//Put this in the section

هل يستقيل محمد كبارة ليُوَرِّث ابنه؟.. المستقبل يربك طرابلس: انتخابات لمقعد واحد أم لمقعدين؟

جنى الدهيبي – المدن

بدو أنّ عاصمة الشمال أمام شهرين حافلين من المناورات المتبادلة. ومن اللحظة الأولى، التي أعلن فيها المجلس الدستوري إبطال نيابة ديما جمالي، بدأت القيادات والتيارات السياسية في طرابلس تستجمع قواها وزخمها، للدخول في استحقاق الانتخابات الفرعيّة، لما تحمله من أبعادٍ عميقة في لعبة التوازنات وأحجام التمثيل السياسي والنفوذ. في المرحلة الأولية، لا تزال الصورة ضبابيّة، ولا يعوّل عليها.




كريم كبارة للوراثة
الكلُّ يناور. هناك من يناور بطرح فكرة على هيئة شائعة، وهناك من يناور بـ”الصمت”، وآخرٌ ينتظر انتهاء مناورات الجميع حتّى يعلن قراره، سواء بالاعتكاف أو بالدخول في المعركة. في المبدأ، المرشح الوحيد الرسمي حاليًا عن المعقد الشاغر في طرابلس، هي النائبة التي تسبب إسقاط النيابة عنها بشغوره، أيّ ديما جمالي. لكنّ لعبة المناورات داخل تيار المستقبل، لم يحسمه إعادة ترشيح جمالي. والخبر المتداول الذي نشرته “المدن” عن نيّة النائب محمد كبارة تقديم استقالته من المجلس النيابي، حتّى يفسح المجال لنجله كريم كبارة الترشح، بدلًا منه، في الانتخابات الفرعية المنتظرة بعد شهرين، يبدو أنّه يأخذ مساره جدّيًا. في الظاهر، ينفي النائب كبارة باتصالٍ مع “المدن” أنّ يكون حسم خياره بتقديم استقالته من المجلس، في الأيام المقبلة، لكنّه لا ينفي طرح الفكرة، التي “لا تزال في إطار الدردشة والنقاش وحسب”. لكن معلومات “المدن”، تشير أنّ كبارة الأبّ يصرّ على رئيس الحكومة سعد الحريري أن يأخذ هذه الخطوة، حتّى يستفيد من “الفرصة الذهبية”، بإجراء الانتخابات على القانون الأكثري وليس النسبي. وهو ما يصبّ في مصلحة نجله، لا سيما أنّه لن يترشح في الدورة المقبلة، وسيوكل كريم بهذه المهمة. كما أنّ فرصة استفادة الأخير من انتخابات فرعيّة في دائرة طرابلس حصرًا، تضمن له استكمال مسيرة والده وترسيخ ثقله في المدينة، الذي لا يرتبط أصلًا بثقل تيار المستقبل، خصوصًا أنّ كبارة يقدّم نفسه كـ”حليف” للتيار وصاحب حيثية شعبية مستقلة، وليس جزءًا من منظومته الحزبية.

لدى جمهور كبارة الأبّ، يحظى الإبن بـ”محبة” وقوّة حضور، اللتين لم يحققهما في السياسة نقاشًا ومواقف، وإنما لصلاته المباشرة مع الناس، سواء بحضوره الدائم في مكتب والده، الذي يستقبل يوميًا وفودًا شعبية وطالبي خدمات، وسواء لإدارته أعمال والده في شركتهم الخاصة بمرفأ طرابلس. وكريم البالغ 30 عامًا (1989)، والحاصل على إجازة في إدارة الأعمال من جامعة الأعمال، تربطه علاقة شخصية قويّة ووثيقة بالرئيس الحريري نفسه، وبأمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري.

وقد بدأت تظهر ملامح هذه العلاقة أخيرًا على الإعلام، بزيارات كريم المتكررة إلى بيت الوسط، ومرافقته الحريري في تقديم واجب العزاء للوزير السابق نهاد المشنوق بوفاة والدته. لكنّ هذا الواقع، لا يعني حُكمًا أنّ الحريري قد يكون مرتاحًا، في حال اتخذ محمد كبارة قرارًا نهائيًا بتقديم استقالته، إذا فرض عليه هذا الأمر، من دون أن يفتح عليه باب أزمةٍ داخل تيّار المستقبل وخارجه.

“كلنا مصطفى علوش”!
قبل يومين، نشر الرئيس الحريري صورته إلى جانب النائب السابق مصطفى علوش، يغمره واضعًا يده على كتفه، وغرّد فوقها قائلًا: “الوفاء عملة نادرة في زمن قلّ فيه الصدق”. هذه الصورة، جاءت على هيئة “تطييب خاطر”، بعد إعلان جمالي ترشحها عن المقعد السني الشاغر، وربما ردًّا على تغريدة النائب السابق فارس سعيد الذي نشر صورة علوش معلقًا: “كلنا مصطفى علوش”. فالأزمة التي وقعت مع علوش، إثر استبعاد الحريري تسميته وزيرًا، رغم الوعد “الجدّي” الذي قدّمه له منذ أن تكلّف تشكيل الحكومة، تجددت بعد تبديدها، باستبعاده أيضًا عن الترشح على المقعد السني الشاغر، كنوع من التعويض والتأكيد على تمسكه به. وحسب المعطيات، كان الطرح الأولي أن يترشح علوش بدلًا من جمالي، وتترأس الأخيرة المنطقة الاقتصادية في طرابلس، كتعويضٍ لها عن إبطال نيابتها، بعد أن أصبح المنصب شاغرًا بتولي ريا الحسن حقيبة وزارة الداخلية. لكنّ ذلك لم يتحقق. ويبدو أنّ علوش لم يتلقف “تطييب” الحريري لخاطره بتغريدة، لا سيما أنّ المقربين منه ينقلون أنّه يزال يفكّر بـ”خياراته” ليحسم موقفه من قرار الحريري إعادة ترشيح جمالي. أمّا ما “قصم ظهر البعير” على الأرجح، فكان بـ”شائعة” أو طرح فكرة ترشيح كريم كبارة بدلًا من والده، الذي ينوي تقديم استقالته. وعلى إثرها، كتبت زوجة علوش على صفحتها الخاصة في فايسبوك، أنّه “إذا شغر مقعد سني ثاني في طرابلس لأي سبب من الأسباب #فكلنا_مرشحون”.

ميقاتي: الكلمة الفصل
واقع التخبط الكبير داخل البيت “المستقبلي”، الذي لم يعدّ خافيًا على أحد، لا يعني أنّ “الجبهات” الأخرى مرتاحةٌ على وضعها، بحسم خياراتها من أجل تحديد شكل المعركة التي تنظرها طرابلس. يعتبر الجميع أنّ رئيس الحكومة الأسبق نجيب ميقاتي، “الزعيم” الأول في المدينة بـ 21 ألف صوت طرابلسي، هو صاحب الكلمة الفصل في هذه المعركة. وإذا كان النائب فيصل كرامي، لم يعلن بعد مرشح “الكرامة” على المقعد الذي يعتبر نفسه “ظُلم” فيه، وأنّ هناك “تجاوزًا دستوريًا” بعدم إعطائه للمرشح صاحب الطعن بنيابة جمالي، طه ناجي. وإذا كان الحريري ضمن وقوف النائب محمد الصفدي إلى جانبه في معركته، إلّا أنّ ميقاتي لم يصدر قرارًا رسميًا بحسم خياره.

قبل يومين، تسرب أنّ ثمّة لقاءً جمع الحريري مع ميقاتي في بيت الوسط. وبالأمس، أصدر ميقاتي بيانًا رسميًا أكد فيه حرصه على العلاقة مع الحريري، وعلى التعاون المتين القائم بينهما،  و”أن الأولوية لديه في موضوع الانتخابات الفرعية هي مصلحة طرابلس وأهلها”، وأنّه “يجري الاتصالات اللازمة مع كل الأطراف المعنية بهذا الاستحقاق، على قاعدة أن وحدة الصف هي أكثر من ضرورة، في ظل التحديات الراهنة والداهمة”. هذا البيان، أوحى للجميع أنّه نوعٌ من الاتجاه للوقف إلى جانب الحريري، في انتخابات طرابلس ودعم مرشحته. لكنّ عمليًا، لا يمكن التنبؤ أن يكون هذا هو القرار الحاسم لدى ميقاتي، لاعتبارات عدّة. فهو إن كان يحرص على “العلاقة المتينة” مع الحريري، لا يعني عدم درس احتمالات التبعات لدعمه الحريري، والاعتكاف عن إعلان مرشحه، مع كلّ ما تعنيه قوّته الاقتصادية، وزعامته التي تفوّق بها على الحريري نفسه في طرابلس. ومن الأسئلة المطروحة: هل سيقتنع جمهور ميقاتي بتجيير أصواتهم لصالح جمالي؟ وهل ستكون ماكينته الانتخابية على استعداد للعمل بالحيوية نفسها لصالح جمالي، في حال لم يعلن رئيس تيارهم مرشحه؟ وماذا سيكون موقفه من مرشح فيصل كرامي؟

الصوت العلَوي
كلّ هذه الأسئلة، والتي قد تتكثف إذا حسم كبارة مسألة استقالته ورشح نجله، توسيعًا لرقعة المعركة الانتخابية، تشير أنّ ميقاتي قد يتهمل لإعلان قراره، بحثًا عن مخرج يحفظ علاقته بالحريري من جهة، ولا يحرجه مع شارعه ومع مرشحين آخرين، من جهة أخرى. أمّا اللواء أشرف ريفي، الذي قد يفرض على المعركة الانتخابية توازنًا مختلفًا، فهو لم يحسم خياره بعد، ويشير لـ”المدن” أنّ قراره لجهة الترشح من عدمه، سيعلنه بتاريخ 14 آذار 2019، ربطًا برمزية هذا اليوم التاريخي.

وفيما قد يستفيد ريفي من ترشيح كريم كبارة، في حال شغور مقعدٍ ثانٍ، وما يتبعه من تشتيت أصوات المستقبل لصالح كبارة، بدأ الحديث يدور عن “البلوك العلوي”.

ظاهرياً، ثمّة ترويج لنظرية أنّ العلويين يتحضرون لـ “الانتقام” بأصواتهم من سعد الحريري في الانتخابات الفرعيّة، وأنّهم قد يتلقون قرارًا سوريًا بذلك. لكنّ هذه النظرية، وفق معلومات “المدن”، بعيدة عن واقع الشارع العلوي، وتحديدًا في منطقة جبل محسن. فهو من جهة، أيّ الشارع العلوي، ليس لديه مشكلة سياسية مع ديما جمالي، التي لم تخرج يومًا في مسيرتها النيابية القصيرة لتشتم بشار الأسد مثلًا أو لأيّ شيء آخر يضرّ بمصالحته. والنظرية الأقرب لواقع الشارع العلوي، أنّه لن يمانع ربما بالتصويت لجمالي. وذلك، بنيّة الانتقام من حلفائه تحديدًا، في الداخل والخارج، الذي لم ينل من دعمه لهم شيئًا، لا بتقليص تهميشهم ولا حتّى بحقيبة وزارية، وإن كانت غير فاعلة. فهل انتهى زمن “استغلال الحلفاء” للأصوات العلوية من دون تقديم ضمانات مقابل “الوفاء” بالأصوات، في السياسة والإنماء والحضور؟