//Put this in the section

جعجع يحاكي باسيل: لا ثقة مسيحياً ولبنانياً… معركة استحقاقات بين ”القوات و”التيار العوني”

ابراهيم حيدر – النهار

بعيداً من السجال في الكهرباء ومناقشات الإصلاح المالي، نشبت معارك سياسية واشتباكات على أكثر من جبهة داخلية، ارتبطت مباشرة بالعهد لما يمثله من موقع سياسي ينطق في حالات كثيرة كطرف باسم “التيار الوطني الحر”، إضافة إلى منصب الرئاسة الأولى التي يفترض أن تكون حكماً بين اللبنانيين. ولعل الاشتباك الأبرز الذي ظهر جلياً بعد تشكيل الحكومة كان بين “القوات اللبنانية” و#التيار العوني، وهو اشتباك مستمر سياسياً بالدرجة الأولى قبل أن يكون في ملفات الكهرباء والفساد والنازحين وغيرها، ويرتبط بموقع كل منهما في الساحة المسيحية أولاً، ثم في الموقع السياسي العام.




وأياً يكن ما يبرره كل من “التيار الوطني” و”#القوات” عن الخلاف المستحكم بينهما، ووضعه في إطار الاختلاف الطبيعي على ملفات ترتبط بقطاعات عدة، إلا أن الاشتباك هو سياسي بالدرجة الأولى ويتعلق بالمرحلة المقبلة واستحقاقاتها، من الرئاسة إلى الهيمنة على القرار في الساحة المسيحية، خصوصاً بعدما انهار التحالف بينهما بعد سقوط “اتفاق معراب” وتفرقهما في اتجاهات مختلفة، إلى انهيار تحالفاتهما على المستوى السياسي العام في البلد. وتقول مصادر سياسية مسيحية إن الخلاف بين الطرفين وصل إلى نقطة اللاعودة، مهما حاولا رأب الصدع، طالما أن “اتفاق معراب” الذي راهنا عليه لم يستطع الصمود أمام طموحات تكريس المرجعية السياسية في الساحة المسيحية. ولا ترى المصادر أي إمكان لجمع قيادتي “القوات” و”التيار” على مشروع واحد، ذلك أن كل طرف بدأ يعد العدة للمرحلة المقبلة التي قد تفتح على صراعات ومواجهات ساخنة، خصوصاً مع اقتراب ولاية الرئيس عون من منتصفها، فضلاً عن التحضير للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

إلى الآن لا تزال الحرب باردة بين قوتين هيمنتا على الساحة المسيحية. وتمكن التيار الوطني الحر من حصد عشرة مقاعد وزارية بدفع من موقع الرئاسة ودعم قوى أخرى في مقدمها “حزب الله”، فيما لم تتمكن “القوات” من الحصول سوى على أربعة مقاعد، بسبب اهتزاز العلاقة مع تيار المستقبل وتفكك التحالف الآذاري. لذا تظهر المعركة اليوم على ملفات الكهرباء والنازحين والفساد في مجلس الوزراء، من دون أن تلغي الخلفية السياسية للصراع، والمرشح للتحول إلى حرب شاملة تستحضر كل مصطلحات مرحلة العداء السابقة.

المؤشرات تؤكد أن العلاقة بين “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” ذاهبة إلى مزيد من التأزم. وبينما اتخذ سابقاً الصراع على الحقائب الوزارية شكلاً من الهيمنة على القرار المسيحي امتداداً لما أحدثته الانتخابات النيابية من إقصاء للعديد من المستقلين المسيحيين وإطباق الثنائي المسيحي على معظم ساحة النفوذ، بات التساؤل الذي يطرح: إلى أين يمكن ان تصل الامور بين الطرفين.

من المقرر الرئيسي في الساحة المسيحية اليوم، وله كلمة عليا في الشؤون اللبنانية العامة؟ لا يصرف الكلام على تركز الخلاف على ملفات خدماتية وعلى قطاعات معينة، فالكباش “العوني – القواتي”، قد يشتد طالما يريد كل طرف إثبات هيمنته، مثلما كان يريد كل حزب تمثيلاً أكبر في الحكومة لتجنّب عزله وتحجيمه مسيحياً ولبنانياً. والمشهد لا يعكس صورة إيجابية بين الطرفين، خصوصاً أنهما خاضا مواجهة شرسة في الانتخابات النيابية الأخيرة على عكس أطراف في طوائف أخرى، كالثنائي الشيعي مثلاً. أما المشكلة التي فهمها حزب القوات ويركز مواجهته على اساسها، فهي أن “التيار الوطني الحر” يعتبر أنه الأحق في التمثيل المسيحي وفقاً لنتائج الانتخابات، ووفقاً لموقعه العام في البلد، خصوصاً موقع الرئاسة، وهو يريد أن يكمل السيطرة على مفاصل أساسية، بما يذكّر بمرحلة 1989، فبدا الصراع بين “القوات” و”العونيين” يستنسخ هذه المرحلة لكن بعنوان جديد هو الأحجام مسيحياً، ثم في التأثير على مجريات الأمور في البلد.

يمتد الصراع إلى موقع رئاسة الجمهورية وهو الذي يريد اليوم أن يشكل المحور الأساسي للموقع المسيحي في البلد بصلاحياته وممارساته وأدواره، لذا فإن عنصر القوة الوحيد حتى الآن لدى الرئيس عون، هو قدرته على ضبط التركيب السياسي مسيحياً، فيما واقع التركيب الثلاثي للحكم وفق الطوائف الكبرى لا يزال يستمد مقوماته من تركيب اتفاق الطائف، مع التعديلات التي تكرست خلال السنوات الاخيرة وأعطت الشيعية السياسية موقعها في القرار. لكن التيار والقوات يعرفان أن التجاذب السياسي والطائفي والتوازنات أدت إلى تراجع فكرة الرئيس المسيحي القوي الذي يمكنه أن يحكم باستعادة الصلاحيات. وتبدو القوات قادرة أكثر على طرح الأسئلة في ملفات عدة، وهو أمر لا ينبغي التقليل من تأثيره، إن كان في موضوع الكهرباء أو الفساد أو النازحين، لكن سؤالها الذي تستطيع أن تستثمره للمرحلة المقبلة هو عن الرئيس الحَكَم وكيفية تعامله مسيحياً ولبنانياً، فيما السؤال العام الذي يطرح لدى المسيحيين هو عن معنى أن يكون هناك حكام آخرون، وما إذا كانت حقوق الطوائف ستبقى مكرّسة ثنائية أو ثلاثية أو حتى رباعية وخماسية وفق موازين القوى والتحالفات.

لم يعد يجدي كلام #القوات وفق ما تقول المصادر عن دورها في إيصال عون إلى موقع الرئاسة، ذلك أن أطرافاً آخرين ساهموا في إيصاله. وعلى هذا تقول المصادر إن العلاقة بين رئيس القوات سمير جعجع والرئيس ميشال عون ليست جيدة وهي اسوأ مما يتوقعه البعض، فيما لا تفاهم وانعدام ثقة بين جعجع ورئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل، والذي تحمله القوات مسؤولية إسقاط كل الاتفاقات والتفاهمات التي بنيت ثنائياً، في حين أن باسيل لا يتردد في الحديث عن عزل القوات ومواجهتها في موضوع التمثيل المسيحي. لذا عادت القوات للتأسيس من موقعها الأول في الطائفة، وهي قدمت تنازلات كثيرة، خصوصاً في الحكومة خوفاً من استفرادها، بعدما تمكن التيار الوطني من نسج تحالفات استقواء مع الطوائف الأخرى، حتى مع السنية السياسية التي كانت حليفة القوات في المرحلة السابقة. الصراع مفتوح بين “القوات” و”التيار” أقله إلى أن تدهم الاستحقاقات الطرفين، خصوصاً الرئاسة، وبينهما المتضرر الأول هو المسيحيون…