//Put this in the section

سوريا بين عمر أبو ريشة وعلي الدّيك – بقلم محمّد خير موسى

في عام 1961م عُيّن الشّاعر السّوري عمر أبو ريشة سفيرا لسوريا في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وعندما قدّم أوراق اعتماده للرّئيس الأمريكي آنذاك جون كيندي، سأله كينيدي بحضور عدد من السّفراء: سعادةَ السّفير، حدّثنا عن السّوريّين وعرِّفنا بهم أكثر لو سمحت.

فأجابه الشّاعر الكبير بلهجةٍ يختلط فيها المزاج بالجدّ: فخامَة الرّئيس؛ جدّنا السّوري ـ يسوع المسيح ـ هو ربّكم يا سيّدي.




بعدها نشأت علاقة صداقةٍ شخصيّة حميميّة بين الرّئيس الأمريكي والشّاعر عمر أبو ريشة، فكان كينيدي كلّما شعر بفرصةٍ سانحة، أو شعر بضيقٍ أو أحبّ أن يتناول وجبة فكريّة أو أدبيّة دسمة، دعا عمر أبو ريشة وجالسَه ساعاتٍ؛ يستمع منه الشّعر بالإنكليزيّة التي يتقنها الشّاعر الكبير، كما كان يستمع منه عن العرب ولغتهم وأدبهم وفنونهم وقضاياهم.

وذات مرّة، قال له كينيدي: أنت مبدعٌ يا عمر، ولو كنت أمريكيّا لعيَّنتُك مستشارا لديّ، فردّ عليه أبو ريشة قائلا: لو كنت أمريكيا، يا فخامةَ الرئيس، لكنتُ جالسا الآن على كرسيّك.

عمر أبو ريشة كان نموذجا لسوريا التي يمثّلها أبناؤها؛ الذين يشبهونها فكرا وأدبا وعراقة ورسوخا وكرامة وكبرياء.

كان نموذجا لسوريّا الموغلة في القدم؛ الضّاربة جذورها في عمق الحضارة والمشرقةَ، رغم كلّ السّواد الذي يحيطُ بها.

هذا النّموذج تنحّى ونُحّي فور أن أُسِرَت سوريا وألقي بها في غيابة جبٍّ عميق من الظلم والقمع والاستبداد.

ففي عام 1971م، أنهى عمر أبو ريشة عملَه في السّلك الدّبلوماسي، عقبَ استلام حافظ الأسد السّلطة، معبّرا بكلّ وضوح بأنّه لا يستطيعُ أن يمثّلَ دولة تحكمها “عصابة”، كما يصفُها بذلك على الدّوام.

ومن يومها لم تعد سوريا تشبه نفسَها، ولم يعد أبناؤها الذين يشبهونَها قادرين على التقدّم للتعبير عنها، بل حلّ محلّ ذلك من يشبهون “العصابة”، على حدّ تعبير أبو ريشة.

فليسَ غريبا أبدا أن يصبحَ علي الدّيك هو البطل القومي الذي تمجّده وسائل إعلام النّظام، ويتباهى ببطولته مؤيدو الرّئيس الأسد.. علي الدّيك الذي وقف بكلّ صلابةٍ في وجه من حاول التّطاول على النّظام في أحد البرامج التلفزيونية اللبنانيّة، ووصفه بأنّه باع الجولان.

علي الدّيك لا يشبه الجولان ولا سوريا، بل يشبه تماما ذلك النّظام الذي انبرى للدّفاع عنه، والتّشبيح المقزّز لصالحه على الهواء مباشرة.

في عام 2002م، أصدر علي الدّيك أغنيته التي اكتسحت المجتمع بشكلٍ لافت “سمرا وأنا الحاصودي”، ولم يكن الاكتساح يومها بريئا بفعل قيمة الأغنية أو قوتها الفنيّة، بل كان ضمن سياسة ممنهجة لجعل هذا اللون التراثي الخاص بالسّاحل الذي ينحدر منه الرّئيس بشّار الأسد و”العصابة”، على حدّ تعبير الشّاعر العظيم أبو ريشة.

كان الاكتساح بفعل إرادةٍ سياسيّة ليكون علي الدّيك هو وجه سوريا التي غاب وجهها الحقيقي، بل غُيّب في أقبية الظّلم والقهر والاستعباد.

وأذكرُ جيّدا حين مالَ عليّ أستاذٌ في العلوم السّياسيّة في دمشق؛ قائلا: لم يبقَ إلَّا أن يعلنوا أغنية “سمرا وأنا الحاصودي” نشيدا وطنيّا لسوريا. ثمّ أردف قائلا: لقد شوّهونا؛ لقد شوَّهوا وجهنا السّوريّ.

أجل؛ إنَّ سوريا لا يشبهها التّشبيح ولا الهبوط، ولا يمثّلها علي الدّيك وأضرابه، ولا يعبّر عنها هذا الإسفاف العلنيّ.

إنَّ سوريا اليوم ترنو إلى أمثال عمر أبو ريشة من أهل الأدب والفكر والحضارة العريقة، فهم من يليق بهم تمثيلُ وجه سوريا المخضّب بالدّماء، وهم وحدهم من تقبل سوريا أن يمسحوا عن وجهها غبار التّعب ودماء الظّلم وهموم عقودٍ مرّت..

سوريا التي قال لها عمر أبو ريشة يوما، وما يزال:

يا عروسَ المجد تيهي واسحبي
فـي مـغانينا ذيـولَ الـشُّهبِ

لـن تـرَي حـفنة رملٍ فوقَها
لـم تُـعطَّر بدمَا حـرٍّ أبـي

درجَ الـبـغي عـليها حـقبة
وهــوى دونَ بـلوغ الأرَبِ

لا يـموتُ الـحقُّ مهما لطمت
عـارضيه قـبضةُ المغتصبِ