//Put this in the section

لو كنت أعلم .. كلفت ١١ مليار

مسعود محمد

تبادل الحملات الإعلامية بين “تيار المستقبل” و”حزب الله” على خلفية إثارة الأخير قضية الحسابات المالية لإنفاق الـ11 بليون دولار أميركي بين عامي 2006 و2009 أثناء رئاسة الرئيس فؤاد السنيورة للحكومة، تحول إلى تبادل للحملات بين إعلام “المستقبل” وإعلام “التيار الوطني الحر” الذي اشترك مع “حزب الله” في الهجوم أول من أمس على السنيورة، عبر محطة “أو تي في” الناطقة باسمه، فردّ عليه تلفزيون “المستقبل” الناطق باسم “تيار المستقبل” الذي يتزعمه رئيس الحكومة سعد الحريري، بقوة، ليصدر بعد يوم واحد بيانات تستخف بعقول الشعب اللبناني وتدعي أن إعلام التيار الوطني تصرف بشكل عفوي دون إرادة سياسية.




أصل حكاية ال 11 مليار هي جملة من ثلاثة كلمات نطقها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله بعد حرب تموز وهي ” لو كنت أعلم”. رغم مرور 12 عاما على تلك الحرب المشؤومة، مازال حزب الله وحلفاؤه الممانعون يحاولون وعلى نحو يثير الشفقة استنهاض تراجيديا تلك الحرب وأوهام انتصاراتها من القبر لصوغ مقالات وهاشتاغات وتحقيقات تحاول القول إن اسرائيل تسعى إلى تحقيق ما فشلت في فعله في تلك الحرب أي القضاء على المقاومة عبر دعم التكفيريين في سورية. اليوم يستنجد حزب الله مجددا بتلك الحرب ليطلق إتهامات الفساد بإتجاه الرئيس فؤاد السنيورة الذي لو لم يكن رئيسا للحكومة حينها لما وقفت الحرب، ولتم سحق حزب الله الذي إنتشرت حينها صور قتلاه كغابة في كل شوارع الضاحية والجنوب، إذ سقط حينها أكثر من 1000 مقاتل لحزب الله. والأهم إنه لولا وجود شخصية كالرئيس السنيورة في رئاسة الحكومة لما تم إعادة الإعمار.

من هذا حاله يستحق الرثاء فعلا، فالقول إن المقاومة انتصرت وإنها تواجه اسرائيل في سورية كلام لا يخاطب المزاج العربي المترنح بين خيارات عديدة مستجدة الأرجح أن الصراع مع اسرائيل بات يأتي في آخرها خصوصاً حين تكون الشعارات فارغة ومسيسة إلى هذا الحد. والمهمة المقدسة المزعومة والمنسوبة الى حزب الله بصفته مسؤول عن إقلاق اسرائيل فتلك مهمة أنهتها حرب تموز التي أنتجت حتما انتصاراً عسكرياً لحزب الله تمثل في تماسكه في وجه اسرائيل لكنها في المقابل أنهت دوره وأقفلت جبهة الجنوب اللبناني في وجهه. فمنذ أن طويت تلك الحرب أدا ر حزب الله ظهره للحدود وباشر مغامراته في لبنان التي توجها باحتلال بيروت عام ٢٠٠٨ وما استتبع ذلك من سيطرة سياسية له على الحكومة. فبعد إثنا عشر عاما، لم تعد حرب تموز هي محك حزب الله، فهناك حزب الله ماقبل التورط في الدم السوري وحزب الله ما بعده. حزب الله ما بعد سوريا، سيطر على المجلس النيابي، والحكومة، والآن يريد أن يحكم البلد فهو لم يعد يكتفي بالمثالثة المقنعة عبر توقيع وزير المالية، ويهدف الى ما هو أبعد من نيابة رئيس الجمهورية، هو يريد ببساطة البلد كله ليكون منصة متقدمة لإيران على شواطىء البحر المتوسط. حزب الله ينفذ مهمة غير لبنانية ولكنها تنعكس على كل اللبنانيين. وكل الصورة المضخمة التي حيكت حول حزب الله بعد حرب تموز، كحزب مقاوم، مقارع لإسرائيل، تبددت تماما من خلال ما إرتكبه ويرتكبه في سورية وذاك بعد انتقال الحزب السريع من موقع الطامح لأن يكون نموذجا يحاكي المشاعر الشعبوية العربية عبر مقارعة اسرائيل إلى حزب مذهبي موكل بمهمة محددة وهي الدفاع عن المواقع الايرانية في سورية ومناطق أخرى بأبخس الأثمان. صحيح أن هذا لطالما كان دور الحزب أي الالتزام بالراعي الايراني وبمصالحه لكن تلك المهام كانت مغلفة بشعارات الصراع مع اسرائيل التي سمحت له بتقديم نفسه إلى الرأي العام العربي بصفته قصة نجاح شبه وحيدة في هذه المواجهة، اليوم أصبح الحزب أكثر وقاحة وأمين عامه يعلن على رؤوس الأشهاد أن ماله، وسلاحه، وحتى الهواء الذي يتنفسه، مرسل له من إيران، وبالتالي هو مسير بالإرادة الإيرانية، بخيار مذهبي عقائدي يريد فرضه على كل لبنان، عبر تغيير هويته العربية وفرض الفرسنة على كل الشعب اللبناني.

الرئيس فؤاد السنيوره الذي رد على إستهداف حزب الله، لم يقف رده على ما اعتبره استهدافا من “حزب الله” له على تفنيد مسهب للاتهامات بالارقام والجداول، بل وجّه كذلك اكثر من رسالة في السياسة عبّر عنها حضور شخصيات من 14 آذار دعماً للسنيورة، الى جانب اعضاء حكومته السابقة، وعدم رفع الغطاء السياسي عنه او تركه وحيدا. فهو اكد في مؤتمر صحافي عقده في نقابة الصحافة، أن “قصة الـ11 مليار دولار كلها هي عاصفة في فنجان”، مشيرا الى أن “هناك من يحاول ان يحرف انتباه الناس نحو مسائل أخرى ليغطي ما يفعله وليمنع الاصلاحات الحقيقية”. وتوجه الى “حزب الله” من دون ان يسميه بالقول ان “الفساد الأكبر هو الفساد السياسي، ويُعتبر فاسدا سياسيا كل من يقيم دويلات داخل الدولة ويسيطر على مرافقها ومن يعطل الاستحقاقات الدستورية ويحول دون تطبيق القانون”.

وقال: “يتفرع عن الفساد السياسي الفوضى في النظام العام والارتباك في الوظيفة العامة واستتباع الدولة ومؤسساتها لصالح الميليشيات وملوك الطوائف وفقدان السيطرة من قبل رجال السلطة وتعدد الولاءات وانفساح المجال واسعاً أمام التعدي على القطاع العام ونهب ثرواته ولجوء المرتكبين إلى طوائفهم لكي يحتموا من الملاحقة والمحاسبة، كما يتفرع عنه ضعف الانتماء الوطني ليتحول إلى انتماءات مذهبية وطائفية بحيث تفقد الهوية الوطنية طابعها الموحِّد للمواطنين فتضيع بذلك المساواة بينهم. ويتفرع عن هذا أيضاً فقدان المعايير وضياع مرجعية الدستور بحيث يمكن المهيمنين أن يعدِّلوا الدستور بالممارسة كما يقولون ويبتكروا في كل يوم قاعدةً جديدةً تخدمُ مصالحَهمُ المتبادلة بحسب الظروف والأحداث.

وخلص الى القول:”إن من أدخل نفسه في مأزقه السياسي وتورط في النزاعات الإقليمية والدولية معرّضاً مصالح لبنان والتي لا قدرة له على مواجهتها، وأخذ الدولة رهينة وعرّضها للمخاطر وعطّل مؤسساتها ومواعيدها الدستورية، وحجب أموال الجمارك عن الخزينة عبر رسوم جمركية خاصة به في عدد من المنافذ، والذي صادر قرار الحرب والسلم، وخاض حروباً مدمرة للبلد واقتصاده وبنيته التحتية كلفت الخزينة أموالاً باهظة وحالت دون استمرار تحقيق النمو ودفع إلى تهميش مؤسسات الدولة، ولم يصرح عن الهبات الإيرانية المباشرة من دون علم الدولة بها، وهو يتصرف وكأنه امتداد لنظام أجنبي، ويدخل لبنان في سياسة المحاور والتدخل في شؤون الدول الشقيقة خلافاً لسياسة الحكومة النأي بالنفس”.

وختم: “إنّ من فعل ويفعل كل ذلك لا يحق له ولا ينبغي أن يستتر في مأزقه وراء غبار لا يدوم. ولدينا ما يكفي من الضوء لكشفه وتبديده”.

لو كنا في بلد يحترم نفسه، لما إستطاع حزب الله حماية تجارة المخدرات وإنتاجها.

لو كنا في بلد يحترم نفسه لما سمح لحزب أعضائه متهمين بقتل رئيس وزراء، وكوكبة من الشخصيات الوطنية بأن يتمثل في الحكومة.

لو كنا في بلد يحترم نفسه لما سمح لحزب قتل المقاومين الوطنيين، على رئسهم قائد ومؤسس المقاومة الوطنية اللبنانية الشهيد جورج حاوي وزور حقيقة التحرير بالكلام عن مقاومة لم تفعل شيئا سوى هدر الكرامة الوطنية.

أصل الهجوم على الرئيس فؤاد السنيورة هو تخلي القوى السياسية الفاعلة في 14 آذار عن مشروع العبور الى الدولة وإنتخاب حليف حزب الله، ميشال عون رئيسا للجمهورية، مما أوحى للحزب بإمكانية إستمراره بإغتيال ما تبقى من نهج الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

لو كنا في بلد يحترم نفسه لكان مصير حسن نصر الله محاكمة بتهمة الخيانة الوطنية، ولتم محاسبته على كل قطرة دم أهدرت في لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق وكل الدول التي يتدخل فيها حزب الله من خارج الإرادة الوطنية اللبنانية، والعربية، لأنه كان يعلم بما هو فاعل، وقام بما قام به بوعي وإرادة.