//Put this in the section

حكومة العهد ”غير مسجلة” باسم عون… وصاعق تفجيرها يكمن في تركيبتها!

ابراهيم حيدر – النهار

الثقة التي نالتها الحكومة في مجلس النواب لا تعكس ثقة اللبنانيين بها، اقله في ما يتعلق بالقضايا التي تعنيهم. هي حكومة العهد الأولى أو حكومة العمل التي يريد رئيس الجمهورية ميشال عون أن ينهي ولايته المتبقية بها ويسعى إلى ترك بصمات إيجابية وتحقيق إنجازات لموقعه السياسي وحيثيته التي تكرست بدءاً من حكومته الأولى في قصر بعبدا عام 1989، على رغم كل التغيرات التي حدثت، إن في الدور أو في التحالفات السياسية، وصولاً إلى انتخابه رئيساً لا يزال يدير التناقضات حتى الآن ولم يتمكن من أن يكون الحَكَم بين اللبنانيين، على ما نشهده من تفلت سياسي وهيمنات طائفية مختلفة، خصوصاً ما تسجله الشيعية السياسية من قوة ثنائية وقدرتها على السيطرة والتأثير في بنى الطوائف والمذاهب الأخرى.




أياً يكن الإسم الذي يطلق على هذه الحكومة التي خرجت من رحم الحكومة الأولى وفق سياسي خبير في الشأن الداخلي، فإنها لن تكون مسجلة باسم العهد، نظراً للمواقع الطائفية الوازنة التي تحكمها وللتوازنات فيها، وإن كان تحالف قوى الممانعة الأكثر قدرة على التأثير. ولكي تكون حكومة العهد ينبغي، برأي السياسي إياه، أن يتمكن الرئيس من الحكم وتوفير الشروط التي تجعله حَكَماً فوق التناقضات واصطفافاتها السياسية والطائفية، وكذلك التصرف من خارجها كي لا يكون الموقع الرئاسي الأول طرفاً داخلياً. أما النقطة المهمة فترتبط بالثقة، والثقة في الحكومة هنا ليست في مجلس النواب، بقدر ما تخط طريقاً يكتسب صدقية لدى اللبنانيين، ليس في ما يتعلق بكلام الوحدة الوطنية، إنما في حل مشكلات اساسية ترتبط بالكهرباء والمياه والبنى التحتية وتوفير فرص العمل، ثم في إثبات أن لا أحد من الأطراف يمكنه تغيير هوية البلد والتلاعب بمصيره بعناوين مختلفة، إلى حماية اتفاق الطائف وبناء الدولة.

هل التوافق السياسي هو حالة إيجابية في الحكومة يجعلها قادرة على الفعل؟ وكيف يحكم الرئيس عبر حكومة العهد برئاسة سعد الحريري؟ يرى السياسي الخبير أن الاتفاق الذي جعل الحكومة تقلع وتنال الثقة، إنما كانت له امتدادات اقليمية، وليس بسبب الخطر المالي والاقتصادي، ولو كان هناك حرص على البلد لما بقيت الحكومة معلقة أكثر من 9 أشهر بشروط الحصص والتقاسم والثلث المعطل وغيره من تمثيل سنّة 8 آذار، فما الذي يمنع أن تظهر تعقيدات تشبه ما حصل قبل التشكيل؟ لذا تكمن العقدة الرئيسية أمام عمل الحكومة في التناقضات التي جعلت البلد يسير على حافة الخطر في ملفات كثيرة، وتعصف به الصراعات، ويخترق الفساد مؤسساته، من دون أن نشهد اجراءات حاسمة لمكافحته. ولا يمكن أن تتقدم الحكومة في ظل الصورة التي شهدنا وقائعها على مدى سنتين ونصف سنة تقريباً في الحكم، ومارسها الرئيس عون بالتنسيق بين مجموعة تناقضات سياسية وطائفية، وخيارات مختلفة وحسابات ومصالح، لا يجمعها إلا المشاركة في النظام، ولمصلحة سياسات لها أكثر من بُعد داخلي واقليمي، فتقرر في شأن البلد وتحدد صفاته، وفقاً لحساباتها.

ليس مهماً وفق السياسي أن تضع الكتل الكبرى والقوى ثقلها لإنجاح الحكومة اليوم، فتلك معادلة قد تتغير لحسابات تتصل بالداخل وبالوضع الإقليمي. إنما على القوى السياسية والطائفية فيها أن تحسم وفق ثقلها في اخراج البلد من الاصطفاف والتخلي عن فيتواتها إذا كانت تريد فعلاً بناء الدولة. فإذا كانت الاولوية للإنقاذ الاقتصادي، لماذا يبدأ السجال حول الكهرباء خلافياً، علماً أن هذا الملف سيكون متفجراً عندما يوضع على السكة وسيفتح الباب على تقاسم حصص جديدة، حيث يكشف السياسي أن الخطة المرجحة في الكهرباء ستكون مناطقية وبمعامل صغيرة لا تتجاوز قدرتها الانتاجية الـ50 ميغاواط، وهو ما سيكرس معادلة المناطق والطوائف والسيطرة على الكهرباء. أما الأخطر من ذلك وفق ما يتم تداوله من أولويات، فهو أن قروض “سيدر” ستكون موضع خلاف ما لم تلتزم القوى كلها شروط التسوية التي أطلقت الحكومة حيث كانت التنازلات المتبادلة مرهونة بإطلاق يد كل طرف في مشاريع تبعاً لسيطرته. وأما الخريطة السياسية التي تلف الحكومة، فتبدأ بالاتفاق على قروض “سيدر” تحت عنوان الإنقاذ، وفي مقابلها لا أحد يجادل “حزب الله” في موضوع السلاح رغم الحديث عن الاستراتيجية الدفاعية، ولا تدخّله في سوريا، وإن كان الحزب في إمكانه الحديث بعنوان مكافحة الفساد عن الـ11 مليار دولار وغيرها من دون أن يرفع السقف لتفجير الحكومة، فيما يخط “التيار الوطني الحر” برئاسة الوزير جبران باسيل، وبالتحالف مع الحزب طريق العودة الى العلاقة بالنظام السوري من طريق البحث في ملف اللاجئين، وفي المقابل كان وعد من الشيعية السياسية بثنائييها له بعدم الاعتراض على استعادة صلاحيات للعهد قد تصل الى المس بالطائف، على رغم موقف الرئيس نبيه بري المعارض، مقابل التخلي عن الثلث المعطل، وجرى إضعاف موقعَي “القوات اللبنانية” والحزب الاشتراكي، وبقي الرئيس سعد الحريري وتياره في موقع الوسط الذي اشترط اطلاق يده في “سيدر” بالتواصل مع قصر بعبدا.

لن تكون حكومة عهد فاعلة وفق الشروط والهيمنات السياسية لواقع الحال اللبناني. المشكلة تبقى، وفق السياسي المتابع، أن الحكم لم يستطع أن يكون وسطياً بين طرفين تصارعا خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، وظهر الصراع بوضوح قبل تشكيل الحكومة، لتخرج إلى العلن بهيمنة تدرج تحت دائرة قوى الممانعة، طالما أن السياسة الخارجية تدور في فلكها. لذا تبقى الأسئلة مطروحة عن الرئيس الحَكَم بين اللبنانيين، وعن معنى أن يكون هناك حكام آخرون في التركيب اللبناني السياسي والطائفي. هذا هو واقع الحكومة اليوم والتي أطلقت بتوافق قرره حكام داخل التركيبة، ما يعني أن موقع الرئاسة يستمر في دائرة التنسيق بين التناقضات اللبنانية بعيداً من فكرة الرئيس القوي. ويختم السياسي بالقول إن الحكومة ستواجه مشكلات في داخلها، أي أن عنصر تفجيرها يكمن في تركيبتها، فيما واقع التركيب الثلاثي للحكم وفق الطوائف الكبرى تكرّس بتعديلات لا تزال تعطي الشيعية السياسية دوراً أكبر وقدرة على التأثير في مسار التوازنات الداخلية، خصوصاً أن أحد ثنائييها، أي “حزب الله”، يفرض موقعه مقرراً محلياً وإقليمياً. أما الحكومة فلن تقلع إلا بثقة اللبنانيين وهي مستبعدة حتى الآن!