//Put this in the section

اكتشاف حقل غاز في مياه قبرص يخلط الأوراق ويرفع حظوظ لبنان في امتلاك ثروات قياسية

موريس متى – النهار

اكتشاف حقل غاز عملاق في قبرص قد يعيد رسم خريطة النفط والغاز في منطقة حوض المتوسط، ويغير اللعبة في المنطقة. خرجت “قطر للبترول” معلنة تحقيق اكتشاف مهم للغاز الطبيعي شرق المتوسط في المياه القبرصية.




بعد أسابيع قليلة على إعلان “قطر للبترول” وشريكاتها التي تنضوي ضمن تحالف يضمها الى “إكسون موبيل” و”توتال” الفرنسية عن اكتشاف ضخم للغاز والمكثفات جنوب إفريقيا، ها هو التحالف يعلن اكتشافا تاريخيا لحقل غاز طبيعي في البئر الاستكشافية “Glaucus-1” في حقل “غلافكوس” الواقع في المياه الإقليمية القبرصية على بعد 180 كلم جنوب غرب ميناء ليماسول. الاكتشاف الذي أعلن عنه دون تحديد حجم احتياطاته وصفه التحالف بالمهم جدا، حتى ذهب مدير برنامج “برنستاين” لشؤون الخليج وسياسة الطاقة في معهد واشنطن سايمون هندرسون ليؤكد ان الاكتشاف قد يغير قواعد اللعبة في المنطقة التي يعتبر لبنان لاعبا أساسيا فيها على صعيد الاكتشافات النفطية والغازية. بالنسبة الى تركيا، فإن حقل “غلافكوس” لا يقع في المنطقة التي تطالب بها أنقرة، لكنّ الأتراك سيطالبون من دون شك بأن يعود جزء من عائدات هذا الحقل بالفائدة على جميع السكان في قبرص، من بينهم القبارصة الاتراك المقيمون في الجزء الشمالي من الجزيرة، المتنازع عليه.

وبحسب التحاليل، يضم الحقل المكتشف 5 الى 8 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، ورغم أن آمال تحالف الشركات الذي قام بالاكتشاف كانت بوجود كميات تتخطى 10 تريليون مكعب من الغاز الطبيعي لإمكان إنشاء محطة لتسييل الغاز، أي ما يعرف بالـ LNG Plan

( Liquefied natural gas plant). ويرفع هذا الاكتشاف حظوظ مدّ خط أنابيب لنقل هذا الغاز الى محطات التسييل المصرية، فيما تسعى مصر للتحول مركزا أساسيا في المنطقة لتسييل الغاز. ويعزز تحقيق أهداف منتدى غاز شرق المتوسط، والذي ضم الى مصر، قبرص واليونان وإيطاليا وإسرائيل والأردن وفلسطين لتحقيق ترابط بين دول المنطقة التي ستتمكن من استخدام البنى التحتية المصرية لتسييل الغاز وتوريده نحو الدول الاوروبية. كما يرفع الاكتشاف حظوظ وجود مكامن كبيرة من الغاز الطبيعي في المياه اللبنانية، وهو ليس بالاكتشاف الاول في المياه الاقليمية القبرصية بعد اكتشاف حقل “أفروديت” من شركة “نوبل أنرجي” الاميركية عام 2011، وتقدّر احتياطاته بنحو 4.5 تريليون قدم مكعب، فيما يتداخل جزئيا مع المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لإسرائيل والتي طلب اللجوء الى التحكيم الدولي للفصل في النزاع حول حصتها من الحقل.

أما التطور المهم الذي يجب مراقبته أيضا، فهو وصول الحفارة الاولى الى حقل كاريش الواقع على الحدود البحرية بين لبنان واسرائيل. هذا الحقل الذي أعلن وزير الطاقة الاسرائيلي يوفال شتاينتس نهاية العام 2016 موافقة تل ابيب على بيعه، بالاضافة الى حقل “تانين” لشركة “انرجين” اليونانية، وتقدر احتياطاتهما بما يقارب 60 مليار متر مكعب. وكان حق استغلال هذين الحقلين اعطي في البداية الى “كونسورسيوم”، ويتألف من شركة “نوبل إنرجي” الأميركية ومجموعة “ديليك” الإسرائيلية. وكانت “انرجين” قد وافقت في آب 2016 على دفع 150 مليون دولار مقابل الحقلين لشركتي “نوبل إنرجي” و”ديليك”. وفي مقالة نشرت في “النهار” في تاريخ 11 تموز الماضي، كشف وزير الطاقة والمياه السابق أرتيور نظريان عن معلومات موثقة الى وزارة الطاقة من شركة “TGSS” البريطانية التي أجرت مسحاً عام 2000، أكدت وجود مكامن مشتركة للنفط مع اسرائيل، وأن حقل “كاريش” قريب جداً ولا يبعد أكثر من 5 كيلومترات عن الحدود البحرية اللبنانية، مما يعني أن اسرائيل تتحضّر بطبيعة الحال للافادة من البلوكات التي لدى لبنان معها حقول مشتركة. ومع وصول الحفارة الاولى الى حقل كاريتش يكون تأكيد نيات إسرائيل الاسراع في الافادة من هذا الحقل، وبدء عملية استثماره والاستفادة من ثرواته. ويبعد حقل كاريش 100 كلم عن السواحل الإسرائيلية ونحو 75 كلم عن ساحل حيفا، وقد اكتشف في تموز 2013، ويمتد على مساحة 150 كلم2. وتشير تقديرات المسوحات التي تمت إلى احتمال أن يحتوي على كميّات تراوح ما بين 1.5 و2 تريليون قدم مكعّب من الغاز. لبنانياً، يبعد حقل كاريش نحو 4 كلم عن الحدود الإسرائيلية – اللبنانية، وتحديداً عن البلوك 8 العائد للبنان، و6 كلم عن البلوك 9، علماً ان أبعد نقطة من هذا الحقل تقع على بعد يراوح ما بين 15 و17 كلم من حدود المنطقة اللبنانية. مع التذكير بأن المنطقة الاقتصاديّة الخاصة بلبنان ومساحتها نحو 22 ألف كيلومتر مربع، باتت مقسّمة بحسب المسوحات التي أجرتها وزارة الطاقة اللبنانيّة إلى 10 بلوكات، 3 منها تقع على حدود المنطقة الإسرائيليّة، وهي البلوكات 8 و9 و10. وتبقى الانظار الى إعلان “انرجين” عن خريطة الطريق التي ستتبعها لبدء عملية الحفر في الحقل، وهذا تطور مهم جدا خصوصا لناحية إمكان وجود مكامن مشتركة مع لبنان. هذا ما يفسر المعطيات التي وصلت الى الرئيس نبيه بري منتصف شهر شباط الفائت، واعتبار ان تحرك إٍسرائيل يهدد باستنزاف ثروة لبنان قبل أن يبدأ عمليات الحفر الخاصة به، مع إقدام تل ابيب على منح ترخيص لاستكشاف النفط والغاز قرب الحدود البحرية المتنازع عليها، وهو ما كان بحثه بري مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، فيما اتهم بري إسرائيل بانتهاك المياه اللبنانية بمنح ترخيص للقيام بعمليات استكشاف في المنطقة القريبة والمتداخل مع البلوك رقم 9 اللبناني.

التطورات والاكتشافات الجديدة تشكل محفزا أساسيا لشركات التنقيب العالمية لتركيز ثروات حوض شرق المتوسط، وخصوصا في لبنان الذي يتحضر لدورة التراخيص الثانية مع بدء عمليات الحفر نهاية العام 2019 وبداية 2020 على البلوكين 4 و9. ويبقى الاهم الاسراع في هذه العملية لعدم خسارة لبنان جزءا أكبر من الاسواق المستقبلية لغازه ونفطه لمصلحة الغاز والنفط الاسرائيلي والقبرصي والمصري، إذ إن كل تأخير في بدء استغلال موارده سيؤدي الى خسارة مصادر التصدير والاسواق المستهلكة.