بوتين أحال عون للأسد

مسعود محمد

زيارة الرئيس ميشال عون والوفد العائلي المرافق له كان تحت عنوانين فضفاضين:




العنوان الأول هو التعاون التجاري: خاصة في قطاعين أساسيين، قطاع النفط والغاز والقطاع المصرفي.

بالملف الإقتصادي،حقق الروس أهدافهم بأخذ عقود بالمشاركة في إستخراج النفط، وأخذ حصة من إستثمارات سيدر. بالمقابل وعد الروس لبنان بزيادة صادراته الى روسيا، وفتح باب السياحة من روسيا الى لبنان، وبدت كل هذه الوعود الروسية كما يقال في المثل الشعبي “عالوعد يا كمون”.

قطاع النفط والغاز هو قطاع أساسي بالنسبة إلى الاستثمارات الروسية. لكن يجب عدم نسيان أن الغاز اللبناني هو منافس رسمي للغاز الروسي في السوق الأوروبية. وواضح أن مصلحة روسيا هي أن تضع يدها على الغاز اللبناني، وكذلك على السوري، وهي حرصت على إسقاط مشروع مرور الغاز القطري عبر سوريا وتركيا سابقا الى أوروبا، لتستمر في إحكام سيطرتها على السوق الأوروبية وهذا هو سبب الطحشة الروسية على الغاز اللبناني، وحرصها على سوريا، لتضمن عدم قيام أي منافسة لها في أوروبا.

أما في ما يخص القطاع المصرفي، إن احتمال التعاون بين القطاعين اللبناني والروسي مُستبعد خصوصًا مع العقوبات الغربية التي تطال أهم المصارف الروسية، هل لبنان مستعد أن يخاطر بقطاعه المصرفي ويحوله الى منصة تهرب من العقوبات لصالح روسيا؟

العنوان الثاني لزيارة الرئيس عون هو هو اللاجئين: فالرئيسين عون وبوتين، أعربا عن تأييدهما للجهود الرامية إلى تطبيق مبادرة روسيا لتأمين عودة اللاجئين السوريين ‏والمهجرين داخلياً، واعتبرا أن حل هذه المشكلة يعتمد مباشرة على تهيئة الظروف المؤاتية في سوريا، بما في ذلك ‏الظروف الاجتماعية والاقتصادية، من خلال إعادة الإعمار بعد الصراع، كما دعيا المجتمع الدولي والأمم المتحدة ‏والمنظمات الإنسانية إلى تأمين كل المساعدة الممكنة لهذه العملية. وهذا إن دل على شيء فهو دلالة واضحة على سقوط نظرية إعادة اللاجئين السوريين بأي ثمن، ودلالة واضحة على عدم توفر الأرضية الأمنية واللوجستية، والبنى التحتية، المناسبة لعودة اللاجئين السوريين، التيار الوطني مستمر بسياساته العنصرية وزير المهجرين اللبناني، وزير التيار وعبر برنامج صار الوقت مع الإعلامي مارسيل غانم الخميس 28 مارس 2019 قال ” ما فينا نشترط على النظام السوري يلبس اللاجىء السوري فرساتشي حتى نقبل نرجعه على سوريا”، وكان الوزير يزايد على رئيس تياره بعنصريته، وهو يتكلم عن الموضوع وكأن اللاجىء السوري أتى الى لبنان برغبته، والنظام السوري قدم كل التسهيلات لعودة اللاجىء الى بلده بكرامة. وكان الوزير باسيل في فبراير 2019 صرح خلال مؤتمر صحفي مشترك مع وزير الخارجية الإيراني أن المصالحات التي تقوم بها الدولة السورية تساهم في تسريع عودة اللاجئين، وأكد الوزير اللبناني أن للدولة السورية مساهمة كبيرة يمكن أن تقوم بها لتشجيع عودة اللاجئين عبر الضمانات بشأن الملكية الفردية والخدمة العسكرية مع توسيع رقع المناطق التي يمكن أن تستقبل العائدين، وأفاد باسيل بأن بلاده تؤيد المصالحة السورية – السورية.

أصبح من المعلوم أن كل ما طرح، سابقا ولاحقا من آليات تسهل عودة اللاجئين السوريين، وهم أي السوريين أكثر لهفة من الوزير والرئيس اللبنانيين للعودة الى وطنهم.

النظام السوري، المعني أكثر من غيره بعدة مواطنيه، يسوق للعرق النقي في سوريا، ويقول إنه ليس من الضروري عودة من يعارض النظام حتى ولو كان عددهم أكثر من نصف الشعب السوري، وهو بالتالي غير مستعد لتطبيق أي إجراءات يمكن أن تساعد بعودتهم، فسفيره في لبنان لم يزر مخيما واحدا للاجئي بلاده، وهو يعتقل قادة المصالحات، ويسن قوانين ليستولي بموجبها على أملاك المهاجرين، ولم يصدر أي عفو عام حقيقي عن من لم يلتحقوا بالخدمة العسكرية خوفا من زجهم في مواجهات مع شعبهم.

ذهب عون الى روسيا مستنجدا بها بموضوع اللاجئين، فأحاله بوتين الى نظام الأسد للتفاهم معه، وكأن لبنان ينقصه في ظل أزمته الإقتصادية، والإنقسام الداخلي حول العلاقة مع سوريا، تحدي محيطه العربي والإنزلاق نحو نظام الأسد ومحور إيران المعادي للعرب.

مشكلة الرئيس عون إنه ينتمي الى هذا المحور بقناعة، وشكره لبوتين على حماية مسيحيي الشرق وإظهارهم كأقلية مستضعفة هي قناعة منه أن المسيحيين مستضعفين رغم أن مسيحيي لبنان يرفعون شعار ” الرئيس القوي” وهل من قوي يصف نفسه بما وصف الرئيس عون به المسيحيين من ضعف وهو قائدهم القوي؟ وهل من رئيس عاقل يطلب الحماية لفئة دون أخرى من شعبه ألم يوهمنا أنه “بي الكل”، بدا الرئيس هزيلا ضعيفا أقل من زعيم طائفة، وبدا بوتين متقنا للعبة الإذلال التي مارسها على بشار الأسد قبل عون عبر منعه من الوقوف الى جانبه وهو يخطب في جنوده على أرض سوريا.

الوزير باسيل، لم يتردد بإعلانه عن مدى إعجابه ببوتين، وهو من إعتاد العيش في ظل الجنرال، يبدو أن شخصية القائد تسحره، وهو لا يتردد بمدح الجنرالات حتى ولو كان الجنرال في متاهة، فالوزير الإستثناء حطم رقما قياسيا، وأضاف الى قاموس التصريحات التي يمكن أن يسخر منها الواحد حل سحري لأزمة الشرق الأوسط، وكرس بوتين بطركا فقط بإحدى عشر دقيقة، فالوزير الإستثناء الذي أراد الغرب أن يتعلم من لبنان كيف يمكن إدارة بلد بلا موازنة، نشر يوم الثلاثاء، 26 آذار تغريدة حول تفاصيل زيارته إلى العاصمة الروسية موسكو، ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي استمر 11 دقيقة فقط، وأرفق باسيل التغريدة بصورة إجتماعه مع بوتين حيث جرى الإجتماع وقوفا، في قاعة جانبية، أي كان ما وصف بالإجتماع ليس أكثر من دردشة، فيها الكثير من الإستعلاء، حيث لم يدعو الرئيس ضيفه الى الجلوس. أرفق الوزير باسيل الصورة بالتعليق التالي: “مع الرئيس بوتين يكون الحديث عميقاً واستراتيجياً من المشرق إلى العالم، من التنوع إلى مقاومة الإرهاب، من القدس إلى الجولان، من النفط إلى الغاز، من السياحة إلى الزراعة… أساسه تاريخ غني وأفقه مستقبل واعد”.

زيارة موسكو يمكن وصفها برحلة إستجمام عائلية بأحسن أحوالها، ويبدو أن الرئيس بوتين أصبح يجيد اللعبة اللبنانية، وبدا في تلك الصورة التي جمعته بباسيل، كمن يقول للوزير اللبناني الشاطر والقادر على حل كل تلك الأزمات بوقفة إمتدت الى إحدى عشر دقيقة ” الحق الغراب لحد ما يوديك على الخراب”.