية، وهو الأمر الذي يصب في تحقيق مخطط إيران بالسيطرة على الجنوب السوري كاملا.

الساحل السوري

في الساحل السوري، حيث تتركز الطائفة العلوية (الطائفة التي ينحدر الأسد منها) الأقرب ظاهريا إلى إيران من باقي الأقليات السورية، يعكس المشهد المجتمعي الراهن، تعثرا إيرانيا واضحا في تشييع المناطق العلوية، لكن ذلك لا يعني نفي تأثر المزاج العام بالتيار الديني الإيراني.

وما يؤكد ذلك، بحسب مراقبين، الولاء المحلي المتزايد للروس، على حساب الولاء لإيران، ما يعطي انطباعا بأن كل المحاولات الإيرانية الرامية إلى استثمار خوف العلويين، باستمالتهم إلى التحول مذهبها، لا زالت محدود التأثير.

وفي هذا الصدد، قال الكاتب السوري، الدكتور راتب شعبو لـ”عربي21“، إن “ما حققته إيران برغم امتلاكها الإمكانيات الكبيرة في الساحل السوري، يعتبر خرقا ضعيفا على الصعيد المذهبي”.

أما الصحفي والباحث يحيى الحاج نعسان، فذهب في حديثه لـ”عربي21” إلى منحى آخر، يفسر ما يبدو فشلا إيرانيا في اختراق الأقليات السورية مذهبيا.

وقال إن “إيران أساسا لم تضع نصب عينيها اختراق الأقليات السورية من الناحية الدينية، على اعتبار أن هذه الأقليات هي أساسا محسوبة على المذهب الشيعي، حيث تعتبر الطائفة العلوية في الإطار العام فرقة من فرق الشيعة”.

وأضاف، أن توجه إيران الأكبر نحو السنّة الذين يشكلون أكثرية المجتمع السوري، لافتا إلى تسريبات عن وجود خطوط حمراء دولية تحظر على إيران التغلغل في بنية الأقليات السورية.

اصطفاف مصلحي

وخالف الحاج نعسان الانطباع السائد بأن مهمة إيران بنشر التشيّع ضمن الأقليات المحسوبة على الشيعة هي مهمة سهلة، وقال: “التقارب المذهبي الظاهري يخفي خلافات كبيرة يصعب تجاوزها، لأن نقاط الالتقاء انتهت، وهذا ما يمنع تأثر الأطراف وتقاربها”، وعلق بقوله: “قد يكون وقوف الطائفة العلوية إلى جانب الشيعة رغم الخلافات الكبيرة، اصطفافا مصلحيا، فرضه الواقع السوري”.

لكن ماذا عن الخطاب الديني الذي يسود أوساط الطائفة العلوية حاليا، والذي يظهر جليا في الشعارات الطائفية المتداولة بكثرة؟ يرد الحاج نعسان بالقول: “الناس على دين ملوكهم، ومعلوم مدى سيطرة إيران على مفاصل قرار النظام، ما يعني حكما أن حالات النفاق الاجتماعي ستزداد لصالح إظهار شيء من التدين لمجاراة إيران ومشروعها المذهبي”، كما قال.

إسماعيليو سوريا

مقابل نجاح إيران في اختراق مذهبي – ولو كان جزئيا- للأقليات السورية، فإنها في مدينة سلميّة الواقعة في ريف حماة الشرقي (وسط البلاد)، والتي تعتبر مركز ثقل الأقلية الإسماعيلية ذات الجذور الشيعية، واجهت رفضا مجتمعيا كبيرا، وذلك على الرغم من تركيزها على هذه المدينة بشكل ملفت للنظر، كما تؤكد مصادر.

وتعزو المصادر الخاصة بـ”عربي21” ذلك الرفض إلى البيئة الاجتماعية والنمط السائد الذي لا ينسجم والعقلية الإيرانية، فضلا عن الخلافات المتجذرة بين مذهب إيران (الإثني عشرية) وبين الشيعة الإسماعيلية.

إلى جانب ذلك، وبحسب المصادر ذاتها، فإن التفاف الطائفة الإسماعيلية على زعيم روحي واحد (آغا خان) يحظى بمكانة عالمية، قوى من شوكة الطائفة وجعلها غير آبهة بالخطر الإيراني، مهما كان حجمه.

ومقابل فشل إيران –إن جاز القول- في اختراق مدينة سلميّة مذهبيا، ترى مصادر أن إيران حققت اختراقا في الجانب العسكري، حيث شاركت مليشيات من الطائفة الإسماعيلية القتال إلى جانب النظام السوري والمليشيات الإيرانية، وتحديدا من مدينة مصياف التي تقطنها غالبية إسماعيلية.