//Put this in the section

القطاع العقاري: مؤشرات انهيار… إلا إذا عززت الحكومة ثقة المقيمين والمغتربين

سلوى بعلبكي – النهار

تعيش السوق العقارية حال ترقب وانتظار أملا في عودة الفترة الذهبية التي عرفتها في النصف الثاني من العقد المنصرم (2006-2010)، والتي أتت انطلاقاً من قواعد متدنية نسبياً كانت رائجة في تلك السوق قبيل هذه الفترة، ووسط تحسن نسبي في الأوضاع السياسية الداخلية، ولا سيما بعد اتفاق الدوحة الذي أدى إلى عودة الطلب إلى السوق بعد فترة طويلة من الركود منذ نهاية التسعينيات. ومع تشكيل الحكومة وعودة الانتظام الى الحياة السياسية وتوقعات بانتعاش القطاعات الاقتصادية، مدفوعة بفك الحظر الخليجي عن لبنان، بدأ الحديث عن إمكان تحريك السوق العقارية، مع الأخذ في الاعتبار الظروف التي رافقت الفورة العقارية الأولى والتي تتطابق في رأي المعنيين مع الظروف الحالية. فإلى اي مدى يمكن أن تتشابه الظروف بين تلك الفترة والفترة الحالية؟ لا يوافق الخبير العقاري رجا مكارم على هذا التحليل، فتشكيل الحكومة وما يرافقها من ظروف يمكن ان تكون ايجابية، لا يمكن أن تكون مشابهة لفترة ما بعد الانسحاب السوري. ويشبّه تأليف الحكومة بـ”البيت من دون سقف وأصحابه يعانون الجوع، وجاء التأليف بمثابة تركيب سقف لهذا البيت حماه من تساقط الامطار، ولكن أصحابه لا يزالون من دون طعام”. بمعنى آخر، اعتبر مكارم أن “تأليف الحكومة لن يحرك الأمور، إلا اذا كان ثمة تصميم على إعادة ثقة المواطنين بالدولة، وخصوصا حيال الجدية في محاربة الفساد والتغيير، إذ إن الكلام لم يعد يجدي نفعا، والناس يئست من الوعود، والثقة لن تعود بين ليلة وضحاها، بل تحتاج على الاقل الى سنة أو سنة ونصف سنة.




وللمرة الأولى يجاهر مكارم بأن “القطاع العقاري في أزمة حقيقية، ويمكن أن يصل الى حد الانهيار اذا لم تعد الحكومة الثقة الى مواطنيها”، مدعما رأيه بمؤشرات بيع عقارية عدة بأقل من سعرها الحقيقي، ومنها بيع فندق “فور سيزنز” بسعر يوازي 3500 دولار للمتر المبني، علما أن سعر المتر الحقيقي لا يمكن أن يقل عن 10 آلاف دولار، وكذلك الامر بالنسبة الى فندق الموفنبيك الذي بيع بأقل من 3500 للمتر الواحد. وكذلك باع أحد المصارف الكبرى بعض العقارات التي يملكها في منطقة اصطياف بأقل من سعرها الاصلي بنحو 50%، وهو ما حصل أيضا بالنسبة الى شركة “سوليدير” التي باعت عقارات عدة في منطقة “البيال” بأسعار مخفضة بنسبة أكثر من 50% من سعرها الحقيقي. وإذ يشير الى أن ثمة عقارات معروضة للبيع من دون أن نجد من يشتريها، يؤكد أن ثمة خفوضاً في أسعار الشقق تصل الى 40% مما وصلت اليه في أوجهها.

وعلى الرغم من هذه السوداوية التي يمر بها القطاع، لا يزال مكارم يأمل تبدّل الاوضاع اذا صدقت الحكومة في التزاماتها الاصلاحية في “سيدر”، والتي يمكن أن تشجع الصناديق التي أبدت رغبة في مساعدتها بما يمكن أن يؤسس لصدمة ايجابية توازي الانسحاب السوري من لبنان والذي أدى يومها الى فورة عقارية.

وفي تحليل لما شهده القطاع العقاري في الفترة الذهبية وما يمكن أن يشهده حاليا، يشير المدير العام المساعد رئيس قسم الأبحاث في بنك عوده الدكتور مروان بركات الى أنه “خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2016 ظهر طلب قوي من اللبنانيين المقيمين الذين يبحثون عن مسكن، والمغتربين الذين يزورون بلدهم الأم باستمرار، أضف إلى ذلك أن ارتفاع أـسعار النفط عالمياً أتاح الفرصة أمام المقتدرين في دول مجلس التعاون الخليجي لكي يوظفوا أموالهم في القطاع العقاري اللبناني، بغية تحقيق مكاسب أو لكي يكون لهم موطئ قدم في بلد يرغبون دوماً في زيارته. وقد سجلت الأسعار العقارية زيادات كبيرة سنوياً خلال سنوات الفورة، حتى إن ارتفاع الأسعار ساهم في جذب المزيد من الطلب، ولا سيما أنه تقاطع مع اندلاع الأزمة المالية العالمية التي شهدت هبوطاً في الأسعار في الأسواق العقارية العالمية، فيما لبنان كان بمعزل عنها بسبب طبيعة الطلب غير المضاربي والمستوى المتدني للمديونية لدى المطوّرين العقاريين”.

أما منذ بداية الاضطرابات الإقليمية عام 2011، فقد شكّل تدهور الأوضاع الأمنية في البلدان المحيطة مصدر قلق للمستثمرين العرب الذين أحجموا بشكل شبه كامل عن التوظيف في لبنان عموماً وفي القطاع العقاري خصوصاً، وفق بركات الذي يشير ايضا الى أن المغتربين آثروا تأجيل قراراتهم بالشراء، حيث بقوا خارج السوق أو قاموا بعمليات شراء خجولة خلال تلك الفترة، خصوصاً في ظل تفاقم التجاذبات السياسية الداخلية منذ اندلاع الأزمة السورية”.

ولاحظ أن “المخاوف السياسية ألقت بثقلها على المناخ الاستثماري عموما، بما جعل المقيمين المحليين متعاملين رئيسيين في السوق العقارية اللبنانية. وفي حين ساهم المتعاملون المحليون في دعم السوق العقارية خلال الأوقات الحرجة، فقد غيّبت قدرتهم الشرائية المتدنية نسبياً الطلب عن العقارات الباهظة الثمن. في هذا الصدد، قام المطورون العقاريون بتقديم حسوم على الأسعار تصل إلى 20%”.

وفي حين يصح القول بأن السوق العقارية في لبنان تشهد حسوما على الأسعار تصل إلى 20% في المتوسط، لا تزال الأسعار في رأي بركات “مرتفعة بالقيم النسبية، إذ إنه بعدما نمت أسعار العقارات بنسبة 35% سنوياً خلال السنوات الممتدة من 2006 الى 2010، انخفضت بنسبة 20% في المتوسط بالمقارنة مع مستوياتها المرتفعة الرائجة عام 2010. وهذا يعني أن أسعار العقارات في لبنان لا تزال مرتفعة، وإن تراجعت بعض الشيء”.

ويخلص بركات الى “أن إنجاز التشكيل الحكومي مؤاتٍ لآفاق القطاع العقاري المحلي، خصوصا إذا ترافق مع إصلاحات هيكلية ومالية. أما الرافعة الأخرى، فتبقى إقليمية في حال حصول تسوية سياسية في سوريا. وتشكل الظروف العقارية اللبنانية اليوم فرصة أمام المستثمرين والشارين للتفاوض، ولا سيما في ظل المرونة التي يظهرها المطوّرون. وعليه، يمكن المستثمرين أن يحققوا مكاسب في المديين المتوسط والطويل داخل سوق تتسم بطلب مقيم للاستعمال النهائي غير المضاربي، ومستوى متدنّ نسبياً من المديونية لدى المطورين، وعروض أراض محدودة داخل مساحات جغرافية صغيرة نسبياً”.

الطلب العقاري؟

أظهرت نتائج مؤشر بنك بيبلوس للطلب العقاري في لبنان Byblos Bank Real Estate Demand Index للفصل الرابع من العام 2018 أن المؤشر سجل معدلاً شهرياً بلغ 51,2 نقطة في الفصل الرابع من العام 2018، أي من دون تغيير ملحوظ عن نتيجة الفصل الثالث من العام 2018، والبالغة 51,4، ونمواً بنسبة 14% عن نتيجة الـ44,9 نقطة التي سجلها المؤشر في الفصل الرابع من العام 2017. وتشكل نتائج الفصل الرابع من العام 2018 المعدل الـ20 الأدنى لها من أصل 46 فصلاً.