//Put this in the section

استياء أوروبي من التناقض اللبناني؟

سابين عويس – النهار

في الشكل، حمل مؤتمر “دعم مستقبل سوريا والمنطقة” المنعقد للسنة الثالثة في بروكسيل، جرعة دعم قوية، ارادتها دول الاتحاد الاوروبي ليس للنازحين او المجتمعات المضيفة فحسب، من خلال حجم الاموال المعقودة لهؤلاء والتي فاقت التوقعات او سقوف الدعم السابق على مدى العامين المنصرمين، وانما ايضا للحكومة اللبنانية الجديدة ورئيسها، الذي خصّص البيان الختامي للمؤتمر فقرة للترحيب بجهودها “بقيادة الرئيس سعد الحريري وبالزخم المتجدد للاضطلاع بالإصلاحات المؤسسية والاقتصادية والاجتماعية المتفق عليها وبدء عملية متابعة بطريقة شفافة، مكرراً دعمه لهذه العملية ومشاركته فيها من أجل استقرار وأمن لبنان”.




اما في المضمون، فقد وجهت نتائج المؤتمر اكثر من رسالة في اتجاه سوريا والدول المضيفة، كما الدول المعيقة لمسألة العودة وفي مقدمها سوريا. لم تحمل الكثير من التفاؤل حيال أي آمال معقودة على العودة او على موعد قريب للحل السياسي في سوريا، الذي يرى الاوروبيون انه يمر بمقررات جنيف والامم المتحدة. اما لبنان، فأبرزت المواقف المتناقضة بين الحريري ووزير الخارجية خلافات اثارت استياء في الاوساط الاوروبية، خصوصاً وانّ الاوروبيين تجاوبوا مع الملاحظات التي قدمها ممثل وزارة الخارجية في الوفد اللبناني بالتنسيق مع فريق رئيس الحكومة.

ففيما كان الحريري يطالب المجتمع الدولي بتحقيق العودة الآمنة للنازحين الى بلادهم، وبالضغط على “النظام السوري لتأمين هذه العودة”، كان المانحون يعربون عن قلقهم من المخاطر المترتبة على عودة كهذه، مؤكدين “أن الظروف داخل سوريا لا تفسح المجال لتشجيع أو تيسير العودة الطوعية المنظمة في ظروف من السلامة والكرامة بما يتماشى مع القانون الدولي”، كما ورد في البيان الختامي للمؤتمر، الذي أكد فيه المشاركون على “أن العودة هي حق فردي يجب ممارستها في وقت اختيار الفرد”.

لا يخفي حجم المساعدات المعقودة والتي بلغت 7 مليارات دولار، وتوزع غالبية المساهمات على الدول الاوروبية، (حتى اليونان الغارقة في ازمة اقتصادية ساهمت بـ 100 مليون اورو) كما صيغة الشق السياسي من البيان الختامي، حجم القلق الذي يعتري دول الاتحاد الاوروبي من الازمة، وتناميها مع مرور الزمن، بدلاً من احتوائها، بما بات يؤكد للاسرة الدولية ان الدعم الدولي لم يعط النتائج المرجوة من اجل تأمين الانخراط الدائم للنازحين في المجتمعات المضيفة، والاندماج فيها تحت مسمّى “اعادة التوطين” او resettlement الذي يتكرر في صلب البيان في اطار الاشارة الى برنامج بروكسيل 3″، واحتواء الآثار السلبية المترتبة عن ذلك، ولا سيما في لبنان الذي يستضيف ما يقرب المليون ونصف المليون نازح، وهذا هو مصدر القلق الرئيسي الناجم عن تفاقم ازمة اللجوء مع استمرار اعمال العنف، في ظل تراجع قدرة المجتمعات المضيفة على تحمل الاعباء، بما يهدد استقرارها وامنها.

ويعكس برنامج المساعدات الممتدة للسنوات الخمس المقبلة اي حتى سنة 2023، ان لا افق لحل قريب للأزمة السورية او برنامج زمني لعودة النازحين، ما يعزز الانطباع بأن هذه المؤتمرات تركز على دعم سوريا ودول الجوار في وضعها الراهن في ظل وجود 11,7 مليون نازح، وليس على توفير مقومات العودة لهؤلاء، السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والانسانية. فالمؤتمر يؤكد أن “الحل المستدام للصراع في سوريا لا يمكن أن يستند إلاّ إلى بيان جنيف 2012 والتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254 الذي يدعو إلى عملية سياسية بقيادة سوريا، بتسهيل الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سياسية تلبّي تطلعات الشعب السوري المشروعة، وتهدف إلى إنهاء النزاع في سوريا، وإرساء حكم يتمتع بالصدقية، ووضع دستور يمهد لاجراء انتخابات نزيهة باشراف الامم المتحدة”.

واذ يرى “أن سوريا لا تزال تواجه تحديات حماية متعددة تؤثر على حياة ملايين السوريين بشكل يومي. وأنه رغم الانخفاض النسبي في المستوى العام للعنف على مدار النصف الثاني من عام 2018، استمر الصراع في إزهاق الأرواح والتسبب في الدمار والمعاناة والنزوح، بما يبقي احتمال حدوث المزيد من التصعيد مصدر قلق كبير، وبخاصة في إدلب المحافظة والمناطق المحيطة بها في شمال غرب سوريا وكذلك في الشمال الشرقي من البلاد. وهذا ما يجعل دول الاتحاد الأوروبي على اقتناع بأن “إعادة الإعمار والدعم الدولي لتنفيذه لن يكونا ممكنين إلاّ بعد ان يجري تنفيذ الحل السياسي الموثوق”، ذلك ان عملية إعادة الإعمار الناجحة تتطلب توفير الحد الأدنى من الظروف للاستقرار، وحكومة ديموقراطية تضمن سلامة وأمن الناس، واستراتيجية تنمية متفق عليها تراعي النزاعات، ومحاورين موثوقين وشرعيين، اضافة إلى ضمانات من حيث تمويل المساءلة”، وفي رأي دول الاتحاد انه لم يتم الوفاء بأي من هذه الشروط في سوريا.