//Put this in the section
مروان اسكندر - النهار

مؤشرات تستدعي الاهتمام – مروان اسكندر – النهار

الحكومة تبشر بان التزامات مؤتمر “سيدر” لا تزال قائمة وممثل البنك الدولي في المنطقة يصرح بان التزامات البنك الدولي مستمرة وهو يرى ان الحكومة تقوم بالدور الاصلاحي المطلوب منها.

الكلام الذي نسمعه يوحي بان النمو سيستعاد خلال سنة أو سنة ونصف سنة ويفترض ان تتبلور رؤية المشاريع خلال هذه الفترة وكيف يمكن تنفيذها دون تثقيل كتلة الدين العام.




في المقابل هنالك اقتصاديون معترف لهم بالحكمة والعلم يقولون بغير ما تؤكده الحكومة ونشير الى تعليقات وردت في نشرات مختصة مثل النشرة الشهرية لجمعية مصارف لبنان، ودراسة أنجزها خبير لدى بنك التسويات الدولية في سويسرا، ونبدأ باستخلاص تعليق الامين العام للجمعية الدكتور مكرم صادر في عدد تشرين الثاني من عام 2018.

عنوان المقال: المدفوعات الخارجية، ضرورة التحوط والمعالجة، وهو يبيّن مدى تردي نسبة تغطية الصادرات لتكاليف المستوردات، علمًا بان قيمة الصادرات سابقًا وحاليًا لا تبلغ فعلاً الارقام المعلنة. فغالبية الصادرات اللبنانية ولا سيما منها الصادرات الصناعية، نسبة المستوردات من كلفتها لا تقل عن 50 في المئة، حيث تشمل هذه الكلفة المواد الاولية وبعض المواد المصنعة، وتكاليف توليد الكهرباء الخ. ويبقى ان هبوط نسبة تغطية مداخيل الصادرات لتكاليف المستوردات انخفضت الى حد بعيد خلال السنوات المنقضية منذ عام 1970.

المقطع الاهم في تعليق الدكتور صادر مدرج في نهاية الدراسة اذ يقول: “بات ضروريًا بل ملحًا تخفيض فاتورة الاستيراد. قبل الحرب اللبنانية في سبعينات القرن الماضي، كنا نغطي ما بين 50 و70 في المئة من الاستيراد بالتصدير وبتنا اليوم نغطي فقط 14.5 في المئة. المعالجة النقدية بالفوائد والهندسات لاستجلاب العملة الصعبة لم تعد كافية، والمطلوب تصحيح في الاقتصاد الحقيقي، أي في ما ننتج وفي ما نستهلك كبلد. فعسى ان تجرؤ الحكومة العتيدة (التي ولدت بعد شهرين ونصف شهر من تاريخ المقال) على اعتماد سياسات واجراءات تتناسب مع مخاطر الواقع الذي وصلنا اليه.

يوم 12 شباط 2019 نشر الدكتور صادر مقالاً مطولاً في “النهار” عنوانه: انتهى زمن العلاج بالمسكنات فكيف يكون اذن؟ يؤكد استنادًا الى دراسة انجزت بتكليف من جمعية المصارف ان الهدر يمكن تقديره بأربعة مليارات دولار سنويًا وان نصف الهدر تقريبًا في قطاع الطاقة. وهنا نختلف في هذا التقدير لان انتاج الكهرباء في المعامل المتقادم عهدها والسفينتين التركيتين يحتاج الى دعم لشراء المحروقات يقارب الـ1.8 مليار دولار، ولا يقدر الهدر بمشتريات المازوت لتوليد الكهرباء من المولدات الخاصة الصغيرة والكبيرة والتي يماثل استهلاكها استهلاك المعامل القائمة المتقادمة أو يزيد عليه. ولو كانت لدينا معامل حديثة تعمل على الغاز، او لو وفرنا الغاز للمعامل القائمة واستطعنا الغاء عجز الكهرباء في وقت قريب، أي الغاء العجز كليًا بنهاية سنة 2020، نكون قد بدأنا مسيرة التصحيح، ودون هذا الاصلاح، لن نستطيع التحرك ورفع معدل النمو وزيادة الاستثمار الخاص.

يجب ان نواجه الحقيقة وان نقول إن هدف استعادة النمو بنسبة خمسة في المئة سنويًا لاستيعاب الطاقات الشبابية لن يتحقق عبر الاقتراض من ارتباطات مؤتمر “سيدر” (وفي المناسبة يجب القول ان 3.6 مليارات، أي 30 في المئة من الالتزامات، هي التزامات متوافرة من تاريخ مؤتمر باريس – 3 أو من مقترضات أخرى مهما تدنت الفوائد). ولعل الدراسات المتوافرة عن تدني نسبة فاعلية الاقتراض في دفع النمو تفيد الحكومة الجديدة التي نرى فيها لمحات معرفية اقتصادية بارزة لدى نائب رئيس مجلس الوزراء غسان حاصباني، ولدى الوزير منصور بطيش، ولدى الوزير عادل افيوني، الذي اذا اعطي الدعم المطلوب، ربما استطاع الاسهام في النمو تنظيميًا وبالتعاون مع هيئات دولية الى حد بعيد. ولا ننس وزيرة الداخلية ريا الحسن التي تولت بنجاح وزارة المالية في السابق.

اضافة الى امكانات تحريك الاقتصاد بجهود وزراء مقتدرين ووزيرات مرشحات للنجاح كالسيدة فيوليت صفدي التي تتدفق نشاطًا والسيدة ندى بستاني التي تبدو مطلعة على مشاكل الطاقة، سواء الكهرباء، أو المياه، أو استهلاك المحروقات، يجب الابتعاد عن الاقتراض حتى بشروط مؤتمر “سيدر” لاسباب واضحة من أهمها ما يأتي:

السيد Lacy Hunt يتابع تطور القروض الدولية بتكليف من بنك التسويات الدولية الذي أنشئ في سويسرا في الثلاثينات والذي يقوم بدور بنك البنوك المركزية ويصدر التوصيات حول نسب الملاءة ورأس المال المطلوب من المصارف.

وتبين دراساته ان الاستدانة فقدت قدرتها على تحفيز الاقتصاد وانمائه. فاقتراض دولار – غير الاقتراض للاستهلاك – لا يسهم في النمو الا بنسبة 0,4 في المئة. بكلام آخر، الدولار المقترض لمشاريع البنية التحتية أو التسلح الخ لا يسهم حتى في نصف من واحد في المئة في زيادة معدل النمو. والنمو يرتهن بحسن اختيار الاستثمار الذي يعلق على نشاط القطاع الخاص ومعارفه.

ويقول الخبير عن الولايات المتحدة:

“الاقتصاد الاميركي ضخم ومتنوع الطاقات بحيث يبدو الاقتراض العام البالغ 24.5 تريليون دولار (للدولة الفيديرالية والولايات) مقبولاً علمًا بان هذا المبلغ يمكن ان يبلغ 30 تريليون دولار في حال انتكاس الوضع الاقتصادي ومعاناة الاقتصاد الاميركي انتكاسة لسبب أو لآخر… وهو يبين في مكان آخر من دراسته، ان عجز الموازنة عام 2018، والذي قدر بـ800 مليار دولار، تجاوز بالفعل التريليون دولار، لان الكونغرس يتناسى تكاليف الضمان الاجتماعي والمساعدات الطبية للمسنين.

ان مستويات الاستدانة للعائلات والشركات ينمو بسرعة صاروخية ولا تنحصر هذه الظاهرة في الولايات المتحدة والمثال التالي يوضح الصورة:

“الدين الاجمالي للولايات المتحدة، والدول الاوروبية واليابان والصين، ارتفع عام 2018 بما يساوي عشرة أضعاف ارتفاع مداخيل هذه البلدان، أي قيمة الانتاج الكلي لهذه البلدان”.

ليس هنالك من برهان أفضل على ان الاقتراض العام لسد العجز أو تمويل البنية التحتية لا يؤتى منفعة تساوي نصف قيمة الاقتراض، وتالياً الخيار الانسب الذي يستوجب تشجيع الاستثمار من القطاع الخاص، وهذا الامر لا يتحقق في الدول التي لا تحوز ثقة أهلها وثقة كبار المستثمرين. عسى ان يستمع حكامنا الى نصائح الجهات الاجنبية ذات الاختصاص.