//Put this in the section

المقاومة الاقتصاديّة أم الانسحاق الاقتصادي؟

غسان الحجار – النهار

أطلق الرئيس ميشال عون نداء لـ”المقاومة الاقتصادية”، وقال إن على “الشعب اللبناني أن ينتقل إلى شعب مقاوم، مقاومة من أجل تحصين الاقتصاد، يشتري من انتاجه ويأكل ممّا يزرع”.




وقد لفتتني في هذا الإطار تغريدة للدكتور سعيد طربيه فيها ان “المقاومة الاقتصادية تتلخّص بأن يقاوم المسؤول شهيّته للثراء… وأن يقاوم المواطن شهيّته عن الأكل وشمّ الهوا… المواطن مستعدّ، يبقى أن يكون المسؤول أيضاً مستعداً”.

ودعوة الرئيس إلى “مقاومة اقتصادية” غير واضحة المعالم مرّت مرور الكرام، تلقّاها بعض “المقاومين” بإيجابيّة غير مدروسة، فيما اعتبر الوزير السابق أشرف ريفي انها “خطوة إضافيّة على طريق الالتحاق بالمشروع الإيراني ستؤدّي إلى ترسيخ عزلة لبنان عن العالم…”.

وبعيداً من السياسة، تستحق الدعوة قراءة هادئة، لتبيان خيرها من شرّها. فالمقاومة الاقتصاديّة بما هي “شدّ حبال” لعدم الإسراف في الصرف، ولمحاربة الفساد، ووقف إهدار المال العام، واستعادة الأموال المنهوبة، وتحسين الجباية، وما إليها من خطوات، إذا كانت هي القصد، فهي أمر مطلوب منذ زمن، وقد تأخّر وضعه على سكّة التنفيذ. لكن هذه الخطوات لا تستدعي تحوّل الشعب الى مقاوم، بل تتطلّب البدء من فوق، من المسؤولين الذين يعيثون في البلد فساداً، ويغطّون الفاسدين، وتتفتح شهيّتهم أكثر فأكثر على الثراء الفاحش، ويستخدمون إمكانات الدولة لخدمة مصالحهم الشخصيّة، ومصالح أحزابهم وزعمائهم.

أمّا الشعب اللبناني فهو مقاوم ومكافح ومنسحق اقتصاديّاً بأكثريّته، وتكفي أمثلة بسيطة لتأكيد الأمر. فاللبناني يدفع ثمن المياه ثلاث مرّات. مياه الشفّة، ومياه المؤسّسة الرسميّة، ومياه “السيترنات” الخاصة. ومع ذلك لا يحصل على مياه نظيفة كفاية.

واللبناني يدفع فاتورة الكهرباء مرّتين، رغم الإيجابيّة التي حقّقتها إجراءات وزارة الاقتصاد بتركيب عدادات.

واللبناني يدفع أقساط المدارس والجامعات الخاصة الباهظة الثمن في غياب مدرسة رسمية لائقة وكفيّة. ويتحوّل كثيرون ضحايا جامعات – دكاكين، تزوّر الشهادات من دون أدنى حماية.

واللبناني يعاني من جرّاء عدم قدرته على تسديد مصاريف الاستشفاء وكلفة الدواء والعلاجات التي لا تغطّيها المؤسّسات الضامنة ووزارة الصحّة، ويتحوّل شحّاداً يطلب أدوية الأمراض المستعصية.

واللبناني يتعرّض يوميّاً لحوادث سير بسبب غياب الصيانة للطرق، وغياب الإنارة على الأوتوسترادات، وكثرة الحفر والمطبّات.

واللبناني يخاف كل صباح من انهيار اقتصادي ومالي يكثر الحديث عنه في ظل ظروف معقّدة وغياب الثقة بالمسؤولين وإجراءاتهم الرادعة لأي كارثة.

واللبناني بات أسير سياسات ضيّقة، تجعل منه مضطهداً في الخارج. جواز سفره غير محترم. وأوضاع إقامته وعمله تبدّلت بدءاً من الخليج، مروراً بافريقيا، وصولاً إلى أميركا الجنوبية.

واللبناني الذي يتطلّع إلى “العهد القوي” لا ينتظر المزيد من الخطب والمواقف المتشنّجة والصراعات الداخليّة والتوتّرات الخارجيّة، بل يتوقّع دراسات حول سوق العمل واجراءات لتوجيه الشباب إلى الاختصاصات المطلوبة، وتشجيع الاستثمار لتوفير فرص العمل، وصياغة قانون للبطالة، وتثبيت نظام ضمان الشيخوخة، وتوفير البطاقة الصحيّة…

اللبناني تجاوز مرحلة المقاومة الاقتصاديّة، لأنّه يعيش الانسحاق الاقتصادي والمالي في ما عدا قلة تعتاش من مصادر مشبوهة أو من تواطؤ ما بين أفرادها والسلطة السياسيّة والمالية.