//Put this in the section

خرافة مكافحة الفساد

عبد الوهاب بدرخان – النهار

“المعركة ضد الفساد بدأت. ليست منسيّة. بوشر بفتح الملفات”… هكذا قال رئيس الجمهورية، ملاحظاً أن ثمّة “اندفاعاً ومقاومة في هذه المعركة في الأيام الأخيرة”، أي أنه يشير الى “اندفاع” “حزب الله” في اتهامات مبطّنة للرئيس فؤاد السنيورة و”مقاومة” الأخير للاتهامات. هل عنى الرئيس أن “حزب الله” مكلّف خوض المعركة، لكن، مكلّف ممن؟ خصوصاً أن الرئيس قال أيضاً: “مصممون على ربح المعركة مهما بلغت التحدّيات” و”لا حصانة لأحد مهما علا شأنه” كما “لن يكون فيها تمييز”. لكن أي معركة، ففي غياب وزير مختص بمكافحة الفساد، كما في حكومة سابقة، ليس معروفاً أين الملف وأي مرجع قانوني مشهود له بالنزاهة يمسك به، وهل وُجدت له الحصانة الكافية والظروف السليمة للعمل. لعل عدم توافر الشروط اللازمة وانعدام الإرادة السياسية جعلا رئيس “القوات اللبنانية” يقول إن “لا جدية” حتى الآن في مكافحة الفساد.




منذ لقاء الوزير جبران باسيل والسيد حسن نصرالله، بعد الانتخابات وبدء التشاور لتشكيل الحكومة، كان الأمين العام لـ”حزب الله” مركّزاً على مسألة مكافحة الفساد باعتبارها من أولوياته، وحاسماً بأن حزبه مؤهل أكثر من أي جهة أخرى لهذه المهمة، إذ يملك أكواماً من الوثائق عن اختلاسات وارتشاءات. وباستثناء مَن يرشوهم “الحزب” ويشتري ولاءاتهم، وهم في أعلى – أعلى المستويات وأدناها، فإن الآخرين جميعاً سيوضعون على مذبح التشهير والاتهام، لمآرب سياسية فحسب. وكما اعتبر “الحزب” أن هناك مالاً طاهراً نظيفاً يتلقّاه هو من ايران وأن كل مالٍ آخر دنس قذر طالما أنه لا يصبّ في “جيب المقاومة”، فإنه سيعمّم هذه القاعدة ليصبح هناك فساد مكرّم وفساد مؤثّم.

مكافحة الفساد في لبنان وفي أي بلد آخر تعني أن تكون هناك دولة قادرة على الدفاع عن المال العام وعلى منع أي شخص في السلطة أو خارجها من استخدام نفوذه للسرقة من المال العام. لكن ماذا لو كانت الدولة غير موجودة وغير قادرة على فرض احترام القانون، والأهم ماذا لو كانت هناك “دويلة” – كما هي حال “حزب الله” – فاتحة على حسابها بمعزل عن الدولة والقانون؟!

في الحدّ الأدنى، هذا لا يؤهّل “الحزب” لـ “الاندفاع” في ملف مكافحة الفساد، فقد أصبح معروفاً أنه غير منزّه من الفساد. وفي الحد الأقصى، لا يمكن الدفاع عن أي فاسدين أيّاً يكونون وإلى أي طوائف وأحزاب ينتمون. هذا ملف يعني كل لبناني ويتطلّب “دولة قوية” وقضاءً حرّاً غير متوافرَين، وإلا لكانت هذه الدولة أزالت المخالفات العلنية، المالية والتجارية والعسكرية، التي يحتكر “الحزب” ارتكابها في المطار والمرفأ وعلى المنافذ البرّية. فليقل الرئيس إن هذه المخالفات ليست فساداً، أو أنها على الأقل ليست تمويلاً لـ”الحزب” بالالتفاف على الدولة.