//Put this in the section

الفساد في لبنان.. إذا كان رب البيت بالدف ضاربا

عديد نصار – العرب

من نافلة القول إن الإسراع في تشكيل الحكومة اللبنانية بعد تسعة أشهر من تكليف الرئيس سعد الحريري لم يكن استجابة لحاجات اللبنانيين وتلبية لمصالحهم، وإلا لتم هذا التشكيل في الأسابيع الأولى لهذا التكليف.




الإسراع المتأخر فضحه التوافق السريع على برنامج الحكومة الذي نالت على أساسه ثقة البرلمان، وهو ليس أكثر من إضافة بعض الرتوش على برنامج الحكومة السابقة. مع إضافة عنصر المبالغة في الحديث عن مكافحة الفساد وهدر المال العام وضبط الإنفاق والكثير من الإصلاحات.

ما عجل بالتأليف هو نفسه ما جعل من وزارة البيئة، مثلا، بأهمية وزارة الاتصالات أو الطاقة من حيث الإغراء وفتح الشهية، أي أنه وعود مؤتمر سيدر والخشية من خسارة اللبنانيين للأموال الموعودة من الدول والجهات المانحة التي قررت أكثر من 11 مليار دولار للبنان، بعضها القليل على شكل هبات وأكثرها الكثير على شكل قروض نالت منها وزارة البيئة أكثر من مليار ومئتي مليون. كل ذلك كان مشروطا بإصلاحات نص عليها مؤتمر سيدر الذي عقد قبيل الانتخابات اللبنانية في باريس العام الماضي.

إذ هناك مليارات الدولارات قد تذهب إلى بلدان أخرى في حال تأخر تشكيل الحكومة التي عليها القيام بالإصلاحات المطلوبة ومنها مكافحة الفساد في مؤسسات الدولة وخفض عجز الموازنة وحل معضلتي الكهرباء والتلوث. وهكذا أنجزت مسرحية التأليف والبرنامج الوزاري وجلسات الثقة على عجل بعد إنذارات عدة من الجهات المانحة وخصوصا من الفرنسيين. ومن فورها أعلنت الحرب على الفساد.

كلف حزب الله أحد نوابه، حسن فضل الله، بمتابعة ملف الفساد، في حين أطلق الرئيس ميشال عون صفارة البدء بالحرب على الفساد معلنا أن لا أحد فوق رأسه خيمة، وأن الحرب على الفساد لن تستثني قطاعا أو جهة، كما أعلن رئيس مجلس النواب أنه لا غطاء لأحد في الحرب على الفساد.

وحيث أن الجميع يعترف بأن هناك فسادا يهدد الدولة في مؤسساتها وفي ماليتها العامة، فإنه لا بد من وجود فاسدين ينتفعون من هذا الفساد العميم الذي ينخر كل المؤسسات والإدارات والخدمات.

وإذا كانت الرشوة فسادا، وإذا كان ابتزاز المواطنين في مصالحهم الحيوية فسادا، وإذا كان فرض الخوات على معاملات الإدارات فسادا، وإذا كان التطاول على مالية المؤسسات فسادا، وإذا كان التعدي على شبكة الكهرباء والماء فسادا، وإذا كان التوظيف الانتخابي فسادا، وإذا كانت الرشى الانتخابية فسادا، وإذا كان التهرب الضريبي فسادا، تعالوا لنعطِ تعريفا موحدا للفساد يمكننا من فهم أصله ومنشئه والتعرف على رعاته الحقيقيين.

فحين يعم الفساد في مفاصل المؤسسات ويتعايش معها لسنوات طويلة فإنه علينا النظر في رعاة ومنتجي القوانين والقائمين على تنفيذها. فإما أن تكون القوانين فاسدة وإما أن يكون رعاة تطبيقها فاسدين.

وإذا كانت القوى المتمثلة في البرلمان وفي الحكومة تشن حربها على الفساد وتطلق حملاتها بملاحقة بعض الموظفين والقضاة والعسكريين، ألم تكن هي ذاتها متمثلة في الحكومات المتعاقبة أقله منذ عشر سنوات ترعى القوانين إصدارا وتنفيذا؟ ولماذا لم تطلق حملتها خلال السنوات الماضية في ظل الحكومات المتعاقبة؟

ثم لننظر في هذه القوى المسيطرة على الدولة اللبنانية اليوم وفي مقدمتها حزب الله الذي يعلن على رؤوس الأشهاد أنه يتلقى تمويله وأسلحته من إيران بالضد من كل القوانين اللبنانية، ويطلق حروبه في بلدان المنطقة بناء على إشارة الولي الفقيه، حيث صرح حسن نصرالله أكثر من مرة بأنه جندي في جيش الولي الفقيه.

هذا الحزب الذي يبسط نفوذه مع حلفاء في الحكومة اللبنانية والبرلمان ويكلف أحد نوابه بمتابعة ملف الفساد يمارس كليا خلافا للقوانين المرعية الإجراء من حيث تلقي الدعم المالي ومن حيث امتلاك الأسلحة واستقدامها ومن حيث نقل آلاف المسلحين والأسلحة والمعدات العسكرية عبر الحدود اللبنانية التي يستبيحها خلافا للقوانين ذهابا وإيابا ويعود إلى لبنان بالمئات من ضحايا حروبه في سوريا وغيرها، إذا كان هذا الحزب يحارب الفساد، فعن أي فساد تتحدثون؟

الفساد يكون باختيار المحاسيب والأزلام للوظائف الحيوية في المؤسسات والإدارات، ومنح الحصانات السياسية فوق القانون، وفي صرف النفوذ وفي تعطيل المؤسسات. وإذا كانت جميع القوى الممثلة في البرلمان وفي الحكومة متوافقة على محاربة الفساد فلماذا تتعطل المرافق العامة بالشغور، أو يتم التعدي على الصلاحيات أو الاستحواذ عليها نتيجة عدم تشكيل الهيئات الناظمة أو مجالس الإدارة فيها لسنوات وسنوات بسبب الخلاف على الحصص والتنفيعات؟

وتأخذ الخلافات على الحصص في تعيين الموظفين الكبار ومجالس الإدارة والمديرين والهيئات الناظمة للقطاعات في سائر المؤسسات طابعا سياسيا طائفيا، فيصبح فلان ممثلا لمصلحة طائفته، أما الآخر من نفس الطائفة فلا يحق له تمثيلها، مع العلم أن توزيع المقاعد عموما يأتي حسب التوزيع الطائفي في كل المجالس والهيئات الناظمة.

ومن شروط الجهات المانحة في مؤتمر سيدر خفض العجز في مالية الدولة. وهنا ينطلق البحث لدى المسؤولين لملاحقة الهدر في المال العام من خلال توجيه الأنظار إلى الرواتب والأجور والتركيز على التوظيف الانتخابي انطلاقا من قانون سلسلة الرتب والرواتب في مادته 21 التي منعت التوظيف بدءا من سنة 2017.

أما التوظيفات الانتخابية فهي صنو الرشى الانتخابية وتقع مسؤوليتها حكما على مقدميها من الوزراء الذين يحاولون شراء أصوات المعوزين الذين يتهافتون على أي عمل يمكن أن يسد رمقهم، وهذا بالتالي هو أيضا مسؤولية الدولة التي يسيطر عليها هؤلاء من خلال أحزابهم.

وإذا كان حزب الله قد كلف أحد نوابه بمتابعة ملف الفساد فتوقف عند ملف الأحد عشر مليارا المرتبط بحقبة رئيس الوزراء ووزير المالية الأسبق فؤاد السنيورة، فإن للتيار الوطني الحر صوتا مماثلا في البرلمان هو النائب إبراهيم كنعان رئيس لجنة المال والذي يتابع ملف الموظفين وتعويضاتهم وكيفية توظيفهم، ويطلق بين الفينة والفينة تصريحات مهوِّلة باتجاه الوظيفة العامة ومعاشات الموظفين، متعاميا عن الصفقات الكهربائية لرئيس تياره جبران باسيل وعن فضائح صالونات الشرف والرحلات السندبادية التي يقوم بها حول العالم وما تجره من إنفاق من المالية العامة.

اليوم تنعقد جلسة لمجلس الوزراء، على جدول أعمالها ثلاثة عشر مشروع سفر ممولة من المال العام، لا ندري كلفتها وأية صالونات شرف ستفتح لاستقبال روادها. لا يمكن للدرج أن يشطف من منتصفه، وهنا يصح قول الشاعر: إذا كان رب البيت بالطبل ضاربا… فشيمة أهل البيت كلهم الرقص.