قرض الـ400 مليون دولار عنوان المواجهة المقبلة… 120 مليون دولار لـ”الاستشارات” في زمن الإفلاس!

موريس متى – النهار

في 27 حزيران 2018 وافقت مجموعة البنك الدولي على قرض بقيمة 400 مليون دولار تحت عنوان “خلق فرص اقتصادية لدعم البرنامج الوطني للتوظيف في لبنان”، من خلال المساهمة في خلق ما يقارب 52 ألف فرصة عمل جديدة، وما يصل إلى 12 ألف فرصة عمل قصيرة الأجل. في تفاصيل هذا القرض الميسر ﻣﻨﺤﺔٌ ﺑﻘﻴﻤﺔ 70 ﻣﻠﻴﻮن دوﻻر ﻣﻦ اﻟبرنامج العالمي للتمويل اﻟﻤﻴﺴﺮ، وﻗﺮضٌ بشروط ميسرة ﺑﻘﻴﻤﺔ 330 ﻣﻠﻴﻮن دوﻻر. ويحمل القرض سعر فائدة يبلغ 1.71% ويُسدد على مدى 22 عاماً، شاملة فترة سماح لستّ سنوات. واستناداً الى البنك الدولي، سيوسّع المشروع الفرص الاقتصادية، وخاصة في المناطق المحرومة في جميع أنحاء البلاد، وسيوفّر الوظائف للمواطنين اللبنانيين والعمل المؤقت للاجئين السوريين وفقاً للقوانين السارية التي تنظّم وجودهم في لبنان، وما يرفع ارتباطات البنك الدولي تجاه لبنان إلى 2.3 مليار دولار في مزيج من المنح والتمويل الميسر والقروض.




بالشكل، مبادرة البنك الدولي ممتازة. خلق فرص عمل. تحفيز الاقتصاد. شروط ميسرة. تحقيق أهداف سيدر… كلها أهداف ممتازة.

ولكن عذرا!

فلبنان المثقل بديونه مع دينٍ عام تخطى الـ85 مليار دولار نهاية العام 2018، وعجزٍ قارب 11% ويتوقع أن يصل الى 14% في العام 2019 في حال مرّ مشروع موازنة هذا العام دون تعديل في الارقام وإدخال الاصلاحات الضرورية، لا يمكنه أن يتحمل هذا النوع من القروض الميسرة، بالظاهر، وغير الميسرة بالمضمون والأهداف. في تفاصيل تقسيم هذا القرض، وكما يظهر في الجدول المرفق، فإنّ 120 مليون دولار ستُخصص لـ”الاستشارات” في بلد على حافة الإفلاس، يسعى لاستدانة 400 مليون دولار، منها 120 مليون دولار لمدة 5 سنوات للخدمات الاستشارية عبر المجلس الأعلى للخصخصة، وتمّ تحديد المهمة بـ”Fees for external service providers for feasibility assessment, transactionadvisory, and other project Preparation

نعم، في بلد يجب أن يبحث في كيفية توفير دولار واحد لدفع مستحقاته، هنالك من يسعى لإقرار هذا القرض الذي، وبالتأكيد، يمكن للبنان الاستغناء عنه في هذه الظروف، منعاً لتحمّل ديون إضافية مع ما يتراكم عليها من فوائد، ومنها 120 مليون دولار كأغلى كلفة إستشارية في العالم. في هذا السياق، تكشف مصادر متابعة لهذا الملف أن أخطر ما فيه أن الاستدانة تأتي لمشاريع غير محددة، وبالتالي، الاستدانة فقط للاستدانة من دون وجود مشاريع محددة للتمويل، على أن يتم توزيع الأموال، استناداً الى تفاصيل القرض، على بعض الوزارات والإدارات العامة، ليتمّ إنفاقها على ما سُمي “مشاريع” تساعد في خلق الوظائف. من هنا، تؤكد المصادر عدم جدى الاستدانة لهذا الحجم من الأموال في غياب المشاريع التي يمكن أن تموّلها استناداً الى دراسات واضحة، ما يحمّل لبنان ديوناً إضافية تتراكم عليها نسب فوائد إضافية مقابل تمويل يوزع على الادارات بطريقة عشوائية.

اضغط هنا.

وعلمت “النهار” أن عدة كتل سياسية ونيابية تتهيأ لمواجهة هذا القرض ورفضه، إن في مجلس الوزراء أو في مجلس النواب، ومنها نواب “حزب الله” والقوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، فيما نقل زوار الرئيس بري رفضه تمرير هذا القرض، وتشديده على أهمية درسه بالتفصيل وبشكل علني في الهيئة العامة للمجلس، لأنه يحق للمواطنين أن يعلموا كيف ولأي أسباب توافق دولتهم على اقتراض الاموال في زمن الأزمة. وتؤكد مصادر وزارة المال أن المطلوب هو إعادة درس والبحث في تفاصيل هذا القرض قبل الموافقة عليه في هذه الظروف المالية الدقيقة جداً التي تمرّ بها البلاد. وعلى خط موازٍ، يقوم وفد البنك الدولي بزيارات مكوكية على عدد من المسؤولين لإقناعهم بأهمية هذا القرض وضرورة الحصول عليه بالشروط الحالية، على أن يتم توزيع الاموال على وزارات عدة ومنها وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة العمل، وزارة الدولة لتمكين المرأة والشباب، وزارة الاقتصاد ورئاسة الحكومة وغيرها. وقد علمت “النهار” وجودَ تحذيرات مالية من هذا القرض لناحية طريقة صرفه والتعقيدات الموجودة، ورغم ذلك، يصرّ بعض الأفرقاء السياسيين على تمريره، وقد عقدت سلسلة اجتماعات بعيدة عن الأضواء بين مسؤولي البنك الدولي وعدد من المستشارين لدرس كيفية تأمين المخرج المطلوب لتمرير هذا الاقتراض الجديد.

وخلال الأسابيع القليلة الماضية لم تتوقف زيارة وفد البنك الدولي الى المسؤولين اللبنانيين وخاصة الوزراء المعنيين بهذا القرض، ومنهم وزير العمل كميل بو سليمان الرافض تماماً لما ورد في تفاصيل هذا القرض، أما وزير الشؤون الاجتماعية ريشار كيومجيان فقد أبلغ من يجب إبلاغه أنه لن يوافق على اي قرض، بل فقط على الهبات، وهذا موقف نهائي. أما وزارة المال التي يقصدها المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي ساروج كومار، باستمرار، فلا يمرّ اسبوع إلا ويحضر وفد البنك للبحث بملف القرض، ولطالما أكد كومار أن الحل الوحيد للبنان الذي يسعى جاهداً لمواكبة التأثير الاقتصادي والاجتماعي للأزمة السورية وتحفيز النمو الشامل الذي يفيد الجميع هو من خلال هذا القرض، حيث لا يمكن تحقيق الاستقرار الاجتماعي إلا من خلال خلق بيئة أعمال مؤاتية للقطاع الخاص كي ينمو ويخلق فرص عمل ويستثمر في رأس المال البشري الغني في لبنان. هذا هو بالضبط ما يهدف هذا المشروع إلى القيام به، وهو ما ينقله للمسؤولين أو ما ينقله من ينوب عنه في الاجتماعات مع هؤلاء.

آخر الاجتماعات المكوكية التي يقوم بها وفد البنك الدولي حطّ في وزارة الاقتصاد حيث استقبل الوزير منصور بطيش وفد البنك الدولي برئاسة ساروجكومار جاه، في حضور المديرة العامة للوزارة عليا عباس، وتمّ البحث في اتفاقية هذا القرض.

في كل الاحوال، ما أصبح أكيداً أن قرض الـ 400 مليون دولار هو عنوان المواجهة المقبلة، إن في مجلس الوزارء أو في مجلس النواب، وعلى الوسائل الاعلامية، الجبهات رُسمت، والانقسام واضح بين من يريد تمرير القرض بكل الوسائل الممكنة، ومن سيقف بوجه الاقتراض العشوائي لأهداف غير محددة في زمن يجب أن يكون للتقشف وشدّ حبل الإنفاق لا البزخ العشوائي.