//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

من فرنسا إلى إسرائيل – الياس خوري – القدس العربي

المناقشة الصاخبة التي افتتحها إعلان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تبنيه المقولة الصهيونية بمساواة المعاداة للصهيونية باللاسامية، تثير العديد من الأسئلة، وتنقل النقاش من حيزه الأوروبي، ومن الصخب الذي رافق اتهام قيادة حزب العمال البريطاني باللاسامية، إلى مستوى أكثر خطورة.

تعود هذه الخطورة إلى أن الثقافة الفرنسية، التي صرخت مع إميل زولا «إني أتهم»، مفتتحة مقولة المثقف العام، على أثر فضيحة محاكمة الضابط الفرنسي اليهودي دريفوس 1898، تتعرض اليوم لامتحان جديد عنوانه إصرار المنظمات اليهودية المتصهينة على خوض حرب مضللة، بهدف حماية النزق العنصري الإسرائيلي الذي أفلت من عقاله.




دقت محاكمة درافوس ناقوس الخطر، وأشارت إلى تسلل العنصرية واللاسامية إلى ثقافة الجمهورية، وأنتجت ردين متناقضين:

رد زولا الذي يدعو إلى المساواة ورفض العنصرية، ورد الصحافي اليهودي الذي ولد في بودابست سنة 1860، تيودور هرتسل، الذي استنتج أن حل المسألة اليهودية لا يتم إلا عبر إقامة دولة يهودية، في كتابه «دولة اليهود».

ردان متناقضان في الجوهر، ما لبث غبار الوحشية النازية أن حجب هذا التناقض بعد المحرقة التي شملت العديد من البلدان الأوروبية، بحيث صار تبني مقولة هرتسل ودعم المشروع الصهيوني في فلسطين وسيلة كي تغسل أوروبا يديها من الدم اليهودي بالدم العربي.

هل صحيح أن اللاسامية تجد في معاداة الصهيونية شكلها الجديد؟ لا شك في أن هناك لاساميين يكرهون إسرائيل، ولكن هناك أيضاً لاساميون يدعمون إسرائيل، وهم اليوم منتشرون في صفوف الفاشية القومية المنبعثة من أزمات أوروبا مع العولمة. فدعاة التفوق الأبيض ينخرطون اليوم في حمى الإسلاموفوبيا، وهم في أغلبيتهم الساحقة لا ساميون، لكنهم يجدون في رُهاب الإسلام الامتداد المنطقي للاساميتهم.

لا أدري ماذا سيكون موقف السيد ماكرون بعد إعادة تأهيل الكاهانيين في إسرائيل على يدي نتنياهو. هل سيتهم المعادين لعنصرية «اوتزما يهوديت» ونتنياهو وبينيت بأنهم لاساميون؟ «اوتزما يهوديت»، أي القوة اليهودية، هو الحزب الذي ورث مشروع الحاخام الأمريكي العنصري مائير كاهانا.
الكاهانيون ليسوا عنصريين ضد العرب فقط، وليسوا دعاة طرد الفلسطينيين من كل فلسطين بما فيها أراضي 1948 فقط، بل هم عنصريون ضد كل «الغوييم»، أي غير اليهود. إنهم نازي-يهود بشكل علني وفاقع. واضطرار نتنياهو إلى إعادة تأهيلهم في غمرة معركة الحياة والموت التي يخوضها هي فضيحة صهيونية كاملة.

الفضيحة ليست فضيحة الكاهانيين، بل هي فضيحة الحركة الصهيونية برمتها. فهؤلاء الفاشيست لا يريدون طرد الفلسطينيين وقتلهم فقط، كغيرهم من الصهاينة، بل يريدون أن يصلوا إلى «المتعة» العنصرية الكاملة. لا يتغرغرون بالدم العربي فقط، بل يتغرغرون أيضاً بالكلام عن أفعالهم.

مأزق نتنياهو الانتخابي وخوفه من السقوط وإنهاء حياته السياسية في السجن بسبب فضائحه المالية، قاداه إلى كشف المستور برمته. فالمعركة الانتخابية الشرسة بين نتنياهو وثلاثة جنرالات إسرائيليين هي معركة بين المكشوف والمستور. غانس يفتخر بمجازره في غزة عندما كان رئيساً للأركان، ويعلون من دعاة أرض إسرائيل الكاملة، وليبيد يريد الفصل الكامل عن الفلسطينيين. إنها معركة بين فاشية لغوية يصرّ عليها اليمين العنصري، وبين فاشية المؤسسات التي يريدها غانس.

لا أحد من الطرفين يعترف بالحق الفلسطيني الناقص والمبتور الذي ارتضته القيادة الرسمية الفلسطينية. والمؤلم أن مرض الانقسام وصل إلى فلسطينيي 1948، فبدلاً من التوحد في مواجهة الفاشية الإسرائيلية، انقسم الفلسطينيون ودفنوا القائمة المشتركة، وصاروا أسرى صراعات شخصية وفئوية تافهة.

لعل سوء الحظ الذي صاحب ماكرون منذ فضيحة مرافقه الشخصي، ألكسندر بينالا، وصل اليوم إلى ذروته، فهو يدافع عن الصهيونية ويسعى لحماية إسرائيل من النقد، في اللحظة التي كشفت فيها إسرائيل عن حقيقتها العنصرية التي لم تعد قادرة على إخفائها. التنعّج الإسرائيلي الكاذب ومصادرة لغة الضحية حلّ مكانهما اليوم تنمّر يثير الرعب في نفوس الكثير من اليهود الذين يجدون أنفسهم اليوم يدافعون عن جلّاد متوحش، يريد إبادة سكان البلاد الأصليين في أرض ليست له.

قام العديد من المفكرين الفرنسيين واليهود بدحض المقولة التي يتبناها ماكرون اليوم. فالرجل إما جاهل أو أنه يتجاهل عمداً الأصوات اليهودية المعادية للصهيونية. هل يستطيع أحد اتهام بطل انتفاضة غيتو وارسو، اريك ايدلمان، باللاسامية لأنه عاش ومات معادياً للصهيونية؟

ما هذا الهراء؟

هل يريدون قتل آخر ما تبقى من الضمير، كي يبرروا سياسات الاحتلال ومصادرة الأراضي والأبارتايد والطرد؟

يلعب الصهاينة اليوم بورقة انتحارهم الفكري الأخيرة.

فحين تصير معاداة الصهيونية لاسامية، وحين يتم فرض التماهي بين اليهودية كدين والصهيونية كمشروع كولونيالي، فهذا يعني أن اليهود الصهاينة هم من يتبنى اللاسامية ويبعثها من جديد.

الخيار الذي يحاولون فرضه اليوم على الرأي العام العالمي هو بين الموافقة على الممارسات الاحتلالية والعنصرية وبين تهمة اللاسامية. هل يعون ماذا يفعلون؟

أم أن الضحية الأخيرة التي يسعى الصهاينة لتقديمها لبقرة العنصرية التي يعبدونها هي اليهودية كدين، واليهود كطائفة دينية تعيش في مجتمعات مختلفة؟

متى سيظهر صوت كصوت إميل زولا ليصرخ في هؤلاء السفهاء «إني أتهم»، معلناً رفضه لهذا الانزلاق العنصري الذي يقوده دعاة التفوق الأبيض، وهم يدفعون إلى استيلاد النازية تحت أسماء جديدة؟