//Put this in the section //Vbout Automation

نصرالله يستنفر جمهوره في مواجهة الضائقة المالية… هل المبادرات فاعلة؟

ندى أيوب – النهار

في هذا التحقيق، نستعرض عدداً من المبادرات التي تحصل في بيئة “حزب الله” للتبرع بالأموال له نتيجة الضائقة المالية التي يعانيها. ونسأل خبراء وعارفين عن حجمها وتأثيرها؟




إنطلاقاً من نظرة “حزب الله” إلى فعل “المقاومة” على أنه “فعل متنوع ومتكامل في مجالات متعددة عسكرية، وسياسية، وثقافية، واجتماعية، ولوجستية، ومعنوية ونفسية”، تحدّث الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله في خطاباته الأخيرة، الداخلية والعلنية، عن أهمية الدعم الشعبي أو ما يسمى بـ”جهاد المال”، إن كان بمبادرات فردية أو عبر تفعيل أنشطة “هيئة دعم المقاومة” في ظل حرب العقوبات التي تخاض ضده غربياً وتحديداً العقوبات الأميركية. ورغم تأكيده على أن “حزب الله لن يجوع ولن يفتقر بل سيصمد بوجه الحرب الجديدة القديمة”، وضع أهالي “المقاومة” أمام مسؤولية التصدي لتلك الحرب. لم تمضِ ساعات وأيام قليلة على كلام نصرالله حتى بدأت موجة من المبادرات والتبرعات الفردية تظهر، والتي اتخذت أشكالاً مختلفة منها ما يُنشَر ومنها ما يبقى بطبيعة الحال بعيداً عن الأضواء. وإن كانت البيئة الضيّقة للحزب هي السد المنيع إلا أن المواجهة تمتد لتطال داعمين من مختلف الطوائف اللبنانية بحسب المعلومات.

فهل في الحقيقة يحتاج الحزب إلى المال الذي تدفعه الطبقات الفقيرة والمتوسطة الدخل عبر مبادرات فردية أو تقديمات عينية أو حتى مساهمات الأطفال الصغار في حصالاتٍ توضع في المنازل؟ تختلف قراءة المشهد بين الخبراء الاقتصاديين بين معوّل عليه يستند إلى “صلابة مجتمع المقاومة عند الشدائد”، ومقلِّل من شأنه نظراً لعوامل داخلية وخارجية يضيق معها هامش التفاعل المطلوب. وبين هذا وذاك يجمع أبناء البيئة الحزبية على أن “الشعور بالضائقة المالية أصبح واقعاً معاشاً، إلا أن الرابط المعنوي وهو الأهم بين الحزب وجمهوره سيشتدّ، ليثبت التكامل بينهما أنه بالإمكان تحقيق نصر اقتصادي تتناقله الأجيال على غرار الانتصارات العسكرية”.

تفعيل أنشطة ومبادرات فردية

منذ بداية عهد الطلقة الأولى، كان “مجتمع المقاومة” شريكاً لحزبه. العناصر بدأوا عملهم بشكل تطوعي والبيئة الأوسع تساهم بتمكين الحزب من خلال “هيئة دعم المقاومة” التي ومنذ تأسيسها في أواخر الثمانينيات يعتبرها الحزب “جزءاً أساسياً من عمله المقاوم في البعدين المعنوي والمادي”، الأمر الذي آثر نصرالله التأكيد عليه في كل خطاب كان يلقيه بمناسبة تتعلق بالهيئة. الصلة جوهرية وعميقة إذاً، وليست وليدة اليوم. بدأت بوتيرة عالية ما قبل العام 2000 وبعده لتخفّ تدريجياً مع توسع جسم الحزب وتطور شكل مؤسساته. بعضها تحقق الأرباح وأخرى لا، هكذا تعدّل الكفّة فضلاً عن التمويل الخارجي. أما بعد حرب تموز 2006 شعرت بيئة الحزب بنوعٍ من الرخاء نتيجة الدعم المالي الإيراني الكبير. ومع الحرب السورية، بدأ أبناء الجسم الحزبي يشعرون بالتقشف الداخلي وتحديداً بعد معركة حلب. فعّلت “هيئة الدعم” عملها فأطلقت مشروع “تجهيز مجاهد”، وعلى خطٍّ موازٍ برز عمل تطوعي نسائي لتحضير وجبات الطعام كنوعٍ من الدعم العيني لمقاتلي الحزب على الجبهات السورية بهدف تقسيم الأعباء.

اليوم تفرض العقوبات الاقتصادية التي اشتدّت، نفسها، ومع توقعٍ ازديادها لأسباب سياسية، تزداد أنشطة هيئة الدعم، وككل محطة “شعرت القاعدة الشعبية أنها معنية بالحصار المالي وشريكة مع حزبها” كما يعبّر حسين عمار أحد أبناء البيئة الداخلية الضيقة، معتبراً أنه “اختبار حقيقي للقاعدة الشعبية، التي تثبت إيمانها بعقيدة العطاء بالروح أو الأموال التي تأسس ونما عليها “حزب الله”.

إلى علي الديك وبيار ربّاط: “معليه خلينا نقول الحقيقة ولو بتجرح”

ومن الأمثلة الكثيرة التي ظهرت للعلن وتحديداً على مواقع التواصل الاجتماعي، في الأسبوعين المنصرمين بعد خطابي نصرالله الأخيرين:

– الطفلة حوراء ندّى أو “طفلة الحصالة”، التي لم تبلغ سنواتها التسع بعد، كانت تدّخر مصروفها في الحصالة خاصتها لتنظّم حفل “تكليفٍ”، أخرجت أموالها وكتبت رسالتها إلى نصرالله تخبره فيها أنها تقدّم تلك الأموال لدعم “المقاومة”.

– سيدة تقدّم طوقاً من الذهب.

– مجموعة من أهالي بلدة عبا الجنوبية تتعهّد بتقديم 5000$ شهرياً إلى هيئة الدعم، بحسب ما أكد مسؤول بلدي سابق في البلدة لـ”النهار”.

– أخوات ثلاث يتبرّعن برواتبهن للهيئة في اليوم التالي لكلام نصرالله.

-دعوات عبر “واتساب” للتبرع بثمن هدية عيد الأم الى الحزب.

– مجموعات على تطبيق “واتساب” ترسل مقترحات لترشيد الإنفاق ودعم الحزب “بدل السهر 4 مرات شهرياً اجعلهم 3 وتبرّعْ بتكاليف الرابعة، تخلَّ عن تدخين النرجيلة ليوم واحد في الاسبوع وتبرّع بثمنها، خلال شهر رمضان اكتفِ بشراء نوع واحد من الحلويات بدل اثنين وتبرّع بسعر النوع الثاني”.

– مجموعة “التنسيقية” تنظم مهرجاناً بعنوان “ردّ الجميل دعمك مقاومة” بالتعاون مع “هيئة دعم المقاومة” ليعود ريعه إليها.

من وجهة نظر اقتصادية

ينطلق الخبير الاقتصادي إيلي يشوعي في حديث لـ”النهار” من قاعدة مفادها أن “أحداً لا يعلم حجم الأموال التي كانت ترسلها إيران إلى “حزب الله” قبل العقوبات الغربية وتحديداً الأميركية عليها، ولا حجم الأموال التي قد ترسلها بعد فرض العقوبات”، ليشدد على أن “أي حديث في هذا الإطار هو في خانة التقديرات ليس إلا”. لكن يشوعي وربطاً بالضائقة المعيشية والاقتصادية التي يعيشها اللبنانيون، وبما أن بيئة الحزب الضيقة والأوسع تنتمي إلى الطبقتين محدودة ومتوسطة الدخل وما ندر من الطبقة الميسورة، يقلل من قيمة المساعدات الداخلية، لافتاً إلى أن “العنصر الأساسي هو المدّ الخارجي والأفريقي تحديداً، إلا أن هامش تحركه يضيق خوفاً من إدراج الأسماء على لوائح سوداء”.

في المقابل، يسلط الباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين، على “تنوّع شرائح المجتمع الشيعي ومنابع التمويل المبهمة”، مراهناً على “الدعم الشعبي المالي الكبير للحزب في أكثر من محطة مفصلية حيث أثبتت القاعدة أن شعورها بالخطر المالي يدفعها إلى تقديم ما لا يتخيّله أحد، وهو نوع من التكافل الذي يغطي مصاريف معينة، لا نعلم إلى أي درجة قد يصل، خاصة أن نصرالله شخصياً تحدّث عنه”.

إعادة استنفار وحرب ثقافية؟

يرى الكاتب والمحلل السياسي قاسم قصير، أن “نصرالله أعاد استنفار القواعد، بصورة علنية لأول مرة بعد فترة من الراحة”، واضعاً الأمور في سياق طبيعي “عند الشدائد يشتد عود هذه البيئة، وتستعيد تماسكها وتلاحمها”. الحالة بحسب معلومات قصير “نعيشها من منظور إسلامي ووطني، فالتبرعات تأتي من طوائف متعددة من داخل لبنان وخارجه”.

من جانبه، يلفت الخبير في فنون وعلوم الاتصال باقر كركي، أن “الرابط بين الحزب وأبناء جسمه ليس مادياً كون هؤلاء اعتادوا العيش برواتب عادية وأقل”، معتبراً أن “نشاطات الدعم هي حتماً لتقوية الصف معنوياً وثقافياً بعد أن شعر نصرالله بضرورة وقلق اجتماعي في صفوف بيئته، فدعاها لتكون شريكة في معركة يريدها الأميركي لكسر الإرادة، ونوع من الحرب الثقافية من خلال التجويع الذي ينتج عنه آثار على الروحية والعلاقات والعزل الاجتماعي، فبادر نصرالله إلى إشراك جمهوره فيها لتقوية الروابط”. ويستند كركي في تحليله على رد الفعل السريع للجمهور من خلال المبادرات، مستنتجاً أن “الأميركي أسدى خدمة للحزب من حيث لا يدري، لأن هذا الجمهور سيشعر أنه شريك بالنصر في معركة الوعي الناتجة عن الهجمة الاقتصادية بعد تخطي المرحلة، ويتناقل التجربة على غرار الحروب العسكرية”.