//Put this in the section
غسان الحجار - النهار

”حزب الله” ومرحلة ما بعد السلاح – غسان حجار – النهار

الحروب مع إسرائيل قد تكون ولّت إلى غير رجعة. إسرائيل لم تعد راغبة في حروب لأنّها أُنهكت في الداخل. شعبها لا يرغب في خوض حروب يعتبرها عبثيّة. حروب إسرائيل كانت مُبرّر وجودها يوم كانت قادرة على تحقيق انتصارات سريعة، لكن الأوضاع تبدّلت حاليّاً. “حزب الله” بدل المعادلة كثيراً. حقّق توازن الرعب، وهذا أمر يعترف له. حاليّاً ومستقبلاً لن تكون إسرائيل هي البادئة في أي حرب مكلفة بشريّاً ومالياً. الحروب لن تصنع لها مستقبلاً إذ أنّها لن تبدّل الواقع الديموغرافي في داخلها. ولن تسمح لها باحتلال أراضٍ جديدة. ولا حاجة لأن الحرب لعشرات السنين المقبلة باتت اقتصاديّة. إنّه عصر النفط والغاز في المنطقة. وهي تستولي على الكثير من الحقول وتملك التكنولوجيا، والسلاح، وبالتالي فهي متقدّمة في مجالات عدّة، وتطمح حاليّاً إلى سلام عربي يمضي بخطوات سريعة، وعبره ستدخل إلى عالم اقتصادي ومالي واسع ومتشعّب يسمح لها بضمان الموارد التي تتيح لها العمر المديد.

إذاً ستكون المرحلة المقبلة للسلام مع العرب. وهذا ليس تبشيراً بالسلام أو ترويجاً له، بل قراءة لواقع نشهد فصوله كل يوم، وقد بدأ الخفي منه يظهر إلى العلن.




الحرب السوريّة العسكريّة توشك على الانتهاء. لن يكون هناك مكان للسلاح، وتحديداً السلاح الإيراني وسلاح “حزب الله”، وسيتم ضبط هذا السلاح بالقبضة الحديد الروسيّة التي ستُشكّل ضابط الإيقاع للمنطقة في المرحلة المقبلة. وروسيا تعرف جيّداً كيف تُحافظ على التوازنات ما بين العرب وإسرائيل، وتمنع أي “اعتداء” على الأخيرة، بل وتحجب عنها الخطر، وإلّا لما أمكن لموسكو أن تتولّى المُهمّة.

أمّا تمدُّد السلاح إلى دول أخرى، خارج الإطار الجغرافي الطبيعي للحزب، فإنّه يصبح اعتداء على سيادة الدول، ويتحوّل إرهاباً. وهو لم يعد يُحقّق المنافع لإيران التي يزداد عليها الحصار يوماً بعد آخر، وهي، وإن لا تزال تكابر في نفي تأثير تلك العقوبات، إلّا أن أوضاعها الاقتصاديّة والماليّة الداخليّة كافية للدلالة على عكس ما تروّج وتقول.

و”حزب الله”، بما استمدّه من خبرة، بات أقدر من غيره بكثير، على رؤية معالم مقبلة، وقد أدرك في وقت سابق أن مشروعه للجمهوريّة الإسلاميّة في لبنان، لا يمكن أن يتحقّق بالقوّة، فبدّل الاستراتيجيّات العميقة وغيّر الوجهة.

اليوم يعي الحزب جيّداً، أن لا فائدة تُجنى من فتح صراعات ونزاعات جانبيّة. ويعي جيّداً أن دور السلاح إلى زوال، وأنّه كما سلاح كل الميليشيات الذي لم يبع إلى الخارج، سيتعرّض للصدأ في مخازن تتحول عبئاً على اصحابها. السلاح لن يستعمل في الداخل أبداً، لأن معارك الداخل خاسرة حتماً، وإن حقّقت مكاسبة آنية ضيّقة.

مرحلة ما بعد السلاح، تتطلّب استراتيجيّات جديدة، أوّلها المشاركة الحقيقيّة في السلطة من خلال تقاسم الحصص في الوظائف والمواقع، وثانيها إثبات نوعيّة مختلفة للمشاركة، فلا تكون تقاسماً للمغانم ومساهمة في الفساد. لذا يُطلق الحزب حملته على الفساد، وهي معركة جديّة ولن يتراجع فيها.

إنّها مرحلة ما بعد السلاح. وهي تتقدّم ببطء. وعسى أن يبدأ الحزب في بيئته حتى يُثبت صدقيته وان يتمكن من ملاقاة الآخرين في لبنان الوطن النهائي لجميع ابنائه.