//Put this in the section

لهذه الاعتبارات أنزل ”حزب الله” عقاباً علنياً بنواف الموسوي

ابراهيم بيرم – النهار

لم يكتفِ #حزب_الله على ما يبدو باعتذار رئيس كتلته النيابية #محمد_رعد في مجلس النواب طيّاً لتداعيات الكلام الذي اطلقه في لحظة انفعال نائبه عن دائرة صور نواف الموسوي بحق حزب “القوات اللبنانية”، بل ذهب الى أبعد من ذلك عندما سرى بشكل غير رسمي اول من امس كلام فحواه ان قيادة الحزب قررت إنزال عقوبة “تجميد العمل” بحق الموسوي لمدة سنة.




إجراء سبق للحزب، وفق معلومات، ان اتخذه في فترة سابقة بحق احد نوابه الذي استخدم في ذات حوار حامٍ مع نوابٍ خصوم تعبير “طهِّر نيعك”. لكن هذا الإجراء المسلكي بقي طي الكتمان لمدة لم تتجاوز الاشهر الثلاثة. وعليه فان الاضاءة غير المباشرة على العقاب المستجد بحق نائب عُرف عنه انه من افراد الرعيل الاول في الحزب واقترن اسمه دوماً بأنه من “منظّري الحزب” ومن عِداد النخبة المثقفة فيه، والذي عُرف أيضاً بانه واحد من محاججي الخصوم والمدافعين بشراسة ووعي عن وجهة الحزب في المواقف الحرجة والمحطات المصيرية، وان يذيع بشكل لا مواربة فيه اجراء عقابياً كان يمكن ان يبقى ضمن الدائرة الضيقة الكتومة في الحزب ككثير من الامور التي تظل سراً لا يذاع او لغزاً لا يحل، ففي ذلك دلالة على ان الامر مقصود بذاته، وانه اذا ما تلته ردة فعل من نوع ما، فمعناه ان الخطوة الثالثة ستكون، ولاريب، الإبعاد النهائي للموسوي عن واجهة الفعل، او ربما إحراجه تمهيداً لإخراجه الى فضاءات اخرى.

في أي حال، يبدو جلياً ان الموسوي الذي ما غادر المشهد منذ اواسط التسعينات، وشغل قبل حصوله على المقعد النيابي في صور للمرة الاولى عام 2009 (بالمناسبة هو من بلدة صغيرة في القضاء اسمها أرزون) منصب المسؤول عن ملف العلاقات الدولية في الحزب (متضلّع من الترجمة ولاسيما اللغة الفرنسية) لأكثر من اربعة اعوام، وهو كان الاول الذي حمل هذا الملف، فقبله لم يكن في الحزب هذا المنصب رسميا، يبدو انه لم يرتكب في جلسة مجلس النواب الاخيرة، خطأ مخالفة التوجهات والتعليمات وفتح خط تماس مع فريق سياسي اتخذت قيادة الحزب منذ زمن قرار مهادنته لاعتبارات شتى، ففي اوساط الحزب، لاسيما في صور ومنطقتها، كلام عن ان الموسوي كان قاب قوسين أو أدنى من الإبعاد عن ترشيحه ثانية للمقعد النيابي في صور بفعل شكاوى متنامية بحقه من قاعدة الحزب في المنطقة والتي سجلت عليه “نوعاً من العنجهية والتصرف الصلف والتراجع في اللحظة الاخيرة عن تعهدات اعطاها ومواعيد قطعها”. ولكن ثمة توجهات عليا حالت دون ازاحة الرجل عن مقعده بعدما اخذت منه تعهدات بالانضباط المزدوج: الانضباط في تلبية المواعيد وضبط المواقف وعدم الانفعال.

لكن على ما يبدو، لم يستطع الرجل السيطرة على اعصابه المتعبة نتيجة ظروف عائلية، ولم يسجل ويمارس ما يجعل القاعدة الحزبية الواسعة تبدل نظرتها المكوَّنة سابقا عنه، فكان كلامه الانفعالي في مجلس النواب بمثابة القشة التي اثقلت ظهر البعير، وكان بمثابة قنطرة عبور الى قرار الصوم عن الكلام واطلاق المواقف.

ومعلوم ان “حزب الله” يبذل منذ ما يقرب من عقدين من السنين جهوداً استثنائية لكي لا يصير “حزباً ثرثاراً مهذاراً” وفق تعبير استخدمه ذات يوم احد قياديي الحزب في لقاء لنا معه، واستطراداً لكي لا يصير حزباً بألسنة كثيرة ومواقف متعددة. لذا فان الحزب امضى اكثر من خمسة اعوام حتى انهى صيغة “مصدر مسؤول” فيه، وأُبلِغ الاعلاميون المتخصصون في التلاقي معه بان لا قيمة اطلاقاً لأي تصريح منسوب الى شخصية محددة منه. اما المواقف الرسمية الناطقة بلسان حال الحزب فقد حُصرت بعدد محدد ومعلوم من الصف القيادي منه تظهر حصراً في منابر عامة للحزب (تأبينات، احتفالات ومناسبات اخرى…) وحصر تقريباً امر التصريحات والمواقف الرسمية (المقابلات) بالامين العام للحزب ونائبه. وما خلا الشأن المتعلق بأعمال الحكومة، فقد تُرك الامر لاجتهاد وزراء الحزب في الافصاح والرد على الاسئلة وعلى جلسات الحكومة وما يُقر فيها.

وبناء على ذلك، فان الحزب صار اكثر انضباطاً في اطلاق المواقف الجلية الواضحة والصريحة، الى درجة ان ثمة من الخبراء مَن وصفه ذات يوم بانه “حزب الموقف الواحد في كل المناسبات والمناطق”.

وهكذا فان النائب الموسوي الذي اخذ لنفسه حق الاجتهاد في موضع النص، راح في لحظة انفعاله وحدّيته ضحية توجهين اساسيين يريد الحزب اثباتهما والتأكيد عليهما مجدداً من خلال قراره الاخير، وهما:

– ان الحزب لا يتهاون اطلاقاً مع قيادييه وكوادره الذين يصرّون عن قصد او عن عفو خاطر على مخالفة التوجهات والرؤى والتوصيات المعروفة سابقا. والعقاب لا يقع فقط على مخالفي التعليمات السياسية بل أيضاً على الذين استغلوا صلاحياتهم ومواقعهم لمآرب خاصة. وفي الحزب تسري معلومات عن تأليف جهاز محاسبة ورصد للمخالفين داخل الحزب أُوكلت مسؤوليته الى احد القياديين في الجنوب المعروف عنهم الحزم والصرامة.

– ان الحزب لا يريد في هذه المرحلة والى اجل غير مسمى ان يبتعد عن واجهة المشهد السياسي وترك الامور تنساب بأريحية تامة. لذا فانه لا يسمح ولن يسمح مستقبلاً بفتح خطوط تماس مع اي جهة داخلية.

وعلى العموم، يبدو واضحاً ان “حزب الله” يريد الاستفادة من اخطاء الاحزاب التي سبقته في الظهور في حلبة العمل السياسي، وألا يسمح لمظاهر التسيّب والفلتان بان تنساب الى داخل جسمه، فأكد لمن يعنيهم الامر ان ما من خطوط حمر عنده، وليس من اشخاص فوق الشبهات وفوق قوانين المحاسبة، واستطراداً العقاب مهما علا شأنهم.