//Put this in the section

طرابلس تدوّخ سعد الحريري

منير الربيع – المدن

معنوياً، تلقّى تيار المستقبل ضربة متوقّعة بإبطال نيابة ديما جمالي عن المقعد السنّي في طرابلس. تراجع عدد نواب الكتلة إلى 18 نائباً.

سياسياً، لا يبدو أن الحريري سيتأثر بنائب زائد أو ناقص. هو، وباعتراف الجميع، أقوى كتلة سنّية، وتفاهماته مع التيار الوطني الحر وحزب الله، تتخطّى عدد النواب. لكن، قرار المجلس الدستوري فرض على “المستقبل” معركة مباغتة لإعادة إثبات نفسه، وولامتحان مدى اصطفاف الناس خلفه في طرابلس، خصوصاً بعد الخيارات التي اتخذها في تشكيل الحكومة. لا شك، أن المعركة المرتقبة ستكون صعبة على “المستقبل”، وسيحشد لها كل قوّته. وهي تأتي في ظرف انزعاج شخصيات “مستقبلية” عديدة في طرابلس من الحريري، بسبب عدم توزيرهم، من النائب محمد كبارة إلى النائب السابق مصطفى علوش.




علوش وكبارة
باكراً، سيبدأ الحريري العمل على إعادة تجميع قواه الطرابلسية، فالمعركة حساسة وفاصلة، ليس لنتائجها وحسب، إنما لاختبار شعبية “المستقبل” التي تعرضت للتآكل. سيحاول الحريري المفاضلة بين أسماء عديدة لمن سيترشح لتلك المعركة، ومن هو الأجدر بخوضها للفوز فيها. لكن أيضاً الرسو على أي إسم من بين الأسماء التي سيرشّحها المستقبل، سيكون أمام ضمان نجاحه عقبات كثيرة ومتعددة، تبدأ من حسابات البيت الداخلي ولا تنتهي بمزاج الطرابلسيين.

سيحاول “المستقبل” استمالة رموزه المنزعجة. مصطفى علّوش كان قد استبق ذلك باكراً، والتقى الحريري، وتبدد كل السوء في العلاقة معهما. أساساً، لم يترشّح علوش إلى الانتخابات، لأنه كان قد تلقّى وعداً بالتوزير، أما ولم تشمله التشكيلة الحكومية، فلا مانع أمامه من خوض المعركة النيابية مجدداً، باسم “المستقبل”، لكن هذا سيفرض حسابات محيرة أخرى، كموقف النائب محمد كبارة، الذي لطالما حارب علوش في الوزارة.

في حكومة الحريري بعهد الرئيس ميشال عون، كان علوش مطروحاً بقوة للتوزير، لكن كبارة وقف عائقاً أمامه، واستفاد من الإقبال على الانتخابات النيابية، فاستخدم تلك الورقة للضغط على الحريري، بغية توزيره بدلاً من علوش، مقابل عدم الابتعاد عن المستقبل انتخابياً، وكان له ما أراد. وبالمقابل، وعد علوش بتوزيره في حكومة ما بعد الإنتخابات. وهذا لم يحدث.

في الحكومة الثانية، كان كبارة قد تضرر من فصل النيابة عن الوزارة، لكنه مارس الضغط على الحريري بغية توزير نجله، فلم ينل ما يريد، ما أدى إلى غضبه، مبتعداً نسبياً عن “المستقبل”. حسابات كبّارة بترشيح نجله كريم للانتخابات النيابية المقبلة، قد تفرض عليه أيضاً مواجهة علوش، وعدم دعمه انتخابياً في حال ترشّح على لائحة المستقبل. بل وقد يدخل في “بازار” مع الحريري بأنه سيدعم مرشّحه للانتخابات إلا مصطفى علوش، منعاً لوجود لشخصية مستقبلية قوية، في الشارع وفي المجلس النيابي، قد تؤثر سلباً على كريم كبارة مستقبلاً. وبالتالي، فإن كبارة قد يقول للحريري إنه جاهز لدعمه بترشيح ديما جمالي مجدداً، مقابل انتزاع وعد منه بترشيح كريم كبارة على لائحة المستقبل في الانتخابات العامة المقبلة.

قوة ميقاتي
هذه الحسابات المعقّدة تبقى فقط داخل بيت “المستقبل”. وبالخروج إلى الدائرة الانتخابية ككل، سنجد مختلف القوى، التي ستعمل على تقديم مرشحها المنافس. حينذاك ستزداد التعقيدات أمام التيار الأزرق. أساساً، الأرقام التي حققها “المستقبل” في الشمال، نتجت عن التحالف والتفاهم مع النائب والوزير السابق محمد الصفدي. وبعد الانتخابات دخل الحريري وميقاتي في ما يشبه التحالف بينهما أيضاً. لكن ما تجمعه تسويات التوزير قد تفرّقه النيابة. نتائج الانتخابات أثبت قوة نجيب ميقاتي، وكرّسته القوة الأولى على الساحة الطرابلسية.

وهنا لا بد من الوقوف أمام حسابات ميقاتي: هل سيتحالف مع سعد الحريري، ويتوافقان على تقديم مرشّح مدعوم من قبلهما؟ أم أنه سيخوض المعركة بوجهه؟ من المعروف أن هناك تحالفات وتوافقات مصلحية واقتصادية بين الحريري وميقاتي. وإذا ما تخلّى ميقاتي عن المعركة، يكون قد باع مقعداً نيابياً للحريري بـ”بلاش” (مجاناً)، على أن ينال على ما يقابله مستقبلاً. حتى الآن، هناك صعوبة في خيارات “المستقبل”، لأن التوافق مع ميقاتي على ترشيح شخصية سنية للمعركة الإنتخابية، ستفرض أن لا يكون المرشح مستقبلياً صرفاً، طالما ميقاتي شريك في تسميته. وهذه لا يتحمّلها الحريري، لأنه بحاجة إلى نائب مستقبلي صرف لإعادة إثبات قوته.

8 آذار وطه ناجي
بحال الاتفاق بين الرجلين، سيكون الفوز سهلاً لأي اسم يختارانه. لكن هناك من يعتبر أن ميقاتي يجد صعوبة في التوافق مع الحريري على ترشيح علوش، وأيضاً لا يتحمّس لدعم إعادة ترشيح ديما جمالي، خصوصاً أنها كانت محسوبة عليه، ثم “تركته” قبل الانتخابات فور أن عرض الحريري عليها الترشّح. وبالتالي بات الود مفقوداً بين ميقاتي وجمالي.

هنا ستدخل حسابات أخرى. فالأكيد أن قوى الثامن من آذار ستعمل على ترشيح طه ناجي ودعمه. وبالتالي، إذا لم يتوافق الحريري وميقاتي على مرشّح، فإن عملية توزيع الأصوات، وتشتيتها، ستؤدي حكماً إلى فوز مرشح ميقاتي. وتنظر مصادر متابعة إلى أن حظوظ معركة ميقاتي هي المرتفعة، إذا لم يتنازل ويقدّم المقعد مجاناً.

حسابات ميقاتي أيضاً دقيقة، فهو الذي عقد تفاهماً وزارياً مع الحريري على الوزير عادل أفيوني، إلا أن التجربة لا تبدو مشجعة بالنسبة إلى ميقاتي، وهو يعلم في قرارة نفسه، أن أفيوني أصبح لدى المستقبل، بسبب جملة من العلاقات والارتباطات. وأفيوني أكد مؤخراً أنه مستمر مع الحريري في إكمال مسيرة الشهيد رفيق الحريري. الرسالة واضحة تجاه ميقاتي. ولا بد أن يقرأها الرجل بعناية، وهو أساساً قد قرأ بعض إشاراتها، ما دفعه إلى الخروج بمواقف متكررة للتأكيد بأن أفيوني هو وزير يمثل لقاء الوسط المستقل لا المستقبل.

لا تنسوا أشرف ريفي
حسابات المعركة الإنتخابية ستكون مختلفة عن حسابات تشكيل الحكومة بين ميقاتي والحريري. في عملية التأليف يكون الرئيس المكلف هو المتحكم بمفاصل اللعبة، وقادر على فرض من يريد توزيره بالتوافق مع ميقاتي، أما في المعركة الانتخابية، فالكلام الفصل سيكون لميقاتي، استناداً إلى الأرقام، والذي سيكون قادراً على التحالف مع الجماعة الإسلامية مثلاً، وترشيح شخصية طرابلسية فاعلة على الأرض، خصوصاً أن طرابلس ممتعضة جداً من التمثيل الوزاري التي حسب عليها، ولم يشمل أي طرابلسي مقيم في المدينة أو من صلب مجتمعها.

وخارج كل هذا السياق أيضاً، لا بد من انتظار الخطوة التي سيقررها اللواء أشرف ريفي. وإذا ما كان سيقرر خوض الانتخابات مجدداً، ويمنحها كامل قوّته، لانتزاع مقعد نيابي يعتبره مسلوباً منه، بفعل قانون الانتخاب وآلية احتساب الأصوات. فتجربة ريفي مع القانون النسبي مختلفة عن تجربته مع القانون الأكثري. وإجراء الانتخابات الفرعية على أساس القانون الأكثري، قد يغريه لتكرار التجربة.

المستقبل يتبنى جمالي مجدداً

التقى الحريري جمالي في بيت الوسط، وكان مبدياً امتعاضه من خطوة المجلس الدستوري، خاصة أنه يعتبر أن ثمة ضغطاً سياسياً قد حصل لتغيير نتائج التصويت، إذ أن الجولة الأولى من التصويت حملت 6 أصوات مع إبطال نيابة جمالي، مقابل 4 ضد، ولكن بنتيجة الضغط بحسب الحريري تغيّر التصويت، وهو ما يعتبر مؤشر على إحداث خرق في الساحة الطرابلسية بعد فشل تحقيق ذلك في توزير ممثل عن النائب فيصل كرامي. إلا أن الحريري طلب من جمالي الترشّح مجدداً والإستعداد للإنتخابات، فيما هي عبّرت عن احترامها للمجلس الجستوري على الرغم من الضغط السياسي، واعتبرت أنها واثقة من ثقة الناس.