قدّاس السبت في دير القمر: جنبلاط وباسيل تحت قبّة كنيسة واحدة

مجد بو مجاهد – النهار

تقرع الأجراس السبت المقبل في كنيسة سيدة التلة – دير القمر، تخليداً لذكرى شهداء الجبل. المناسبة لافتة في مضامينها وعناوينها. يجتمع تحت قبّةٍ واحدة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ورئيس “التيار الوطني الحرّ” الوزير جبران باسيل. زحمة وافدين من مسيحيين ودروز أمام كنيسة في الجبل، مشهدية تضخّ مزيداً من السلام في عروق المنطقة على قاعدة المداواة بالصلاة. عنوان القداس: “التوبة والمغفرة”. يرى صاحب الدعوة، وزير المهجرين غسان عطاالله أن “العنوان فيه جرأة من الجانبين. جرأة مني في القول إن هذا عنواني، وجرأة مقابلة بالقبول بهذا العنوان. فثمة مصالحة من نوع آخر ومسح جراح حقيقي، اذ إننا ننظّف الجرح ونقطّبه كي لا ينزف مجدداً”.




ويؤكّد أن “الحزب التقدمي تعامل بكبر مع هذا العنوان، وأنا قلت وجعي وما لديّ ورئيس الحزب وليد جنبلاط اعتبر أنني أقول هذا الكلام بصدق ومحبة داخليين وبادلني بايجابية مميزة، فقال لي: هذا ما كنت أشعر به في الفترة السابقة ويمكن لم أعرف كيف أعبّر عنه، لكن الصدمة الايجابية التي تحدّثت معي من خلالها… نعم يمكن كان يجب عليّ أن أفعل ذلك”.

ويعتبر مفوض الاعلام في الحزب التقدمي رامي الريّس أن “أي خطوة تصبّ في اطار الخطاب التصالحي الذي انتهجه الحزب منذ مصالحة الجبل يجب أن تكون موضع ترحيب بمعزل عن التسميات والمصطلحات التي يتم اختيارها. ننظر بايجابية الى هذه الخطوة التي تأتي كشكل من اشكال انضمام أطراف سياسيين الى المصالحة التاريخية التي وضع مداميكها رئيس الحزب وليد جنبلاط مع البطريرك مار نصرالله صفير وعاد كرّسها في الذكرى الـ 15 مع البطريرك بشارة الراعي في افتتاح كنيسة سيّدة الدرّ في المختارة”. ويصبّ نشاط من هذا النوع، وفق الريس، في اطار “الخطاب التصالحي الذي يؤشر الى هذا الاتجاه. التسميات ليست مهمة بمقدار عمق النشاط وأهدافه ودلالاته”. ويأمل في “التوصل الى مزيد من الايجابية في مسار المصالحة والعمل المشترك لحماية السلم الأهلي”.

يرسم مراقبون أبعاداً سياسية بعيدة المدى لهذه المناسبة بمحوريها: جنبلاط وباسيل. يعتبر عطاالله أن “القيام بهذه الخطوة هو بناء مدماك أساسي لعلاقة صحيحة. الأساس في أن نقبل بعضنا البعض من الند الى الند بتساوٍ وأن نعترف بالخطأ، وبذلك نفكّر في مستقبل أبعد من حصد الأصوات الانتخابية ونبني علاقة على أساس صلب. أما الاختلاف السياسي فمشروع وهو أساس تنوع لبنان الذي يجب ألّا يكون مصدر خلاف بل تنوع في الأفكار”، مضيفاً: “حضور ممثلي رئيس الجمهورية والحكومة ومجلس النواب في الجبل بمشاركة وليد جنبلاط، هو مشهد جامع وجميل، اذ إننا نرسم صورة جديدة ونتحدّث كلاماً جديداً، وما سيقال لم يسمع في العادة. انها وجدانيات من القلب في ظلّ نيّة حقيقية بمستقبل أفضل لأولادنا”. ويشدد على أن “قداس السبت لا يقام لكسب نقاط في السياسة بل لنربح أنفسنا ومنطقتنا وللتعلم من دروس الماضي والتفكير بمستقبل أجمل. وليس مهماً بعد 3 سنوات كيف ستتكون اللوائح الانتخابية”.

من جهته، يصوّر الريس العلاقة مع “التيار الوطني الحرّ”، بالقول: “لا يخفى على أحد أن العلاقة مرّت بمراحل كان فيها تقارب وتقاطع في عدد من الملفات، وتعرّضت في مراحل أخرى لبعض الاهتزازات، وهذه مسألة طبيعية في اطار النظام الديموقراطي وتحصل بين أقرب الحلفاء”. ويعقّب: “نحن مجتمع سياسي متعدّد ولكل حزب وجهة نظره من القضايا المطروحة، لكن ثمة ثوابت لا بد من أن نتعاون جميعاً على تكريسها وتعزيزها، في طليعتها أهمية المصالحة لتحصين الساحة الداخلية والحيلولة دون تكرار تجارب أليمة كما حصل سابقاً”.

أسئلة بارزة تُطرح على التقدمي و”التيار الحرّ”: ماذا ستضفي هذه المناسبة على العلاقات المجتمعية المسيحية – الدرزية؟ وما الغاية من تكرار فصول “المصالحة” بدلاً من تخطي المرحلة نهائياً؟ وهل ما بعد القداس ليس كما قبله؟ في رأي عطاالله ان “القداس سيحضّ المسيحيين على العودة، لأنه في أساس النقاش الأولي الذي يدور مع الحزب التقدمي حول عدم عودة المسيحيين طالما أن حضورهم السياسي والعقائدي غير حرّ. يشعر المسيحي هذه المرّة بأنه يصنع الحدث وليس تابعاً له”. ويعتبر أنه “لا بد من القول إن المجزرة التي حدثت بعد وفاة كمال جنبلاط خطأ تاريخي علينا الاعتراف به ولا يمكن أن يتكرّر. نقول الحقيقة بوضوح، من ابن بطمة الذي حصلت مجزرة في منزله”. ويؤكد أن “النائب الذي عيّن لمدّة 15 سنة ولم يتجرّأ على قول هذا الكلام، عليه ألا يزعل فيحرّض الناس. نحن لا نبيع كلاماً بل نشتري شراكة للغد فنصادق بشرف ونخاصم بشرف”.

لن تتخيّلوا كيف عايد والدته في عيد الأم!

بدوره، يجزم الريس بأن “المصالحة الأساسية حصلت وهذه المناسبة تكرّس مناخاتها والحزب التقدمي ينظر من هذا المنظار. وتعتبر المصالحة أحد أهم الانجازات الوطنية بعد اتفاق الطائف، لأنها نجحت في طيّ صفحة أليمة من صفحات الحرب السوداء وأن تؤسس لحقبة جديدة من العيش المشترك. عكسنا ذلك ليس فقط في أدبياتنا السياسية بل في الممارسة الفعلية من خلال اصرار وليد جنبلاط على اشراك أكبر مجموعة ممكنة من القوى السياسية في اللوائح الانتخابية التي كانت تشكل في الشوف وعاليه في الدورات الانتخابية المتتالية. لطالما كنّا نطمح الى مصالحة فوق الحسابات السياسية والتجاذبات الفئوية بين مختلف الأطراف، وأن تبقى في موقعها الوطني الصحيح بما يكرّس الثقة المتبادلة بين مكونات الجبل”.

ويخلص الى أن “الحرب انتهت الى غير رجعة، وهذا ما كرره وليد جنبلاط سنة 2001 وأمام البطريرك الراعي. وتالياً اعادة استحضارها بلا فائدة لأنها تؤدي الى توليد شعور بالقلق عند أهالي الشباب عموماً. تستطيع القوى السياسية أن تختلف في اطار النظام الدستوري والديموقراطي اللبناني على هشاشته من دون العودة الى أدبيات مضى عليها الزمن”.