//Put this in the section

روحاني في بغداد لجني مكاسب الحرس الثوري.. تعرف على خطط إيران للسيطرة على الاقتصاد العراقي وإزاحة تركيا

جاءت زيارة الرئيس الإيراني للعراق لتضيف مظهراً جديداً إلى النفوذ الإيراني في العراق، ولتشكل محاولة من الرئيس حسن روحاني للاستفادة من المكاسب السياسية والعسكرية التي حققتها طهران في بلاد الرافدين خلال السنوات الماضية.

«إيران أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها كانت دوماً بغداد».




كانت هذه كلمات نائب الرئيس الإيراني حسن روحاني ومستشاره للشؤون الدينية.

وقبلها قال مسؤول إيراني آخر إن الإمبراطورية الإيرانية تسيطر على أربع عواصم إيرانية.

يبدو أن هذا ما يؤمن به كثير من المسؤولين الإيرانيين مهما اختلفت اتجاهاتهم».

وهنا فإن زيارة الرئيس الإيراني للعراق تأتي في إطار تدشين الشطر الاقتصادي من الإمبراطورية الإيرانية، بعدما حقق الحرس الثوري الهيمنة على السياسة في البلاد.

إذ إن زيارة الرئيس الإيراني للعراق تهدف لجني المكاسب التي حققها الحرس الثوري الإيراني والمنافسة معه في الوقت ذاته على الكعكة العراقية.

«نحن نختلف عن الأمريكيين، لم نقتل أحداً في العراق وسوريا»!

ووجَّه الرئيس الإيراني، حسن روحاني، انتقادات حادة إلى التدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، الإثنين 11 مارس/آذار 2019، في بداية أول زيارة رسمية للعراق تهدف إلى دعم النفوذ الإيراني وتعزيز العلاقات التجارية مع بغداد.

وقال الرئيس الإيراني قبيل مغادرته مطار مهر آباد في طهران، إن «العلاقات بين إيران والعراق علاقات خاصة (…)، لا يمكن مقارنتها مع تلك التي تقيمها الولايات المتحدة».

وتبعث الزيارة برسالة قوية إلى واشنطن وحلفائها في المنطقة، مفادها أن إيران ما زالت تؤدي دوراً قوي التأثير بالسياسة العراقية والمنطقة في مواجهة العقوبات الأمريكية.

ونقل التلفزيون الرسمي الإيراني عن روحاني قوله قبيل مغادرته بلاده، الإثنين، إن إيران مصممة على تعزيز علاقتها الأخوية مع العراق.

ونقلت وكالة «مهر» شبه الرسمية للأنباء عنه قوله قبيل المغادرة، إن تلك العلاقات «لا يمكن مقارنتها بعلاقات العراق مع دولة محتلة مثل أمريكا المكروهة في المنطقة».

وأضاف: «لا يمكن نسيان القنابل التي أسقطها الأمريكيون على العراق وسوريا ودول أخرى في المنطقة».

وقالت وكالة الجمهورية الإسلامية الإيرانية للأنباء إنه سيتم خلال الزيارة، التي تستمر ثلاثة أيام، التوقيع على سلسلة من الاتفاقيات في مجالات مثل الطاقة والنقل والزراعة والصناعة والصحة.

وقال روحاني في مطار مهر آباد بطهران: «إننا مهتمون بشكل كبير جداً بتعزيز علاقاتنا مع العراق، لا سيما التعاون في مجال النقل… لدينا مشروعات مهمة سيتم بحثها خلال هذه الزيارة».

الهدف الأول من زيارة الرئيس الإيراني للعراق هو التملص من العقوبات الأمريكية

وذكر مكتبا الرئاسة ورئاسة الوزراء في العراق أن روحاني سيزور مزاراً شيعياً في حي الكاظمية ببغداد قبل مراسم الاستقبال الرسمية.

وقال مسؤول إيراني كبير يرافق روحاني، لـ «رويترز»: «العراق قناة أخرى لإيران لتفادي العقوبات الأمريكية الجائرة… هذه الزيارة ستوفر فرصاً للاقتصاد الإيراني».

ويعاني الاقتصاد الإيراني صعوبات منذ أن قرر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في مايو/أيار 2018، الانسحاب من الاتفاق النووي الموقع في 2015 بين إيران و6 قوى كبرى، وأعاد فرض العقوبات على طهران؛ وهو ما دفع قادتها إلى محاولة توسيع نطاق العلاقات التجارية مع دول الجوار.

وقالت إدارة ترامب إن الاتفاق متساهل أكثر من اللازم، وأخفق في كبح برنامج الصواريخ الباليستية وتدخُّل إيران في صراعات إقليمية مثل سوريا واليمن.

وحاولت بقية الدول الموقعة على الاتفاق النووي إبقاءه قيد التنفيذ بعد انسحاب واشنطن، لكن العقوبات الأمريكية أفلحت إلى حد كبير، في إثناء شركات أوروبية عن العمل مع إيران.

وهددت طهران بالانسحاب من الاتفاق إلا إذا تمكنت القوى الأوروبية بشكل واضح من حماية مصالحها الاقتصادية.

وزيارة الرئيس الإيراني للعراق هي الأولى من نوعها منذ تولي روحاني الرئاسة في عام 2013.

وخاض البلدانِ حرباً دامية استمرت 8 أعوام بين 1980 و1988، لكن تأثير إيران السياسي تنامى بالعراق بعدما أطاح الغزو الأمريكي في عام 2003 بنظام صدام حسين.

كما كانت طهران داعمة للعراق في حربه ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي سيطر في عام 2014، على ما يقارب ثلث مساحة البلاد.

ويخطط لزيادة التبادل التجاري إلى 20 مليار دولار

وتأتي زيارة روحاني وسط ضغوط أمريكية على بغداد، للحد من العلاقات مع جارتها، خصوصاً في مجال استيراد الطاقة.

وتركز زيارة الرئيس الإيراني للعراق على الملف الاقتصادية بشكل أكبر.

وتخطط إيران والعراق لرفع مستوى التبادلات التجارية السنوية من 12 مليار دولار سنوياً حالياً إلى 20 مليار دولار، بحسب روحاني.

كما أنه يريد استخدام عملات أخرى في التبادل بدلاً من الدولار

وفي ظل التجاذبات الأمريكية – الإيرانية، يبدو أن زيارة روحاني ستكون مخصصة «لمناقشة مسائل محددة»، بحسب ما قاله المحلل السياسي هشام الهاشمي لوكالة فرانس برس.

وقال الهاشمي إن «روحاني سيأتي لمناقشة مسألة التبادلات التجارية وموضوع تخفيفها بالعملة المحلية العراقية.

وقد يتم التباحث حول إيجاد سبل أخرى للتبادل الاقتصادي على غرار ألمانيا وبريطانيا، أي عملة أوروبية بديلة للتحايل على العقوبات الأمريكية».

إنها الرابح الأكبر من الانتخابات

لقد كانت إيران الرابح الحقيقي في الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي (2018) بالعراق.

فقد ظهرت الأحزاب المرتبطة بقوات التعبئة الشعبية شبه العسكرية، ومعظمها لها علاقات مع طهران، بصفتها صانعي الملوك.

والآن لضمان حصول مرشحها على منصب وزير الداخلية، يتم تمويل التوسع في الأفنية الشاسعة التي تؤدي إلى المقامات الشيعية بمدينة النجف المقدسة، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New  York Times الأمريكية.

أمريكا جسم كبير بلا عقل، ولذا انتصرت عليها إيران

محمود المشهداني، وهو مسلم سُني كان متحدثاً سابقاً في البرلمان العراقي، يحاول تفسير كيف هيمنت  إيران على العراق.

إذ يقول: «إيران هيئة صغيرة بها دماغ كبير، والولايات المتحدة جسد كبير ذو عقل صغير». لقد اكتسبت إيران اليد العليا في العراق .

العراق ضحية الصراع بين سليماني وترمب

عدنان الزرفي، عضو شيعي في البرلمان العراقي عاش بالولايات المتحدة، وصف المنافسة بين إيران وأمريكا في العراق بإيجاز معبر.

إذ قال: «ليس هناك وجود أمريكي في العراق، بل وجود عسكري فقط».

على النقيض من ذلك، نشرت إيران نفوذها بالحياة السياسية والعسكرية في العراق، وهي تسعى الآن للتوسع اقتصادياً وثقافياً.

ولكن العراق جزء من طموح إيراني أوسع.. لقد حان وقت الاقتصاد

زيارة الرئيس الإيراني للعراق تشير إلى أن طهران تسعى لتوسيع مجال نفوذها.

إذ إن تدعيم الهيمنة على العراق جزء من طموحات إيران الإقليمية، التي تهدف إلى تأمين طريق إلى البحر الأبيض المتوسط ​​من خلال الدول الصديقة.

أحد أهداف ذلك هو التمكن من شحن الأسلحة ودعم حزب الله في لبنان، والاستمرار في مساعدة جيش الرئيس بشار الأسد بسوريا، وتهديد إسرائيل.

والآن بعد أن قامت إيران بتوسيع الجماعات المسلحة الشيعية إلى قوة سياسية، مثلما فعلت مع حزب الله في لبنان، فإن أولوية طهران الجديدة هي زيادة العلاقات الاقتصادية مع العراق، لتعويض العقوبات الأمريكية التي أعيدت إلى الوراء.

وها هي طهرات تسعى لإزاحة الصين وتركيا من عرش الاقتصاد العراقي

وقال السفير الإيراني لدى العراق، إيراج ماجيدي، في مقابلةٍ عشية زيارة الرئيس الإيراني للعراق، إن ايران «تعتبر العراق الوجهة الأولى للسلع الإيرانية».

وتريد إيران التفوق على تركيا والصين، باعتبارها واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للعراق.

وقال السفير الإيراني إنه سيكون هناك 40 معرضاً تجارياً بالعراق في العام المقبل (2020).

ويشهد العراق فورة اقتصادية، في محاولة لإعمار المناطق المحررة من داعش.

وتخطط لربط البصرة بالسكك الحديدية وتسهيل التأشيرات

وكشف السفير الإيراني أن  روحاني سيبحث خططاً لتمديد خط سكة حديدية من كرمنشاه، في إيران، إلى مدينة البصرة العراقية.

وقال السفير إن العراق وإيران تتفقان أيضاً على قواعد جديدة للتأشيرات، لتسهيل سفر رجال الأعمال الإيرانيين إلى العراق.

على الرغم من أن إيران لديها بالفعل روابط اقتصادية واسعة في العراق -فهي توفر الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية المجهزة ونحو 20% من كهرباء العراق، بالإضافة إلى بعض كابلات الألياف البصرية- فإنها تريد توسيع العلاقات الاقتصادية مع هذا البلد الذي تهيمن عليه سياسياً.

ولا أحد يستطيع التملص من نفوذها

وقال جوست هيلترمان، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية التي تتخذ من بروكسل مقراً لها، إن إيران اكتسبت نفوذاً على كثير من الفصائل بالنظام السياسي العراقي.

هذا الوضع جعل من الصعب على السياسيين العراقيين الابتعاد عن مطالب إيران.

و «يعلم العراقيون أن إيران جارتهم، وسوف يكونون دائماً جيراناً، كما يعلمون أن الإيرانيين يخترقون العملية الأمنية»، قال هيلترمان.

مشكلة العراق هي أن إيران ليست قوية، ولكن لديها قدرة عالية على الإفساد

«العراقيون سيحاولون تلبية مطالب الإيرانيين»، حسب هيلترمان.

ويضيف: «سيحدث ذلك على الرغم من أن الأمر سيكون صعباً، وسيدفع الولايات المتحدة بعيداً عن العراق».

لا أحد من ساسة العراق يستطيع إغضاب إيران

وقال هيلترمان: «العراقيون بحاجة إلى الحفاظ على علاقات جيدة مع إيران، ولا يمكنهم تحمل غضبها، لأن إيران لديها قدرة هائلة على الإفساد»، في إشارة إلى قدرة طهران على استخدام قوتها السياسية والعسكرية لتقويض الحكومة العراقية الهشة.

وحتى إن السياسيين السُّنة يقتربون من دائرتها

في الآونة الأخيرة، تواصلت إيران مع المسلمين السُّنة، وهي طريقة لم تكن قد أخذت بها بنشاط في الماضي؛ في محاولة لكسب الدعم واستثمار نفسها في السكان المتغايرين بالعراق.

ويتحدث أعضاء البرلمان العراقي، ومن ضمنهم بعض المسلمين السُّنة، عن تيار ثابت من الدعوات إلى المؤتمرات في طهران، والاجتماعات مع المسؤولين الإيرانيين الزائرين، والاهتمام بمخاوف العراق.

وإيران أيضاً أصبحت ترسل كبار مسؤوليها إلى العراق بشكل منتظم.

في الأشهر الثلاثة الماضية، كانت هناك زيارات من قِبل وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف. وزير النفط ووزير الطاقة جاء كل منهما للحديث عن العلاقات التجارية المحتملة.

ولقد ردَّ العراقيون بالمثل.

فلقد ذهب الرئيس العراقي، برهم صالح، إلى طهران، لمناقشة كيف يمكن أن يستمر البلدان في إقامة روابط اقتصادية وثيقة على الرغم من العقوبات الأمريكية.

وقبل أقل من أسبوع، كان رئيس البرلمان العراقي، محمد الحلبي، وهو سُني، في طهران، لمناقشة المصالح المتبادلة بين البلدين.

وكان وزير الثقافة العراقي، عبد الأمير الهمداني، في العاصمة الإيرانية مؤخراً، لمناقشة التعاون في المشاريع الأثرية.

لكن هذا لا يعني أن المخاوف انتهت بالنسبة للسُّنة

لكن هذا الوضع يمنح قليلاً من الراحة لكثير من السُّنة الذين يخشون من أنه عندما تتدهور الأمور، تفضل إيران الشيعة دوماً.

كما أن بعض الشيعة الذين يعتبرون أنفسهم عرباً كما هُم شيعة (يؤكدون عروبتهم) قلقون أيضاً من أن طهران تدفع باتجاه جعل العراق أشبه بإيران بدلاً من احترام الاختلافات بين الجانبين.

ويبدو أن الجهد الإيراني يهدف إلى ضمان أن يكون السُّنة أيضاً في نطاق النفوذ الإيراني.

وحتى بعض الشيعة يحتجون على إبعاد إيران للعراق عن العرب

واحتج الشيعة العراقيون وسط بغداد، في ديسمبر/كانون الأول 2018، ضد التدخل الأجنبي. وقال مرجع شيعي: «الإيرانيون جيراننا هم أصدقاؤنا، وليس أسيادنا. قرارنا عراقي».

وقال المرجع الديني آية الله فاضل البديري، أحد المراجع الشيعية العراقية في النجف، إن إيران «تسحب العراق بعيداً عن وطنه وهويته العربية».

وهذا يقوض «الطابع الخاص» للعراق، حسب قوله، وهو عربي ومتنوع دينياً.

الغريب أن داعش هي التي ساعدت الإيرانيين في السيطرة على العراق

هذا لا يقلل من أهمية الدور الذي أدَّته إيران عندما اجتاح داعش شمال العراق.

لقد كان الإيرانيون هم الذين تحركوا بسرعة لمساعدة العراق، وخلقوا ووسعوا القوات شبه العسكرية المكونة من الميليشيات الشيعية التي أصبحت تُعرف باسم قوات الحشد الشعبي.

هذه الجهود عززت مكانة إيران في العراق، وأعطت الجماعات شبه العسكرية الهالة التي ساعدت على إنقاذ البلاد.

اليوم، هناك أكثر من 20 مجموعة شبه عسكرية مختلفة، ورغم أنها كلها تحت مظلة قوات الحشد الشعبي، فإنها تختلف في هيكلها وفي عمق علاقاتها مع إيران.

وفي الآونة الأخيرة، شجعت إيران على إنشاء نسخة سُنية من تلك القوات بالمناطق ذات الغالبية السُّنية في العراق والتي تم تجاوزها من قِبل المتطرفين السُّنة بتنظيم داعش.

والحكومة العراقية تمول «الحشد»، ولكن ولاءه لخامنئي

في البداية، ساعدت إيران في توفير الأسلحة والتدريب لكثير من قوات الحشد الشعبي، لكن لم يكن لديها المال لإدخال قوة جديدة كبيرة داخل العراق فترة طويلة.

الآن، تمول الحكومة العراقية هذه القوات، ومن الناحية الفنية، هي تحت سيطرتها.

على الرغم من العلاقات الرسمية مع العراق، يُنظر إلى بعض الجماعات شبه العسكرية على أنها تتبع أوامر من إيران مباشرة، وهو ما يجعلها قوة مسلحة موازية لا تستطيع الحكومة السيطرة عليها بالكامل.

وصنفت وزارة الخارجية الأمريكية اثنتين منها على الأقل ضمن قائمة المنظمات الإرهابية: حزب «كتائب حزب الله» وحركة «حزب الله النقباء».

حتى في النجف، المركز الفكري للشيعة العراقيين وموطن آية الله العظمى، علي السيستاني، فإن الإيرانيين قد راهنوا على الأرض.

رفعوا صورة الزعيم الإيراني الأعلى، آية الله علي خامنئي، لجذب مزيد من الطلاب ومزيد من الأتباع له.

وفي النجف مركز الدراسات الشيعية، فإن الشخصيات الدينية البارزة هناك عادة ما ينظرون إلى الدين والحكومة على أنهما مجالان مختلفان.

عكس ما يحدث في إيران، حيث يتخذ الزعيم الديني الأعلى قرارات سياسية يسندها للمذهب الشيعي.

الصراع ليس مع سُنة العراق فقط.. ولكن الأخطر صراعهم مع مرجعية النجف

يبدو أن إيران تحاول الآن توسيع نفوذها على الزعماء الدينيين الشيعة في العراق، وفقاً لآية الله البديري، وهو من القيادة الدينية بالنجف.

وقال آية الله البديري، مثله مثل بعض الشخصيات الشيعية الأخرى، إنهم يحاولون تقوية نفوذ المرجعة الإيرانية وإضعاف الآخرين .

وأضاف قائلاً إنه غاضب من تدخُّل إيران في السياسة العراقية، لكنهم لا يستثمرون بالعراق.

يمدون نفوذهم ولكن لا يفيدون العراق، بل يحصلون على العقود المربحة فقط

ويقول البديري: «كان بإمكانهم أن يمهدوا الشوارع للفقراء في النجف، أو أن يبنوا بيتاً للأيتام، أو يجلبوا شركة أو اثنتين».

ما فعلته طهران بشكل أساسي هو الفوز بعقود مربحة مقدمة من بغداد، حسب الصحيفة الأمريكية.

وهذا يعني أن الإيرانيين يحصلون على رواتبهم من العراق بدلاً من جلب أموالهم الخاصة والاستثمار وخلق الوظائف، كما يقول السيد زرفي، عضو البرلمان العراقي، الذي لديه نقد مماثل للأمريكيين.

والإيرانيون يتطلعون إلى أن يعوضهم العراق عن العقوبات الأمريكية

ويقول كثير من السياسيين العراقيين البارزين إن إيران تدفع الآن باتجاه مزيد من التجارة، إلى حد كبير لإبعاد نفسها عن تأثير العقوبات الأمريكية التي أعلن الرئيس ترامب أنه سيفرضها بعد انسحابه من الصفقة النووية الإيرانية.

ومنذ إعادة فرض العقوبات، تراجعت قيمة العملة الإيرانية (الريال)، وتلاشت الآمال في الاستثمار الأجنبي وسوق النفط الإيراني بشكل كبير.

وتريد إيران أن يكون العراق سوقاً للسلع الإيرانية؛ وقال كريم النوري، القيادي البارز في منظمة بدر، وهي واحدة من أقدم الجماعات شبه العسكرية الشيعية بالعراق والموالية لإيران، إنه لا توجد وسيلة أخرى للحد من تأثير العقوبات.

«يتم استهداف إيران من قِبل الأمريكيين، ولأن إيران تشعر بأنها مستهدَفة، فهي تحاول بكل الوسائل حماية نفسها».

المفارقة أن العقوبات الأمريكية ساعدت إيران على تنفيذ خططها

وسعت إدارة ترامب إلى تقليص برامج إيران النووية والصاروخية، بالإضافة إلى نفوذها الإقليمي، من خلال إعادة فرض العقوبات القاسية.

ومن بين الأهداف الرئيسة للولايات المتحدة، تجارة إيران مع العراق، التي تضخمت منذ سقوط صدام حسين عام 2003.

ولكن إيران لم تجلس مكتوفة الأيدي وسط الضغوط.

بالواقع، في حين سعت العقوبات الأمريكية إلى تقييد الروابط الإقليمية الإيرانية، تشير البيانات إلى أن العكس قد حدث.

فقد ركزت إيران طاقتها على التواصل مع جيرانها، لتجاوُز عزلتها.

علاوة على ذلك، ومع إضعاف العقوبات للريال الإيراني، أصبحت السلع والخدمات الإيرانية أكثر جاذبية.

ونتيجة لذلك، في أكتوبر/تشرين الأول 2018، تفوق العراق على الصين باعتبارها سوق تصدير غير النفطي الرئيسي لإيران.

والعراق في مأزق بسبب ترمب

إحدى المشكلات الرئيسة هي الضغط الأمريكي على العراق، بسبب وارداته من الغاز الطبيعي الإيراني والكهرباء، والتي تركت بغداد عالقة بين طهران وواشنطن.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2018، أصدرت إدارة ترامب تنازلاً ثانياً سمح للعراق بالاستمرار في دفع ثمن هذه الواردات مدة 90 يوماً أخرى.

وردَّ العراقيون بالقول إنهم بحاجة إلى نحو عامين للتكيف .

وفي الشهر الماضي (فبراير/شباط 2019)، وقعوا عقداً مدته سنة واحدة، لاستئناف استيراد الكهرباء من إيران.

فالعراقيون وليس الإيرانيين هم الذين سيدفعون ثمن العقوبات

ولا تستطيع الحكومة في بغداد تحمُّل الاضطرابات المدنية المتجددة بسبب نقص الكهرباء، خاصة مع اقتراب فصل الصيف.

ومع ذلك، تجب الإشارة إلى أنه في حين أن اعتماد العراق على الطاقة في إيران قد احتل العناوين الرئيسة وأصبح محور اهتمام الولايات المتحدة، فإن هذه التجارة لا تشكل سوى ربع حجم التجارة الثنائية المتنامي.

في هذا السياق، من المتوقع أن يناقش الجانبان تطوير البنية التحتية المصرفية وغيرها لتسهيل التبادلات الاقتصادية الأوسع، وضمن ذلك الجهود الرامية إلى إنشاء منطقة تجارة حرة على طول الحدود.

ومن المتوقع أيضاً أن يسعى الجانب العراقي إلى إحراز تقدُّم بشأن عدد من القضايا الأخرى، ومن ضمنها المنازعات القديمة المتعلقة بالحدود وحقوق المياه.

بالإضافة إلى الاقتصاد، هناك أمر يتمناه روحاني بشدة: هل يلتقيه السيستاني؟

جانب آخر حاسم في الزيارة سيكون مسألة ما إذا كان روحاني سيلتقي أقوى شخصية في العراق، أي آية الله العظمى علي السيستاني أو لا، حسبما ورد في تقرير لموقع AL- monitor.

وقد قاطعت الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد (2005-2013)، بشكل ملحوظ السلطة الدينية العليا بالعراق المتمثلة في السيستاني، الذي يجري عادةً اتصالاته بعناية مع الشخصيات البارزة، لإرسال إشارات مهمة إلى بغداد والعواصم الأجنبية على حد سواء.

لذلك، عندما يتعلق الأمر بالمسؤولين الإيرانيين، فإن عقد اجتماع مع آية الله العظمى عليّ السيستاني -الذي لديه عدد كبير من الأتباع داخل إيران- يعمل مثالاً حياً يوضح كيف أن النفوذ ليس شارعاً أحادي الاتجاه في العلاقات الثنائية.

فهناك نقاط قوى لدى مرجعية النجف التي لديها عدد كبير من الأتباع داخل إيران، ويتطلع أي مسؤول إيراني إلى مثل هذه اللقاءات.

ولكن يصر السيستاني على الحفاظ على علاقات خارجية متوازنة مع العراق.

على سبيل المثال، أدان مكتبه ترامب، بسبب تصريحه بأنه يريد إبقاء القوات الأمريكية في العراق «لمراقبة إيران».

وقد أوضح بالإضافة إلى ذلك، أن مساعدة إيران في الحرب ضد داعش مرحَّب بها، فقط إذا تم تقديمها من خلال الحكومة العراقية، وإذا لم يؤثر ذلك في سيادة العراق.

ولذا فإنه إذا اجتمع مع روحاني فسيكون ذلك رسالة مهمة

ولذلك، فإن أهم نتيجة يمكن أن تخرج بها زيارة الرئيس الإيراني للعراق هي الاجتماع مع السيستاني، رغم أن هذا لا يبدو واضحاً حتى الآن.

إذ إن اجتماعاً بين روحاني والسيستاني من شأنه أن يبعث برسالة قوية إلى 3 جماهير رئيسة.

أولاً: بالنسبة للقادة العراقيين، قد يفضل البعض التعامل مع مراكز القوة الأخرى في إيران -مثل قوة القدس- ولكنهم يحتاجون أيضاً إلى مباركة السيستاني الضمنية.

ثانياً: بالنسبة إلى القادة الإيرانيين، الذين يولون السيستاني اهتماماً وثيقاً جداً، ليس فقط باعتباره مصدراً رئيساً للنفوذ، وإنما أيضاً لموقفه من زعامة إيران في العالم الشيعي.

ثالثاً: من شأن مثل هذا الاجتماع أن يوضح لإدارة ترامب وحلفائها العرب أنه في حين أن العراق مستعد للمشاركة من أجل تحقيق المنفعة المتبادلة، فإنه لن يتخلى عن إيران ولن يسمح لنفسه بأن يُستخدم كمنطلق ضد أي دولة ثالثة.

ورغم كل هذا النفوذ، فإن زيارة روحاني تعكس صراعات الأجهزة الإيرانية

الزيارة بقدر ما تعكس النفوذ الإيراني المتنامي في العراق، فإنها تعكس أيضاً الخلافات داخل السلطة الإيرانية.

إذ إن ملف العراق يعد تقليدياً من ضمن صلاحيات الحرس الثوري، وبالأخص قائد فيلق القدس، قاسم سليماني.

ويأتي موعد الزيارة في توقيت حساس بالنسبة للخارجية الإيرانية، التي أصبحت في وضع هجومي حالياً للدفاع عن سلطتها، لأن الضغط الأمريكي قد مكّن منتقديها المتشددين من اتهامها بالتخاذل، خاصة ما يتعلق بالصفقة النووية.

ولكن الخارجية الإيرانية نالت مؤخراً دفعة بعد تقدم وزيرها، محمد جواد ظريف، باستقالته؛ بعد استبعاده من الاجتماعات مع الرئيس السوري بشار الأسد

الخارجية الإيرانية تحاول الاسنفادة من الزيارة بعد الإهانة التي لحقت بها خلال زيارة الأسد لطهران

إذ نالت الخارجية بعد هذا الموقف دعماً من معظم النخب السياسية وقطاع كبير من الرأي العام.

حتى إن سليماني -الذي يتمتع بنفوذ كبير في السياسات الإقليمية- وصف ظريف بأنه «مسؤول عن السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية».

وقال إنه الدبلوماسي الرئيس الذي يتمتع بـ «دعم كبار المسؤولين، خاصةً زعيم الثورة الإسلامية علي خامنئي».

ومع هذا الدعم، فإن زيارة روحاني التاريخية للعراق -خاصة إذا كانت تنطوي على لقاء مع آية الله العظمى السيستاني- تشير إلى أن إدارته ربما تكون أكثر جرأة بشأن تأكيد سلطتها على الملفات الإقليمية في مواجهة تغوُّل الحرس الثوري.