//Put this in the section

الإصلاح السياسي في الكهرباء: خيبات أمل جديدة؟

الدكتور رياض شديد – النهار

مع انطلاقة الحكومة الجديدة، يترقب اللبنانيون بحذر ما ستؤول اليه المعالجات المقبلة في ملف الكهرباء على ضوء مقررات مؤتمر سيدر الذي يخصص 4 مليارات دولار لهذا القطاع الحيوي. لقد أمسى ملف الكهرباء يمثل احد مظاهر فشل الدولة اللبنانية في ادارة شؤونها وقد مضى على معالجته ما يقارب العقدين من الزمن من دون أن يجد طريقه الى الحل. لذلك يزداد الرهان أكثر من أي وقت مضى على جدية وثبات الدولة في الايفاء بالتزاماتها، وهل ستدخل المعالجات في صلب الازمة أم ستبقى الاهتمامات منصبة على المشاريع الاكثر استقطابا لاموال سيدر؟. سوف نلقي في هذه المقالة الضوء على بعض المواضيع الاصلاحية التي تتطلب قرارات سياسية كون تطوير البنية التحتية للقطاع من دون أن يترافق ذلك مع اصلاحات بنيوية في حوكمة المؤسسة وطريقة ادارتها وعلاقات وزارات الوصاية معها ودور القطاع الخاص في تطوير وادارة منشآتها سيؤدي الى مزيد من التعثر المالي والفني مع ما يستتبعه من تأثير كارثي على الاقتصاد الوطني.

القانون 462 والهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء: لم يكن مستغربا ان يتضمن البيان الوزاري تأجيلا لتعيين الهيئة الناظمة لحين تعديل القانون 462 ووضع المراسيم التنفيذية اللازمة، كون انشاء الهيئة قد شكل مادة صراع بين الافرقاء السياسيين لما يزيد عن عقد من الزمن. وما عدم تحديد مدة زمنية قصيرة لانشاء الهيئة الا مؤشرا يستنتج منه بأن هذه الهيئة لن تبصر النور في المدى المنظور لعدم رغبة السلطة السياسية بتقاسم النفوذ مع هكذا مؤسسة وخاصة دورها في اعطاء الاذونات والتراخيص للقطاع الخاص في مجالات الإنتاج والتوزيع. واذا كان البيان الوزاري قد أخرج حاليا النقاش حول جدوى الهيئة الناظمة من عدمها في تحقيق الاصلاحات التي ينادي بها، فان السؤال يبقى عن السبل التي سيعتمدها مجلس الوزراء في مراقبة اداء صناع القرار والمنفذين وضمان حسن تنفيذ الخطط خارج الاطار الكلاسيكي للرقابة المعتمدة حاليا وعن جدوى الابقاء على القانون 462 بعد مرور 17 سنة على اقراره من دون الالتزام بتنفيذه.




مستقبل مؤسسة كهرباء لبنان: مع تعاظم التوجه في اعتماد الخصخصة في المرافق العامة، ينبغي التذكير بأن أيا من الحكومات المتعاقبة منذ ما يقارب العشرين عاما لم تستطع أن تحسم هذا الموضوع وقد أدى هذا الصراع حول ملكية قطاع الكهرباء وسبل ادارته الى خلافات كانت نتيجتها مزيدا من تعثر مؤسسة الكهرباء واضعاف امكانياتها وحرمانها من تطوير جهازها الفني وعدم تمكينها من العمل كشركة تجارية تحقق التوازن في ميزانياتها. والمثير للقلق ان ذلك كله لم يمكن القطاع الخاص الذي تم استقدامه ليحل مكان المؤسسة في كثير من المهام، لم يستطع هذا القطاع أن يحقق نجاحات باهرة تعوض فشل المؤسسة خاصة وان مجمل المشاريع تمت من خلال عقود باهظة الثمن وترافقت مع مشاكل فنية وادارية وقانونية أرهقت امكانات المؤسسة. وعليه نعتقد بانه حان الوقت ليجري مجلس الوزراء ومجلس النواب مراجعة عميقة لقانون الخصخصة الذي لم ينفذ حتى تاريخه واعادة احياء مؤسسة الكهرباء كإحدى المؤسسات الوطنية الرائدة من دون اغفال أهمية القطاع الخاص كشريك استراتيجي وليس كبديل عن المؤسسة وطبعا بعد تفعيل مؤسسات الرقابة لضمان حقوق المواطن والدولة.

تحديث مؤسسة كهرباء لبنان: ان استمرار مؤسسة كهرباء لبنان من دون تطوير امكاناتها البشرية والفنية وعصرنة ادارتها سيظل عائقاً امام تنفيذ أي مشروع اصلاحي كونها هي المنوطة بالتنفيذ او مراقبة التنفيذ للمشاريع التي يقرها مجلس ادارتها أو مجلس الوزراء. وهناك امثلة عديدة عن مشاريع فشلت بسبب عدم قدرة المؤسسة على مواكبتها لا مجال لذكرها في هذه العجالة.

والبداية يجب أن تكون باختيار مجلس ادارة يتمتع اعضاؤه بالخبرة في مجالات الكهرباء وادارة المشاريع والاقتصاد وغيرها بعيدا عن تعيين الازلام، كما يتوجب أن يتحول المجلس الى شريك اساسي في وضع التوجهات الاستراتيجية وصنع القرار وليس منفذا لها فقط. لقد اتسمت التجربة الماضية بالتعامل مع المؤسسة كشريك صوري في وضع الاستراتيجيات وتحديد المشاريع بعد أن أخذت الوزارة على عاتقها هذا الامر مستعينة بفريق من الخبراء وبعض الشركات الاستشارية. ومع تنويهنا بالجهد الذي بذل الا أن استدامة التخطيط وتطوير قطاع الكهرباء يجب أن يكونا من ضمن عمل ادارة ومجلس ادارة المؤسسة.

التعرفة: لا يختلف المراقبون على أن التعرفة الكهربائية المعتمدة من قبل مؤسسة كهرباء لبنان يجب رفعها لتصحيح الخلل بين كلفة الانتاج وسعر المبيع. الا أن الجميع ينظر بتهيب الى هذا الموضوع انطلاقا من واقعين: الاول يتعلق بالوضع الاقتصادي المتدهور والاوضاع المعيشية الصعبة التي تعاني منها الطبقات الفقيرة وضرورة عدم تحميلها أعباء اضافية، والثاني هو أنه لا يجوز زيادة التعرفة قبل تحقيق نجاحات ملموسة في ملف الهدر بكل اشكاله وتأمين طاقة اضافية تسمح للمواطن بالتخفيض أولا ثم بالتخلص من فاتورة المولد الاضافية.

وتجدر الاشارة الى انه في الوقت الذي لا يتنكر فيه أحد للدور الايجابي الذي لعبه قطاع المولدات الخاصة في التعويض عن فشل الدولة في تأمين الكهرباء بشكل دائم، الا أن هذا القطاع تضخم الى درجة كبيرة سمحت له بتأمين الاف فرص العمل من الجباة والفنيين والاداريين واصبح يدر دخلا يفوق المليار دولار سنويا. وثمة من يقول أن ذلك قد اراح كثيرا من القوى السياسية التي تستفيد من هذا الواقع الذي يمتص نقمة الناس الناتجة عن عدم قدرة الدولة على ايجاد فرص عمل لكثير من الفئات العمالية.

الهدر غير الفني: من المعلوم أن نسب الهدر غير الفني في قطاع التوزيع وصلت الى معدلات مرتفعة تحرم الخزينة ما يقارب 220 مليون دولار سنويا. وبالرغم من أهمية استخدام التكنولوجيا واساليب الادارة الحديثة في اكتشاف مصادر الهدر الا أن ايقاف السرقات والتعدي على منشآت المؤسسة يحتاج الى قرار سياسي، فهل سنشهد اتفاقا سياسيا في مجلس الوزراء في جلساته الاولى بعد نيل الثقة برفع الغطاء عن المرتكبين ويتيح للقوى الامنية بمؤازرة مراقبي المؤسسة للشروع بقمع المخالفات في جميع المناطق؟

التخطيط قصير الاجل لاستخدام الغاز في المعامل: تبين من خلال دراسة أعدت في الجامعة الأميركية في بيروت بان محطة عائمة واحدة (FSRU) تكفي لتزويد حاجات معامل الكهرباء من الغاز عبر تحويل الغاز المسال الى غاز طبيعي بين الفترة الممتدة من العام 2020 حتى 2028.

واذا كان سوء التخطيط وضخامة الاستثمار والتعديات على خط سكة الحديد الساحلي قد ساهم في تأخير انشاء خط غاز ساحلي لنقل الغاز الى محطات الانتاج، فاننا قد نتفهم سبب استئجار محطتين عائمتين ولكن ما الهدف من اجراء مناقصة لثلاث محطات عائمة علما أن إيجار المحطة الواحدة يبلغ حوالي 135 ألف دولار في اليوم الواحد. من ناحية أخرى، واذا اعتبرنا بان استخراج الغاز من البحر سيكون متاحا بحلول العام 2029، فهل الافضل في الفترة التي تفصلنا عن ذلك العام شراء هذه المحطات العائمة بدل استئجارها؟ وفي هذه الحالة هل الاجدى الاستمرار في المستقبل بشراء الغاز المسال وتحويله الى غاز للمعامل عبر هذه المحطات العائمة وبالمقابل بيع كل الغاز المستخرج في الاسواق الدولية من دون الحاجة الى بناء بنية تحتية غازية بكلفة عالية؟ أم الافضل الاستثمار في هكذا بنية تحتية؟ ان الاجابة على هذه الأسئلة وغيرها يتطلب التوافق على رؤية واضحة تربط حاجات لبنان من الغاز والاستثمارات المطلوبة وسبل التصدير الى الخارج آخذين بعين الاعتبار الطابع الجيوسياسي لهذا القطاع وتأثيره على الاقتصاد الوطني والسياسة الداخلية في لبنان.

التوجه الجديد في التخطيط الكهربائي: ينبغي متابعة التطور الحاصل في مجال الطاقات المتجددة والشبكات الصغيرة (Micro – Grid) والتكنولوجيا الذكية (Smart Technologies) وأجهزة التخزين (Battery storage) للنظر في امكانية انشاء شبكات صغيرة اذ تشير دراسة أجريت في الجامعة الاميركية في بيروت ان نظاما يستخدم تغذية كهربائية من مؤسسة الكهرباء وأنظمة الطاقة الشمسية وأجهزة تخزين الطاقة يمكن أن يغذي أحمالا في شبكة صغيرة بسعر 8.5 سنت لكل كيلوات ساعة. ويمكن للقطاع الخاص أن يدخل منفردا أو من خلال شراكات مع البلديات أو اتحاد البلديات لانتاج طاقة كهربائية نظيفة ويساهم في خلق فرص عمل للكثير من الشباب. ولتمكين ذلك يجب النظر سياسيا في امكان تحقيق اللامركزية الكهربائية مع الابقاء على الدور المركزي لمؤسسة كهرباء لبنان.

في الختام، نأمل أن تكون انطلاقة الحكومة العتيدة مؤشرا للتغيير الايجابي في لبنان وان يكون برنامج اصلاح ملف الكهرباء محطة تلاق بين السياسيين لا حلبة متجددة للصراع.