الانقلاب اللبناني: زمن التطويع

حنا صالح – الشرق الأوسط

أبداً لم يساور الشك الرئيس سعد الحريري في متانة تحالفه مع الرئيس ميشال عون وحزبه التيار الوطني الحر. ينطلق من ثابتة مفادها أنه لولا انعطافته في عام 2016 والانخراط في التسوية السياسية ما كان ممكناً للعماد ميشال عون أن يصل إلى القصر الجمهوري رغم أنه كان المرشح الأوحد لـ«حزب الله»، ويتردد في بعض أوساط الحكم أن تلك الانعطافة ارتكزت على توافقات عميقة أُبرمت بين الحريري والوزير جبران باسيل شملت ميادين سياسية وإدارية واقتصادية ومالية… إلخ. ويبدو أن تجربة الحكومة الأولى بعد انتخاب الرئيس كانت مريحة وناجحة خصوصاً أن هذا التحالف متّنَ عملية ربط النزاع مع «الحزب»، ولعلَّ الحريري طرِبَ كثيراً لمواقف قال أصحابها إنهم يريدونه رئيس الحكومة القوي.




من قانون الانتخاب الذي فرضه «حزب الله»، إلى الانتخابات والخيبة التي واجهت الحريري مع خسارة كتلته نسبة 40% من المقاعد التي كانت لها، إلى ماراثون الأشهر التسعة لتأليف حكومة جاءت بأشخاصها والحقائب مطابقة للمواصفات التي أرادها «الحزب»، لتبدأ المفاجآت عشية أول انعقاد لمجلس الوزراء: الأولى إبطال نيابة ديما جمالي العضو في كتلة المستقبل، والثانية المنحى إلى فرض تطبيع قسري مع النظام السوري، والثالثة حملة استهدفت الرئيس السنيورة بتهمة الفساد ورمت لمحاكمة الحريرية السياسية.

المفاجأة الأولى جاءت من المجلس الدستوري الذي ردّ كل الطعون النيابية إلاّ الطعن المتعلق بدائرة طرابلس فأبطل نيابة ديما جمالي من كتلة رئيس الحكومة (!!) وما تم كشفه يرقى لمستوى الفضيحة؛ أحد القضاة وضع تقريراً ثانياً وغيّر تصويته فتم إبطال النيابة، وتجاهل المجلس طعوناً فاقعة كالطعن مثلاً في انتخابات بعلبك الهرمل حيث استمرت أعمال «الاقتراع» يومين نزولاً عند رغبة «الحزب»… فتحدث تيار الحريري عن عملية غدر وكيدية واستهداف (…)، وجاءت جلسة مجلس الوزراء الأولى لتحمل مفاجأة مدوية من حيث دلالاتها التي تمس مباشرة بصلاحيات رئيس الحكومة عندما أعلن الرئيس عون أنه الجهة التي تعرف مصلحة البلد واستنسب رفع الجلسة، في إشارة إلى أن بين يديه مقاليد السلطة وأنه يحدد أسلوب عمل مجلس الوزراء، ويقول في السياسة إن مسار العلاقة مع النظام السوري خارج النقاش ولا مفر للآخرين من التزام ذلك!! ما شكّل خطوة متقدمة يراد منها فرض تطبيع قسري، تستثمر في عنوان اللاجئين وليست إعادتهم كما يُروج، ومثال الأردن واضح لمن يريد أن يتعظ، إذ رغم وجود تطبيع مع سوريا لم تبدأ العودة!!

تزامن ذلك مع إطلالة لزعيم «حزب الله» ليعلن «الحرب» على الفساد ويتناول ما يعتبره العنوان الصارخ المعروف بـ«ملف 11 مليار دولار»، كان الرئيس نبيه بري قد ذكره في عام 2010، وشكّل في حينه محور كتاب «الإبراء المستحيل» للتيار الوطني الحر. لكن الفضيحة أنه بعد التسويات السياسية تجاهل رئيس المجلس الموضوع، ومع التحالف بين المستقبل والتيار تم طي «الإبراء المستحيل» كأنه لم يكن!! وملخص الموضوع هو الاتهام الموجه إلى الرئيس فؤاد السنيورة وحكومته أنه بين عام 2006 بعد حرب يوليو (تموز)، وعام 2009 حصل إنفاق من خارج الموازنة، وبلغ الهدر هذا الرقم المخيف، وذهب النائب حسن فضل الله عن كتلة «الوفاء للمقاومة» إلى المدعي العام المالي بملف، معلناً «نريد حماية مال الشعب اللبناني»، وانطلقت حملة إعلامية إلكترونية سُداها ولحمتها متى يُستدعى الرئيس السنيورة للتحقيق؟ وبدأت الجيوش الإلكترونية فبركة السيناريوهات عن محاكمة وإدانة غطت وسائل التواصل الاجتماعي!

تقول أوساط رئيس الحكومة إنه يدرك جيداً حجم المتغيرات، برز معها تعديل في مواقف القصر وتيار الرئيس الذي يعطي الأولوية للعلاقة مع «حزب الله» وربما كان على استعداد لتجاوز الآخرين حتى الحريري… وهناك في أوساط القصر ما يشي بأن رئيس الحكومة لن يقْدم الآن على خطوة دراماتيكية كالاعتكاف والتلويح بالاستقالة، فهو مرتبط بمؤتمر «سيدر» ووعوده بالنمو ورهانه على هذه الفرصة. لكن وضع الحريري أمام اختبار انتخابي فرعي مبكر أمر يثير الريبة رغم أن قوة التيار وتحالفاته تضمن له النتيجة، لكن المقلق يكمن في الوجه الآخر لهذا الاختبار ويتمثل في أن «حزب الله» الذي فرض تمثيلاً حكومياً للسنة التابعين له، هو رأس الحربة في المعركة على الرئيس الحريري، وبالتالي فإنه أياً كانت النسبة المئوية من الأصوات التي سينالها مرشح الفريق الممانع وقد تتراوح بين 30 و35% فإنها ستعني مزيداً من الشرعية لمجموعة «اللقاء الاستشاري» التي تدور في فلك الحزب بانتظار الآتي.

الكتلة النيابية للرئيس الحريري أثارت بوضوح مسألة صلاحيات رئيس الحكومة وردت بقسوة على التعرض للرئيس السنيورة، الذي كشف في مؤتمر صحافي أين تم الإنفاق وموجباته، وحقيقة الأرقام الموجودة كلها في وزارة المالية، والتي تعود لميزانيات تم تنظيمها أصولاً، وامتنع رئيس المجلس النيابي عن تسلمها فترة الإقفال المتعمد للمجلس، بعد اعتكاف الوزراء الشيعة لأن مصالح «حزب الله» ومن خلفه طهران تعارضت مع أداء الحكومة الأشهر؛ حكومة القرار 1701، وحكومة إقرار المحكمة الدولية، وحكومة إعمار ما هدمته الحرب الإسرائيلية على لبنان. يُذكر أن الصراع في حينه دار حول مسألتين؛ أولاهما، رفض الحكومة تسليم الهبات المالية العربية لـ«حزب الله» كي يتصرف بها، بل أصرت على أن تقوم السلطة بتقديم الأموال مباشرةً للمتضررين ومتابعة إعادة الإعمار. وثانيتهما، رفض الحكومة ورئيسها أن يُكلف بالتفاوض باسم لبنان منوشهر متكي وزير خارجية إيران، ووليد المعلم وزير خارجية سوريا!!

الحملة على الفساد التي تستهدف أساساً الرئيس السنيورة وفريقه السياسي انطلقت من خلفية الرهان على التهديد لأنه لم يعد نائباً وليست لديه حصانة. حملة ظاهرها العام محاربة الفساد لكن مضمونها سياسي لأنها تندرج في سياق المشروع الانقلابي الدائم لـ«حزب الله» الذي عطل الدولة والمؤسسات وأخلّ بالمواعيد الدستورية، ويواصل الحرب ضد ما سُمي نهج السنّية السياسية الذي أُرسي بعد عام 1993، حملة بين أهدافها تغطية «الفساد الأكبر ممن يقيم دويلة داخل الدولة ويسيطر على مرافقها»، ووضع الضغوط على الرئيس الحريري عبر مقاضاة الحقبة السابقة، لفرض الإملاءات، فينتزع «حزب الله» براءة ذمة مفادها أنه حريص على المال العام، وتُشطب مسؤوليته عن عزل لبنان وإقحامه في حروب أوجبتها مشاريع الهيمنة الخارجية، إلى حجبه أموال الجمارك عن الخزينة بعدما أقام منافذ جمركية خاصة به كما أعلن السنيورة.

لم تسقط التسوية السياسية لكنها لم تعد نفسها يوم وصول عون إلى الرئاسة وعودة الحريري للسراي، بل تتغير باستمرار ولها اليوم فهم آخر، فالثابت فيها تحالف عون – نصر الله، وما مسارعة السنيورة لكشف أهداف الحملة التي تتستر بعنوان مكافحة الفساد من خلال مصارحته اللبنانيين بحقائق قضية الـ«11 مليار دولار» إلاّ لتطويق هذا المنحى، لأن الصوت الأعلى الذي ميّز طروحات «حزب الله» لا يعني تبرئته واتهام الآخرين، وفي هذه اللحظة لو توفرت الإرادة بالإمكان رفض التطويع لأن البلد لم يفقد التوازن الشعبي.