الحريري لحزب الله: لا غطاء على فاسد

رضوان عقيل – النهار

لا شيء يسيطر على المشهد السياسي بعد انطلاقة عجلة مجلس الوزراء اكثر من الحديث عن الفساد وبات هذا الموضوع لا يفارق أجندة اكثر من طرف، ولا سيما عند “حزب الله” الذي وضع هذا الملف في مقدم أولويات معركته. وهذا ما أوضحه السيد حسن نصرالله بصريح العبارة ومن دون اي مواربة. وتصدر هذه المواقف على أبواب البدء بتطبيق مندرجات مؤتمر “سيدر 1” واعداد الموازنة العامة لمالية الدولة بعدما تحوّل البلد ساحة مواجهة مفتوحة للافرقاء الدوليين حيث ان اكثر زيارات الموفدين تسلط الضوء على هذه الملفات، اضافة الى محاصرة جهات عدة “حزب الله”. ولن يكون قدوم وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو في الايام المقبلة بعيداً من هذا المناخ، ولا سيما ان ادارته لا توفر اي فرصة في استهداف الحزب ومن خلفه حليفته ايران.




وبعد ان أخذ نصرالله على عاتقه تحدي جبه “ارهاب الفساد”، يتبين انه لن يتراجع عن هذه المواجهة المفتوحة، وهو لا يريد” مذهبة هذه المعركة” وان ما يقدم عليه يضعه في خدمة الحكومة وانتاجيتها ويريدها ان تنجز بالفعل وان الطريقة التي ينتهجها يهدف منها الى تحصين الحكومات والمؤسسات، وهو يراهن فيها على الزمن وان لم تأت بثمارها في القريب العاجل بل أراد من خطته الاخيرة خلق دينامية فعلية مع معرفته المسبقة للصعوبات والحواجز المذهبية التي تعترضه. ويريد إيصال رسالة للجميع في الداخل والخارج مفادها، “اذا كان المعنيون عن حق يريدون قلب الطاولة على الفساد المعشعش في اكثر الادارات، فلم يعد من المسموح السكوت عن هذا التغاضي والاهمال الذي يهدد ما تبقى من المؤسسات. وان هذه الفوضى في المشاريع والسير عدم قواعد المراقبة والاجهزة المختصة يدفع البلد الى الانهيار الذي لن يسلم منه الا اصحاب الثروات الكبرى من سياسيين ورجال اعمال كبار، وهم من كل الطوائف وسيكون المواطنون هم المتضررين.

وكان لافتاً ان نصرالله في خطابه الاخير سمّى المدير العام لوزارة المال الان بيفاني، اضافة الى تناوله ” الابراء المستحيل” في دلالة على متابعة جدية منه لهذا الملف. وهو نادراً ما يلجأ الى التسمية اضافة الى اعادة تذكيره بأن أول المبادرين الى كبح الفساد ودخوله في هذه المعركة كان العماد ميشال عون قبل ان يصبح رئيساً للجمهورية. ولم يعد الحزب يتحمل مسؤولية الاتهامات التي تساق ضده من بلدان غربية وعربية وتتهمه بعرقلة انماء الدولة وتخريب ماليتها. لذلك أراد الدفع بعملية محاربة الفساد، وهذا ما شدد عليه نصرالله في خطاب غير مسبوق يركز من خلاله على هذه المعركة التي وضعها في مرتبة التصدي للعدو الاسرائيلي من اجل بقاء البلد وعدم انهياره.

وكان نصرالله قبل اعلانه السير في هذه المواجهة قد أعد لها جيداً مع عون اولاً الذي يترك للاجهزة القضائية والرقابية السير فيها الى أبعد مساحة لتقوم بالواجبات المطلوبة منها. ورتّب السيّد هذا الموضوع مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الاكثر من متحمس لهذا التحدي لممارسة النيابة العامة المالية عبر القاضي علي ابرهيم وسائر الاجهزة القضائية المعنية القيام بأدوارها، اضافة الى تركيزه على دور الرقابة البرلمانية في هذه الميدان الشائك، لكنه لا ينفك عن حذره من خلق فتنة سنية – شيعية.

ولم يكتف نصرالله بهذه الاحاطة فحسب عند عون وبري، بل كلف قبل خطابه الاخير معاونه حسين الخليل لقاء الرئيس سعد الحريري والتأكيد له ان عقارب ساعة المحاسبة والتصدي للفساد لن تعود الى الوراء، وان “أي مستهدف ومهما كان شأنه لا يمثل مذهبه ومن غير المستحسن هنا تدخل المرجعيات الدينية واطلاقها مواقف مساندة لهذا او ذاك في اشارة الى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي وصف الرئيس فؤاد السنيورة بـ “الخط الاحمر”. وسمع الحريري منه: “اننا نتعاطى بمنتهى الجدية مع هذا الموضوع. ونحن مع فتح كل الملفات وان البلد لم يعد قادراً على تحمل هذه الضغوط الاقتصادية. نحن من جهتنا لن نتعب، وفي المقابل سنوفر كل الدعم للحكومة لتنتج اكثر”.

وكان رد الحريري على الخليل بحسب جهات متابعة بأنه “لن يغطي فاسداً”، وان همه انتظام عمل المؤسسات وتطبيق “سيدر” وتحصين الحكومة وتعاون مختلف مكوناته لجبه جملة من التحديات والملفات التي تنتظرها وفي مقدمها الكهرباء.

وعلى سيرة الكهرباء، ووفق الخطة المقبلة لهذا القطاع التي تضعها وزارة الطاقة، تسربت معلومات ان “التيار الوطني الحر” فاتح الحزب بأنه يعمل للحصول على سعر أقل مما قدمته سوريا وايران وان العمل بتأمين الكهرباء 24 على 24 يكون عبر البواخر ايضاً لكن بسعر أقل هذه المرة. وجاء رد الحزب الذي يميل الى انشاء المعامل بأنه سيدرس هذا الطرح الجديد، وان لم يبد في طبيعة الحال حماسته غير المعهودة للبواخر التي فاحت منها روائح الصفقات من اكثر من جهة.

في غضون ذلك، سيواجه الحزب العقوبات التي تفرض عليه وعلى بيئته، ولذلك يعمل الحزب على جبهتين الاولى هي اثباته امام جمهوره اولاً وسائر اللبنانيين انه لن يتراجع عن مقاومة الفساد وهو عدو جميع اللبنانيين – ما عدا المنتفعين منه بالطبع – والجبهة الثانية هي تصديه لتشويه صورته في المنطقة والعالم. وكان آخرها وضع بريطانيا جناحه السياسي على لائحة الارهاب.

في المقابل، تفيد مصادر ديبلوماسية بريطانية بأنها لن تتراجع عن القرار الذي اتخذته لندن وهي تتعاطى وفق “حسابات انكليزية باردة وهادئة”، ولا تريد الا مصلحة لبنان. وعند تلمسها تطبيق “سيدر” وفق القواعد المرسومة والشفافة سترفع من قيمة مساهمتها ومساعدتها للبنان، وان “كانت مصلحتنا تبقى فوق كل اعتبار”. ولديها جملة من الملاحظات على الادارات في الدولة والمسؤولين عنها الذين يستفيضون في نظم الوعود الانشائية والتصريحات التي لم تأخذ طريقها الى التنفيذ بعد.