//Put this in the section

ترامب قدَّم على طبق من ذهب فرصة لا تعوض للروس.. مؤتمر ميونيخ كشف الأمر

لطالما عبَّر القادة الأوروبيون عن قلقهم من أن كلمات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورسائله على موقع تويتر قد تؤدي إلى فك تحالف أطلسي ازدادت قوته على مدى 7 عقود. وقد تشبثوا بالأمل المتمثل في أن هذه الروابط يمكنها الصمود تحت وطأة الضغوط.

ولكن في الأيام القليلة الماضية ضمن مؤتمر أمني سنوي رفيع المستوى عُقد في مدينة ميونيخ الألمانية، صار الصدع في العلاقات بين أوروبا وإدارة ترامب معلوماً ومحتداً وملموساً، حسبما يقول الدبلوماسيون والمحللون، بحسب تقرير لصحيفة The New York Times الأمريكية.

إذ إن مسؤولاً ألمانياً بارزاً -طلب عدم الإفصاح عن هويته، لأنه لم يكن مخولاً له الحديث عن هذه الأمور- هز كتفيه، في إظهار للاستهجان، وقال: «لم يعد أي شخص يعتقد أن ترامب يكترث بآراء أو اهتمامات الحلفاء. إنها (العلاقات) متصدعة».

فرصة روسيا والصين

كان أكبر خطر داهم، حذر منه الدبلوماسيون ومسؤولو الاستخبارات، هو أن صدع العلاقات عبر الأطلسي يواجه الآن تهديد استغلاله عن طريق روسيا والصين.

وحتى إن وزير الخارجية الروسي ذا الوجه العابس بطبيعته، سيرغي لافروف، ذكر بسعادةٍ التصدعات، وأشار إلى أن العلاقة الأوروبية – الأطلسية قد صارت «متوترة» توتراً متزايداً.

وقال لافروف: «نرى ظهور تصدعات جديدة، وتعمُّق التصدعات القديمة».

لم يعد الأوروبيون يعتقدون أن واشنطن سوف تتغير: ليس عندما يرى ترامب حلفاءه التقليديين خصوماً اقتصاديين، وأن القيادةَ إصدارُ أوامر، إذ يشكل نفوره من التعددية والتعاون الدولي تحدياً لصميم ما تريد أوروبا أن تصير عليه وما تحتاجه كي تكون ذات تأثير في العالم، بحسب الصحيفة الأمريكية.

ولكن بعيداً عن إدارة ترامب، يقول عدد متزايد من الأوروبيين إنهم يعتقدون أن العلاقات مع الولايات المتحدة لن تعود إلى سابق عهدها على الإطلاق.

قال كارل قيصر، محلل ذو باع طويل في بحث العلاقات الألمانية – الأمريكية: «بعد عامين من حكم ترامب، صار أغلبية الفرنسيين والألمان الآن يثقون بروسيا والصين أكثر من الولايات المتحدة».

قال توماس كلاين-بروكهوف، المستشار السابق للرئيس الألماني ومدير مكتب صندوق مارشال الألماني في برلين، وهي مؤسسة بحثية أمريكية: «إذا صار تحالف ما أحادياً ومرتبطاً بالمعاملات، فلم يعد هذا تحالفاً».

وكانت هناك إشارات تفيد بأنه ليس جميع القادة الأوروبيين والأمريكيين عازمين على التخلي عن هذا التحالف بسهولة.

ليست كل الآراء تدعم ترامب

من أجل إبداء التضامن مع أوروبا، حضر أكثر من 50 مشرعاً أمريكياً من الجمهوريين والديمقراطيين -وهو رقم قياسي- مؤتمر ميونيخ للأمن. قالت عضوة مجلس الشيوخ الديمقراطية جين شاهين، إنهم جاءوا «ليُظهروا للأوروبيين أن هناك فرعاً آخر في الحكومة يدعم منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والتحالف العابر للأطلسي دعماً قوياً».

وجاء التصدي الأوضح لمساعي واشنطن من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي أدلت بخطاب حماسي على غير المعتاد؛ ومن وزيرة الدفاع في حكومتها أورسولا فون دير لاين. وقد تحدثتا عن مخاطر الخطوات الأحادية التي يتخذها شركاء رئيسون، من دون مناقشة العواقب مع الحلفاء.

وذكرتا ما أعلن عنه ترامب مؤخراً بأن القوات الأمريكية سوف تغادر شمال سوريا وأفغانستان، إضافة إلى قرار الإدارة الانسحاب من واحدة من آخر الاتفاقيات المتبقية للحد من الأسلحة: معاهدة الحد من الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى.

أعلن ترامب أن قوات بلاده في سوريا البالغ عددها 2000 بدأت بالانسحاب/رويترز

قالت ميركل إن القرار يؤثر في أمن أوروبا، ولم تكن هناك استراتيجية بديلة، إذ إن الانسحاب من المعاهدة، بغض النظر عن انتهاكات روسيا، يساعد في فك ارتباط ألمانيا بالمظلة النووية الأمريكية، بحسب الصحيفة الأمريكية.

قالت ميركل: «نجلس هناك وسط النتائج المترتبة عليه».

وأردفت قائلة إن الانسحاب من سوريا لن يؤدي إلا إلى مساعدة روسيا وإيران. ترددت هذه الرؤية على لسان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، الذي وصف سياسة أمريكا تجاه سوريا بـ «لغز بالنسبة إليّ».

عندما أخبره عضو مجلس الشيوخ، الجمهوري ليندسي غراهام، بأن الولايات المتحدة يجب أن تُبقي على «بعض الإمكانات [العسكرية]» في سوريا، رد لودريان ساخراً بدبلوماسيته المعتادة: «حسناً، تلك أخبار جيدة. لم أكن أعرف ذلك». ثم أضاف بإثارة: «ذلك يملؤني بالسرور».

قوبل مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، الذي تحدث بعد ميركل في ميونيخ، بصمت مطبق عندما كان يحاول إقناع الحلفاء بالانسحاب من الاتفاق النووي، وهي إشارة تدل على استمرار الغضب من قرار واشنطن الانسحاب وحدها من الاتفاقية. ووصف الحلفاء الأوروبيون الاتفاقية بأنها ضرورية لأمن أوروبا ومن أجل الحفاظ على منع الانتشار النووي.

الأكثر من هذا أن الأوروبيين غاضبون من أنَّ تجدُّد العقوبات الأمريكية يضر الشركات الأوروبية أكثر من نظيرتها الأمريكية.

ميركل غاضبة من قرارات ترامب

قالت ميركل إن الانقسام حول إيران «يحزنني للغاية»، لكنها أكدت أن أوروبا والولايات المتحدة كانتا في النهاية تسعيان إلى تحقيق الهدف نفسه. وقالت إن الاتفاقية كانت إحدى طرق التأثير على إيران؛ وهو تأثير شعرت بكل وضوح بأن واشنطن كانت تتخلص منه.

امتدح بنس في خطابه ترامب وما قال إنه استعادة قيادة الولايات المتحدة للغرب. لكن الأوروبيين لم يكونوا مقتنعين.

قالت ماريتش شاك، وهي عضوة هولندية بالبرلمان الأوروبي: «من الغريب للغاية الحديث عن القيادة الأمريكية للتحالف عندما يكون ترامب هو من تسبب في الأزمة. يرى كثير من الأوروبيين أن إدارة ترامب هي المسؤولة في الأساس عن توترات وإضعاف الغرب».

وقالت ناتالي توتشي، مستشارة فيدريكا موغيريني، مفوضة الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، إن الانقسام بالنسبة للأوروبيين أصاب «صميم الطريقة التي ننظر بها إلى العلاقات الدولية واهتماماتنا المحلية».

وأضافت توتشي: «نحن صغار ونستوعب حاجتنا إلى شراكة داخل أوروبا وخارجها، ومع الناتو».

لكن تلك أيضاً علامة تدل على ضعف أوروبا وانقسامها. وقالت نوتشي: «نريد اعتقاد أن كل شيء سيكون على ما يرام فيما بعد، لأننا لا نملك بديلاً».

يعني هذا أن الاعتماد على الولايات المتحدة سوف يستمر، حتى مع بحث الأوروبيين بالقدر نفسه عن طرق لعدم الاعتماد على واشنطن، حسبما يقول محللون.

قالت توتشي إن الأوروبيين يبدأون «فعل ما ينبغي لنا أن نقوم به»: وهو مزيد من الإنفاق على الجيش، والنقاش حول تأسيس جيش أوروبي تنسيقاً مع الناتو، والتفكير بطريقة أكثر استراتيجية؛ نظراً إلى أن أوروبا تواجه روسيا والصين. وأضافت: «لكن، ليس هناك أحد يعتقد أنه قابل للتحقيق على المدى القريب»، وكثيرون يعتقدون أنه لا يمكن تحقيقه بسهولة على الإطلاق.

قالت توتشي وآخرون إن الأوروبيين ينتظرون حدوث تغيير في البيت الأبيض.

وقالت فيكتوريا نولاند، وهي مسؤولة أمريكية سابقة رفيعة المستوى: «الأوروبيون يحبسون أنفاسهم ويعتقدون أنه ربما يستغرق عامين آخرين فقط. وفي الوقت ذاته، لا يريدون فعل أي شيء لتعقيد الأمور أكثر من هذا، أو إهانة ترمب شخصياً والمخاطرة بإثارة رد فعل غاضب منه».

الخلاف أعمق من ذلك

يحذر عدد متزايد من الأصوات الأوروبية من أن الخلاف الحالي عبر الأطلسي له جذور أعمق، وأنه لن تكون هناك عودة إلى الماضي، بحسب الصحيفة الأمريكية.

قال نوربرت روتغين، رئيس لجنة الشؤون الخارجية فى البرلمان الألماني، إن ترامب ليس السبب، بل إنه علامة من علامات التغيرات البنيوية التي طرأت على المشهد الجيوسياسي وأدت إلى العودة إلى الخصومات بين القوى العظمى والقوى المتباعدة عن التعددية.

وأضاف: «في عصر ما بعد ترامب، لن تكون هناك عودة إلى عصر ما قبل ترامب. فالوضع الراهن كان أن أمن أوروبا تكفله الولايات المتحدة. وذلك لن يحدث مرة أخرى».

يعبر يان تيشاو، مدير برنامج أوروبا في صندوق مارشال الألماني ببرلين، عن قلقه من أن الفجوة الفاصلة سوف تعني ضعفاً استراتيجياً بالنسبة لروسيا والصين، إذ تواجه الولايات المتحدة «أزمة قوى عظمى»، حسبما يقول تيشاو.

ويضيف أن عليها «الضغط على الحلفاء للقيام بالمزيد. وفي الوقت ذاته، يجب أن تكون الرسالة: «سوف نكون دائماً هناك».

وأردف قائلاً: «لا يستوعب ترامب الثمن الذي يدفعه من الناحية الاستراتيجية عندما ينتقد حلفاءه علانية وبكل صراحة».

وأوضح أنه إذا كان هناك أي التباس، فإن الصين وروسيا تعلمان أن ضمان أمن أوروبا لم يعد حقيقياً. وقال: «عندما تزول تلك الحماية، يصبح هذا المجال الاستراتيجي لقمة سائغة».