//Put this in the section

زيادة الضريبة على فوائد الودائع خطر كبير

مروان اسكندر – النهار

هنالك تعجيل في خفض نفقات الموازنة سعيًا الى خفض في العجز يتجاوز نسبة 1 في المئة من الدخل القومي، ولا شك في ان وزير المال يشكر على مساعيه، لكنه يغفل مجالات واضحة ويبدو انه يفترض زيادة ضريبة الـ7 في المئة على فوائد المصارف وهذا التوجه خطر كبير على لبنان واقتصاده ودور مصارفه في تعزيز الدخل القومي الذي بالكاد يتزايد.




نبدأ بتعداد نشاطات أو لا نشاطات تُدفع رواتب موظفيها الذين يبلغ عددهم المئات، وأفضل توضيح يأتي من موظفي السكك الحديد. فالقطارات لا تعمل منذ سنوات والاراضي المعقمة التي تمتد على جوانب الخطوط القائمة والتي يتجاوز طولها 300 كيلومتر تبلغ مساحتها 3.2 ملايين متر مربع، منها أمتار ثمينة تمتد على جوانب الخطوط القريبة من البحر، ويجب ان يضاف الى الـ3.2 ملايين متر مربع المعقمة نحو 1.2 مليون متر مربع تمتد عليها الخطوط المهترئة وغير المستعملة.

عام 1992، أقرت زيادات على الرواتب والاجور لموظفي القطاع العام، وخصص مبلغ يومي يعتبر تعويضًا لنفقات الانتقال الى الوظيفة. كتبت في ذلك التاريخ ان تعويض الانتقال يجب ألا يسدد لعمال وموظفي مصلحة السكك الحديد لانهم لا يمارسون أي عمل.

زارني في مكتبي عدد من هؤلاء الموظفين واحتجوا على مطالبتي باستثنائهم من تعويض الانتقال، فسالتهم هل انتم تعملون على القطارات، فقالوا كلا لان الخطوط معطلة في مناطق، والقطارات المتوافرة مهترئة. فسألتهم هل يعمل عدد منكم في اشغال اخرى، فأجابوا نعم بالتأكيد، وعندئذٍ قلت لهم لا يجوز دفع تعويض الانتقال لكم، كما لا يجوز الاستمرار في عملكم في مصلحة لا تشغل لاسباب أخرى، ولا يزال هؤلاء الموظفون يتقاضون تعويض الانتقال الى رواتبهم، وتعويض نهاية الخدمة.

سيدي الوزير، الاستمرار في دفع رواتب موظفي السكك الحديد وتعويضاتهم أمر يخالف المنطق والمصلحة الوطنية.

ثمة مثل آخر على تبديد اموال الدولة يتمثل في تعويضات اعضاء المجلس الوطني للاعلام المرئي والمسموع وموظفي هذا المجلس الغريب العجيب. معلوم ان هؤلاء الأعضاء، وهم في غالبيتهم من الصحافيين المغمورين، انما المحسوبين على زعماء، لا يمارسون أي عمل. فهل سمع أي مواطن عن اجراءات لهذا المجلس لضبط الشتائم على الشاشات، وهل عوقب أي مناقش أو كاتب على اعطاء ارقام وشهادات في حق سياسيين ورجال اعمال من مجلس المرئي والمسموع؟ لم نسمع عن أي مبادرة تنظيمية أو رقابية من المجلس خلال عام 2018، وكان هذا العام شاهدًا على مقولات وشتائم لم يألفها المشاهدون واللبنانيون.

ان مجلس المرئي والمسموع باعضائه وموظفيه لا يجوز استمراره، فهذا المجلس عاجز عن معالجة الخلل الاخلاقي في مقولات ومقالات بعض ملتمسي ارضاء الحكم السوري. ومعلوم ان اعضاء هذا المجلس قد اختيروا وعيّنوا بمباركة السلطات السورية.

لا شك في ان الوزير يدرك ان اعداد المدرسين والمتعاقدين في المدارس الرسمية يفوق المستويات المعروفة عالميًا، فهنالك استاذ موظف أو متعاقد لكل سبعة تلامذة ثانويين في لبنان، والمعدل في البلدان المتطورة هو ما بين 18 و20 تلميذًا، وهذا هو المعدل في المدارس الخاصة. فلو لزمت الحكومة التعليم للقطاع الخاص، لاختصرت نصف رواتب الاساتذة والمتعاقدين في التعليم الرسمي. والمقارنة ذاتها تسري على الجامعة اللبنانية حيث لكل 10 طلاب استاذ موظف أو متعاقد. في حين أنه في الجامعة الاميركية والجامعة اليسوعية والجامعة اللبنانية الاميركية وجامعة نوتردام، يبلغ المعدل لكل استاذ 1/20 طالباً. فلماذا افراط الحكومة في تعويضات غير ضرورية.

نكتفي بهذه الامثلة وننتقل الى موضوع زيادة الضريبة على فوائد الودائع.

لقد تطورت خدمات المصارف ورؤوس اموالها خلال السنوات 25 الاخيرة بصورة تجاوزت الى حد بعيد معدلات النمو منذ 2011 وحتى تاريخه. وكان ذلك امرًا ممكنًا لان ازمة الاسواق المالية عام 2008 دفعت اللبنانيين وبعض مواطني دول الخليج الى نقل نسبة ملحوظة من أموالهم المودعة في البنوك الخارجية الى لبنان، فتلقت المصارف العاملة في لبنان 24 مليار دولار عام 2009، وكان ذلك العام الشاهد على أعلى معدل نمو تحقق في لبنان خلال الفترة من 1993 وحتى تاريخه.

أكثر ما يحتاج اليه لبنان حاليًا استعادة الثقة بان حقوق المستثمرين مضمونة، وتطبيق القوانين لا يميز بين المتقاضين، ولا يمكن لبنان مواجهة انحسار التحويلات سواء من اللبنانيين العاملين في الخارج، أو الاستثمارات. وهنالك خطأ شائع بان زيادة الودائع مستمرة، والواقع ان الزيادة التي يفترض انها محققة ليست واقعية. فزيادة الـ5 في المئة في الودائع وال3 في المئة السنة المنصرمة ليست زيادة بل اعلان واضح للانحسار، والارباح المعلنة انحسرت نسبتها خلال السنتين المنصرمتين الى ما دون الـ10 في المئة باستثناء ثلاثة مصارف. فالمعدلات المعلنة تقل عن حصيلة الفوائد، خصوصاً ان معدلات الفائدة على الحسابات الملحوظة كانت على مستوى 7-8 في المئة، ونتائج عمل المصارف التي تعلن بعد نهاية كل سنة تشتمل على الفوائد المستحقة للمودعين.

يجب ان ندرك ان المصارف باتت تعاني ارتفاع التكاليف وضرورات تحديث المعاملات بالاعتماد على وسائل العمل الالكترونية، ولهذا السبب لم يرتفع عدد موظفي المصارف بنسبة ملحوظة خلال السنتين المنصرمتين، وامكان تملك اسهم المصارف لم يعد الاستثمار المربح، وقد بيع حديثاً مصرف صغير من مجموعة لبنانية ناجحة صناعيًا من غير ان تكون للاسهم أي ميزة مالية تفوق القيمة الدفترية للاسهم، في حين انجزت عمليات قبل ثلاث وأربع سنوات سدد فيها المشترون زيادة على القيمة الدفترية بنسبة 20 و25 في المئة. واليوم تشهد أسعار اسهم بعض المصارف المعروضة في البورصة تراجعاً كبيرً.

معالي الوزير،

اذا اقدمتم على زيادة الضريبة على فوائد الودائع ستشهدون انخفاضًا كبيرًا في حجم هذه الودائع، وغالبية التحويلات ستكون لمصارف لبنانية لها فروع في الخارج في بلدان مستقرة. فرجاء عدم المخاطرة في تحجيم القطاع المصرفي في لبنان، والمطلوب تشجيع المستثمرين على ايداعات وتوظيفات في لبنان، واختصار النفقات الفائضة لا يكفي لحل مشاكلنا، فعسى ألا يزيد الابتعاد عن الاستثمار في البلد.