//Put this in the section

دولة القانون المبهجة! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

يتابع العالم هذه الأيام أحداث وتطورات الوضع في الجزائر وتداعيات مباحثات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمعروفة باسم «بريكست». وما يجمع بين الأمرين بالنسبة إليَّ هي لغة «القانون» التي لجأ إليها الأطراف المعنية كافة. ففي الحراك الشعبي في الجزائر، الذي لا يمكن وصفه إلا بالحضاري والراقي ومن الأطراف كافة، لم تُرفع فيه إلا الأعلام الجزائرية والشعارات البراقة والحماسية. لم تُرفع أعلام قطر ولا جماعات إرهابية مثل «الإخوان المسلمين» و«حزب الله»، ولا أعلام دولة عربية مثل قطر ولا تركيا ولا إيران.

كان الحراك يستند إلى طرح قانوني ودستوري بحت، وهو عدم «أهلية» الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من الناحية الصحية ومن ثم عدم قدرته على خوض الانتخابات الرئاسية، وبالتالي تحرك بصورة سلمية وحضارية للمطالبة بذلك الأمر، ولم تتمكن عناصر «جبهة الإنقاذ»، وهي الجماعة الدينية السياسية المتشددة، من «خطف» الحراك لمصلحتها بعد أن صدر من أحد قادتها (علي بلحاج) تصريحات مريبة في هذا الاتجاه. الجزائريون اليوم وبعد حرب أهلية مريرة اختلطت الدماء فيها في معارك باسم الدين ولأجل السياسة، باتوا أكثر حكمة وفطنة وذكاء ويقظة، ومنعوا أي طرف من استغلال الظرف في مصلحتهم.




وفي بريطانيا تستمر الموافقة والاعتراض بكل حالاته على تداعيات «بريكست» في ظل القانون مهما بلغت حماسة كل طرف وتشبثه بمواقفه، وكان النقاش دائماً ما يعود إلى المكاسب «القانونية» والملاءمة «الدستورية» في طرحه، أو مدى تحقيق «سيادة» القانون بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي. الحديث كان دوماً داخل إطار القانون مهما كان ظاهر النقاش «ثورياً» في طرحه. إنه التحقيق الرسمي والعملي لفكرة دولة القانون التي تشكّل الإطار الحاكم للعلاقات بين الشعوب والدول، وبين الدول بعضها ببعض؛ لأن كل مرجعية أخرى سواء أكانت دينية أو عرقية أو قبلية أو طائفية حتماً لن تكون عادلة أو موضوعية، وبالتالي لن تحقق الغرض المطلوب منها، وهي دولة أو قانون للجميع ويسري على الكل.

يتابع العالم ما يحدث من أحداث ومن حوارات في كلٍّ من الجزائر وبريطانيا بكل إعجاب واحترام. لقد خلت الأحداث من العنف رغم حدة المواقف وتوتر الظروف واختلاف الفرقاء، بل إن حجم الرقيّ والسمو في التعامل والاحتفاظ بمرجعية النصوص القانونية والقواعد الدستورية جعل الكل على أرض سواء.

القانون ومرجعيته العليا، هو الذي يجعل من البلدان أوطاناً ومن الشعوب مواطنين، ويتحول العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنة إلى ميثاق غليظ فيه كل العزة والشرف لأن يحمي الانتماء ويصون الولاء فعلياً وعملياً، وليس بالأغاني والشعارات فقط. فكرة الوطن والقانون، فكرة جديدة نوعاً ما، هي وليدة النهضة الأوروبية وانطلقت حول العالم. وتبقى أهم أوجه مظاهرها هي فكرة احترام القانون ونصوصه، نظراً إلى قناعة عميقة ومحمية، بأن القانون هو مفتاح العدل الذي لن يتحكم فيه هوى ولا مظهر.

دولة القانون تتألق لتعيد فكرة الكرامة للمواطن كما بيَّنت لنا هذه الأحداث مؤخراً.