//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

أين يقع ميدان التحرير؟ – إلياس خوري – القدس العربي

هل اختفى ميدان التحرير؟

الذي يزور مصر اليوم لن يعثر على الميدان الذي شكّل علامة التحوّل الكبرى في العالم العربي، وهو يدخل في القرن الجديد.




شرارة الثورة التي انطلقت من تونس، وامتدت إلى مدن مصر وليبيا واليمن وسوريا والبحرين، وجدت في ميدان التحرير المكان الذي تحوّل إلى رمز لانتفاضات الشعوب العربية ضد الاستبداد. كان ميدان التحرير مختبرا للحرية، وشهدت شوارعه الجانبية مقاومة شعبية مذهلة للاستبداد والديكتاتورية.

لكن أين ذهب الميدان؟ هل اختفى مع القمع الشامل الذي تعرّض له شباب الثورة نتيجة التواطؤ شبه المعلن بين المجلس العسكري والإخوان في سياق تشكيل دائرة القمع التي انتهت بانقلاب عسكري أطاح بالإخوان، وأعاد مصر إلى مربّع الحكم العسكري؟

علاء الأسواني في روايته «جمهورية كأن» قام بكتابة مضبطة اتهام، تمزج الواقعي بالمتخيّل لتلك المرحلة الدموية من حياة ميدان التحرير، وكانت النتيجة المباشرة هي إحالة الكاتب إلى القضاء العسكري! ومنع كتابه الذي طبع في «دار الآداب» في بيروت من دخول مصر.

وبالأمس، قامت نقابة المهن التمثيلية في مصر بطرد الفنانين عمرو واكد وخالد أبو النجا من عضويتها بتهمة الخيانة العظمى، والسبب هو أنهما انتقدا التعديلات الدستورية في مؤتمر عقد في واشنطن وشارك فيه بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي! بيان الطرد الذي وقّعه نقيب المهن التمثيلية أشرف زكي، جاء سريعا وصاعقا ومن دون تحقيق، وهو يشكل نموذجا صارخا لنية السلطة الإطاحة بالأشكال القانونية، ومؤشرا للواقع المصري الجديد.

السؤال هو ما معنى الخيانة العظمى أولا، وكيف تحوّلت النقابة التي من المفترض فيها الدفاع عن أعضائها إلى شكل من أشكال المحكمة التي أصدرت حُكما غيابيا من دون الاستماع إلى المتهمين.

يبدو السؤال شكليا، فالاستبداد هو عدو الأشكال والأطر القانونية التي تحمي المواطن. مهمة الاستبداد الأولى هي تحطيم الأشكال وتعرية المجتمع من ضماناته التي اكتسبها عبر نضال شاق.

أول ما يلفت النظر في الأداء الإعلامي التابع للسلطة في مصر هو ركاكته وقدرته الخارقة على تتفيه نفسه في سياق محاولته تتفيه خصومه، ولعل قمة السذاجة نراها حين يرسم مقدمو برامج «التوك شو» المزدوجين الصغيرين في الهواء عند الحديث عن ثورة يناير، من أجل الإيحاء بأن الثورة لم تحصل، أو بأن ما حصل كان مجرد هوشة فوضوية، جاء الجيش من أجل ضبطها، في سياق حربه على الإرهاب!

ولكن أين ميدان التحرير من كل ما جرى ويجري؟

الميدان كما يبدو اليوم يلفّه الخمول، كأنه لم يكن، هذا ما يوحي به كل شيء. ناشطو الميدان إما في المعتقل أو في المنفى أو في الصمت، والصوت الذي يلعلع هو صوت القمع. انتكاسة الربيع العربي قادت إلى قمع لا يتسمى إلا باسمه. صورة السيسي كوريث لناصر سرعان ما تلاشت في صفقة تيران وصنافير ثم اضمحلت في التعاون العسكري مع إسرائيل في سيناء. وهذا ليس حال مصر وحدها، فموجة الثورة المضادة لا تملك سوى خطاب واضح هو الخطاب الأمني، ولا أفق لها سوى الوصول إلى بلورة ممارسة القمع من أجل القمع، أي القمع من أجل بقاء السلطة فقط لا غير، بصرف النظر عن محاولة صوغ شرعية سياسية نابعة من مشروع اجتماعي- سياسي. هذا ما تشهده سوريا حاليا، وهذا ما تشير إليه وقائع التفتت الليبي وإلى آخره…

ولعل نموذج هذا العجز السلطوي يتجلى اليوم في الجزائر، حيث اندمج الرمز بالواقع بشكل غرائبي، بوتفليقة ليس عاجزا عن الكلام السياسي فقط بل هو عاجز عن أي نوع من الكلام، وسلطة الجنرالات والمافيات المالية المحيطة به تبدو اليوم في قمة خرسها وعجزها أمام ميادين التحرير الجزائرية.

نسأل أين ميدان التحرير، فيأتينا الجواب من المغرب العربي. ميدان التحرير يقع اليوم في الجزائر مثلما يقع في الخرطوم، وهو قادر على الفعل في أماكن أخرى. ولعل سر «الربيع العربي» لا يكمن في انتصاراته أو هزائمه، بل في قدرته على تحرير الناس من الخوف. ورغم أن المقتلة السورية شكلت نموذجا ترهب به الأنظمة شعوبها، وهذا ما جرت محاولة تعميمه عندما رفع شعار «منع سوْرَنة الجزائر»، فإن جدار الخوف قد انكسر.

هزيمة الربيع العربي التي بدت وكأنها قادرة على إقفال الأفق وإعادة العالم العربي إلى مربع الاستبداد العسكري- النفطي، وطحن إرادته في سياق الصراع السني- الشيعي، أي الإيراني السعودي، الذي رمى المنطقة في الحضن الإسرائيلي، هذه الهزيمة ليست قدرا ولا تستطيع أن تقفل الأفق. فالحضيض الذي وصل إليه العالم العربي لا حضيض بعده، ولا يستطيع أن يستمر أو يتأبّد.

محاكمة الأسواني واتهام واكد وأبو النجا بالخيانة العظمى واعتقال شباب ميدان التحرير، وتحويل الشعب السوري إلى شعب من اللاجئين، ليست سوى جزء من مرحلة تسود في العالم العربي، هدفها اجتثاث روح الحرية التي صنعها ميدان التحرير، وهي روح لا يمكن لأحد أن يقتلها.

هذه الروح لا تحيا إلا بتجديد جذري للفكر العربي، وهو تجديد مطالب بتحويل انتفاضات الربيع العربي التي انفجرت في وجه الأنظمة إلى مشروع فكري وسياسي وأخلاقي، يعيد إعطاء المعنى للحرية والديمقراطية ودولة العدالة الاجتماعية.