//Put this in the section

الفرزلي: من مصلحة الجميع حماية معركة مكافحة الفساد

ابراهيم بيرم – النهار

“المعركة لاجتثاث مظاهر الفساد”، وما أكثرها، من جسد مؤسسات الدولة، فُتحت في الايام القليلة الماضية على مصراعيها، وباتت تنذر بالتحول الى مواجهات فرعية مفتوحة، والى عامل من شأنه ان يهدد التوازن والاستقرار والمهادنة السياسية التي برزت اخيرا.




وأياً يكن من أمر، فالقضية فرضت نفسها وتؤذن بأن تتحول مسرى سياسياً، لاسيما بعدما قرر “حزب الله” جعل مكافحة الفساد شعاره المحوري، وقد عهد الى عضو كتلته النيابية حسن فضل الله مهمة ان يكون رأس الحربة في هذه المواجهة التي على ما يبدو انها مستدامة. ومعلوم ان قيادة الحزب، لحظة كلّفت فضل الله هذه المهمة الشاقة، فرَّغت له جهازاً متخصصاً يضم نحو30 كادراً لإعداد الملفات المتصلة بقضايا الفساد، ولاسيما منها ما يتعلق بـ”سرقة المال العام” وما يرتبط بذلك من قوانين وانظمة تسهّل هاتيك السرقات، وتحول دون محاسبة السارقين والناهبين بل تمنحهم حصانة قانونية غير مرئية.

والواضح ان الحزب دخل أولى منازلات هذه المعركة متسلحاً بوثائق وأسانيد يعود بعضها الى أعوام عدة خلت. ومن المفارقات ان ابرز مَن تحسس من هذه المعركة وأدرج نفسه في قائمة المتهمين كان “تيار المستقبل”، وتحديداً الرئيس فؤاد السنيورة الذي ما لبث ان رد على هجمة الحزب بحملة مضادة مبرزاً بدوره مستندات نظرية ودروساً حول سبل الانفاق.

بالتأكيد ليست المرة الاولى في نظام ما بعد اتفاق الطائف، تنفتح فيها ابواب مثل هذه المواجهة وتتدحرج الامور الى احتمالات شتى، منها تحفيز الرأي العام و”تعييشه” في مناخات متأرجحة، ومن ثم تضيع القضية في متاهات الخلافات وتقيّد ضد مجهول، او على الاقل تضاف الى سجلات قضايا الرأي العام التي تصير وجهات نظر مختلف عليها بين الاطراف الداخليين.

نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي الذي واكب عن كثب محاولات متعددة للاصلاح وجبه موجات الفساد والتسيب، منذ اعادة تكوين النظام والتركيبة السياسية على اساس الطائف، يؤكد لـ”النهار” ان “من مصلحتنا جميعا ومن دون استثناء مواكبة معركة مواجهة الفساد والعمل على حمايتها قبل ان يتحول هذا الفساد حالة مستعصية ويمسي امراً واقعاً يصعب الانعتاق من بين براثنه”.

واستطراداً، يرى الفرزلي ان “الشرط الاساسي لضمان وصول هذه المعركة الى نتائج مثمرة ومضمونة هو كيفية ادارة المعركة، والحيلولة دون تحوّلها الى صراعات داخلية ووجهات نظر متضادة، على نحو يضيع معها المواطن واستتباعاً تتيه الحقيقة ويفلت المرتكبون”.

ويقول: “ربما للمرة الاولى نجد هذا القدر الكبير من الاستعداد، سواء عند الغالبية العظمى من القوى السياسية وعند الرأي العام لمواجهة موجة الفساد، ويتوافر هذا الكمّ من الرغبة في الانطلاق في رحلة اصلاح حقيقي وجاد”.

ويضيف: “وأنا أرى ان هذا القدر من الاستنفار والتحفز للمواجهة لا يأتي من فراغ ولا ينطلق من عملية تصفية حسابات سياسية قديمة، بل يتأتى من شعور الجميع بان سيل الامور قد بلغ الزبى، وانه بمعنى آخر شعور الجميع بانه في عمق الازمة وبفداحة ما قد يأتي اذا تُرك حبل الامور على غاربه حاضراً ومستقبلاً”.

وهكذا هي برأي الفرزلي “استفاقة قد يراها البعض متأخرة، لكنها في الحصيلة استفاقة الضرورة وهي مباركة وواعدة. لكن الشرط الاساسي لكي تصير الاستفاقة هذه مثمرة هو ان نحسن جميعاً ادارة المعركة المفتوحة. وابرز شرط لذلك هو الحيلولة دون إغراق مسيرة محاربة الفساد في ملفات قديمة، اذ نخشى ساعتئذ من ان تتحول الى معركة تصفية حسابات، ونخشى ايضاً ان يغرق القضاء المختص الذي هو الحَكَم في خضم تلك الملفات ليخرج منها في خاتمة المطاف بصفر أحكام”.

والمهم، وفق الفرزلي، “ان يُعهد في القضية الى القضاء وتُترك الامور لتتدحرج وحدها”.

ورداً على سؤال قال: “علينا ان نحدد عنواناً وأفقاً للمعركة وهو ان علينا العمل لمنع الفساد من الاستشراء اكثر في المستقبل والحد منه الى اقصى الحدود من الآن فصاعداً، وان نثبت لمن يعنيهم الامر ان الامور ليست سائبة ومباحة للفاسدين، وان سيف المراقبة والمحاسبة سيظل مصلتاً. ويعلم الجميع ان الاصلاح المنشود لا يتوقف عند حدود معركة بل هو عملية مستدامة الى أبد الآبدين”.

ونسأل الفرزلي عن أوجه الشبه بين قضية مواجهة الفساد المرفوعة حالياً وبين قضية طائرات “البوما” التي أُثيرت في النصف الاول من عقد التسعينات في مجلس النواب عبر لجنة تقصٍ ومحاسبة تولى هو رئاستها يومذاك، فأجاب: “الامر مختلف، فتلك القضية وقف وراءها كل من أراد النيل من الرئيس امين الجميل وعهده، ولاسيما من القوى والقيادات المسيحية، ولم يكن هناك ادلة واثباتات دامغة تدينه، اما الآن فقرار مواجهة الفساد والمفسدين أمر جاد وقد تحولت الى معركة يشارك فيها الرأي العام وجزء واسع من النخبة السياسية، واكرر انها معركة واعدة اذا توافرت لها قيادة واعية تمنع تحوّلها الى معركة مذهبية وفق ما ترغب فيه بعض القوى تحت ذريعة مواجهة “حزب الله” الذي يؤدي دوراً ريادياً يُشكر عليه في المواجهة وفي جعل المعركة اكثر جدية، وقد أعدَّ العدة اللازمة لذلك”.