//Put this in the section

المحافظة على سعر الصرف الحالي على المحك!

سلوى بعلبكي – النهار

لم يكن مفاجئاً خفض وكالة “ستاندرد أند بورز” النظرة المستقبلية للبنان إلى سلبي وتثبيت التصنيف الائتماني عند B-/B، خصوصا انها جاءت على خلفية ارتفاع المخاطر المرتبطة بإعادة تمويل الديون بالعملات الأجنبية. وتعكس هذه النظرة الخطر الناجم عن غياب الإصلاحات الملموسة للحد من عجز الموازنة والذي من شأنه أن يؤدي إلى اضمحلال ثقة المستثمرين. نتيجة لذلك، أكدت الوكالة أن تدفقات ودائع غير المقيمين قد تشهد تباطؤاً، وقد تستمر احتياطيات العملات الأجنبية في التراجع، ما يُقوّض قدرة لبنان على خدمة الديون المقوَّمة بالعملات الأجنبية.

فقد حذرت الوكالة “أنها قد تخفض تصنيفاتها للبنان في الأشهر الاثني عشر المقبلة في حال تسبّبَ الركود السياسي بإرتفاع العجوزات المالية مع تسجيل تدفقات الودائع إلى المنظومة المصرفية – التي تشكل مصدر التمويل الأساسي للحكومة – مزيداً من التباطؤ. وهذا الامر قد ينجم عنه تراجعٌ مستمر في احتياطات العملات الأجنبية في المصرف المركزي، والتي تستخدم في استيفاء الحاجات التمويلية للحكومة بالعملات الأجنبية، بما من شأنه، برأي الوكالة، “أن يضع على المحك قدرة البلاد على المحافظة على سعر الصرف الحالي”.

وإذ لوّحت بخفض التصنيفات في حال أبدت الحكومة نيتها في إعادة هيكلة ديونها الحالية، بما يعني ضمناً أن المستثمرين سيحصلون على قيمة أقل من تلك التي وعِدوا بها عند استثمارهم في الأوراق المالية، أشارت الوكالة الى أنها قد تعمد إلى “رفع النظرة المستقبلية إلى مستقرة في حال تمكّنت الحكومة من تطبيق إصلاحات اقتصادية ومالية جوهرية من شأنها تعزيز النمو الاقتصادي وخفض مستويات الديون الحكومية في المدى المتوسط، بما في ذلك معالجة الثغرات وأوجه القصور في قطاع الكهرباء والحد من أكلاف الفوائد”.

وتعكس تصنيفات الوكالة للبنان عجوزاته المالية والخارجية الكبيرة، ومستويات الدين العام المرتفعة جداً والتي تواصل اتجاهها التصاعدي، ومن الأسباب التي تقف خلف ذلك ضعف المؤسسات، والتشنجات المذهبية.

ووفق الوكالة “تتوقف قدرة الحكومة على خدمة الدين إلى حد كبير على استعداد القطاع المالي المحلي وقدرته على زيادة حيازاته من الدين الحكومي. وهذا الامر قد يتوقف بدوره على تدفقات الودائع المصرفية، لا سيما الودائع من غير المقيمين، وعلى التمويل من مصرف لبنان”.

وعزا كبير الاقتصاديين ورئيس مديرية البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة بنك بيبلوس نسيب غبريل، تغيير الوكالة نظرتها المستقبلية من “مستقرّ” الى “سلبي” الى “احتمال تلكؤ الحكومة ومجلس النواب والطبقة السياسية في تطبيق الإصلاحات في المالية العامة والإصلاحات البنيوية التي من شأنها تخفيض العجز في الموازنة العامة في الـ2019، مما قد يؤثر على ثقة المستثمرين ويخفّض وتيرة تدفق الودائع الى القطاع المصرفي”. ووفق غبريل فقد “ضمت الوكالة صوتها الى أصوات القطاع الخاص اللبناني والمؤسسات العالمية المتعددة الاطراف والمجتمع الدولي بالتحذير من اتساع العجز في الموازنة العامة واستمرار نسبة الدين العام للناتج المحلي بالارتفاع وبضرورة معالجته من خلال الاصلاحات. كما أكدت ضرورة معالجة وضع المالية العامة على المدى الطويل”.

وفي اشارتها الى الأوضاع المؤسسية والاقتصادية، اعتبرت الوكالة أنه “إذا تمكّنت الحكومة الجديدة من تنفيذ إصلاحات مالية واقتصادية في الوقت المناسب، وقد يساهم ذلك في وقف التدهور في المالية العامة والتراجع في ثقة المستثمرين، معتبرة أن فاعلية المؤسسات والحوكمة في لبنان تعاني من الضعف، على ضوء الانقسام الشديد في المنظومة السياسية والمناخ الأمني الإقليمي المحفوف بمخاطر عالية.

وتوقعت الوكالة أن يبقى النمو مكبوتاً، ولكن “نتوقع أن يتحسن تدريجاً ليبلغ %2.5 بحلول سنة 2022، بدعم من برنامج الاستثمار العام الذي وضعته الحكومة، وبفعل انحسار التوترات في سوريا”.

وعلى الرغم من السوداوية التي طبعت التقرير، إلا أن غبريل أبدى تفاؤلاً حيال عدم تخفيض الوكالة التصنيف الائتماني للدين السيادي للبنان، “وهذا قرار أساسي ومهمّ يعكس قدرة السلطات النقدية والقطاع المصرفي اللبناني على الاستمرار في الحفاظ على الاستقرار النقدي والاستقرار في المالية العامة بالرغم من الاختلالات الواضحة واتساع العجز في الموازنة العامة، اذ اعتبرت الوكالة أن الودائع المصرفية سترتفع في سنة 2019 بنسبة أعلى من النسبة المحققة في الـ2018 بعد تشكيل الحكومة”.

وفيما توقعت الوكالة أن تُنجز الحكومة موازنة 2019 خلال الشهرَين المقبلين، مع تضمينها بعض الإصلاحات التي جرى الاتفاق عليها في مؤتمر “سيدر” الذي انعقد عام 2018، إلا أنها اعتبرت أن تطبيق الإصلاحات يبقى “محاطاً بالالتباس”.

وبعدما بلغت العجوزات المالية ذروتها عام 2018، توقعت الوكالة أن “تتراجع تدريجاً وصولاً إلى سنة 2021، إنما لن يكون هذا التراجع كافياً لإبطال مفاعيل الزيادة في مستويات الدين العام الحكومي”. كما توقعت أن يسجّل نمو ودائع العملاء في القطاع المصرفي اللبناني ارتفاعاً بعد التباطؤ الذي شهده عام 2018، “غير أن تدفقات الودائع من غير المقيمين قد لا تكون كافية لاستيفاء مقتضيات التمويل الخارجي المرتفعة”.

وتشير تقديرات الوكالة إلى أن العجز المالي في لبنان ارتفع إلى نحو %11 من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018، بعدما كان %7 عام 2017، مرجحة أن تتخطى ديون لبنان الخارجية أصوله الخارجية السائلة اعتباراً من سنة 2021، “فحاجات التمويل الخارجي مرتفعة وسوف تستمر في الازدياد”.

ولكن مرونة لبنان المالية لا تزال “مكبَّلة بضغوط الإنفاق المرتفع المتأتية من رواتب القطاع العام وأكلاف الفائدة، والتحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان”، وفق الوكالة، في حين أعربت الحكومة الجديدة عن نيتها خفض العجوزات المالية بمعدل نقطة مئوية واحدة سنوياً خلال السنوات الخمس المقبلة، عبر إصلاح قطاع الكهرباء وتجميد التوظيف في الخدمة المدنية.

واذا كانت هذه الاصلاحات من الشروط المطلوبة لصرف الأموال التي جرى التعهد بتقديمها خلال مؤتمر “سيدر”، إلا أن الوكالة تشير الى أنه “على ضوء الزيادة الكبيرة في العجز المالي عام 2018، قد يطلب المانحون مزيداً من الإجراءات الجوهرية لضبط أوضاع المالية العامة”.

واشارت الوكالة الى أنه من شأن تطبيق بعض الإصلاحات الأساسية الواردة في البيان الوزاري للحكومة الجديدة أن يساهم في تعزيز الثقة لدى المودعين. إلا أنها عادت وأوضحت “ان الضغوط السلبية قد تتجدد في حال عدم كبح التدهور في المالية العامة، وفي حال أدّى الارتفاع في أسعار الفوائد التي يُحددها الاحتياطي الفيديرالي الأميركي والتقلبات المتزايدة في الأسواق الناشئة إلى خفض جاذبية العائدات على الودائع والأوراق المالية بالدولار الأميركي والليرة اللبنانية في لبنان، أو في حال ظهور مخاطر سياسية أو جيوسياسية مرتفعة”.

والتحذيرات التي جاءت في تقرير “ستاندرد أند بورز” يظهر بشكل واضح الضرورة الملحّة لبدء الحكومة بعملية الإصلاحات من خلال وضع أولويات واضحة وجدول زمني دقيق والمباشرة بالتنفيذ العملي، وفق ما يقول غبريل الذي يعتبر “ان الإصلاحات البنيوية والمالية تتطلب وقتاً على المديين المتوسط والطويل، ولكن ينتظر القطاع الخاص في لبنان والمواطن اللبناني، قبل المجتمع الدولي ووكالات التصنيف، إشارات واضحة وملموسة عن جدية المسؤولين في بدء العملية الإصلاحية. ولا بديل ولا أعذار بالمماطلة، خصوصا أن المسؤولين ما انفكّوا يحذرون من “إجراءات مؤلمة”، ولكن هذه الإجراءات يجب أن تبدأ في القطاع العام، وهذا ما سيطمئن القطاع الخاص اللبناني والأسواق والمستثمرين، ويعكس الجدية في الإصلاح”.