//Put this in the section

العلاقة اللبنانية – السعودية ليست في ”عصرها الذهبي” والسبب ”حزب الله”

محمد نمر – النهار

وحده الرئيس سعد الحريري قادر على وصف العلاقة اللبنانية – السعودية بما أنه الحليف الأول للمملكة في لبنان، لكن لا يختلف اثنان على أن العلاقة ليست في “عصرها الذهبي”. بعد وفاة الملك عبدالله بن عبد العزيز عام 2015، تغيرت القيادة السعودية واختلفت الأولويات وتغيّر نمط التفكير ليس في السياسات مع الخارج فحسب بل أيضاً في الداخل الذي يشهد ثورة انفتاح وتطوير غير مسبوقة في تاريخ المملكة.




تسلم الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في وقت كانت المنطقة في ذروة اشتعالها: تنظيم “داعش” يزداد توسعاً في العراق وسوريا، إيران تغتنم الفرص لتوسيع نفوذها سواء عبر “الحشد الشعبي” في العراق أو “حزب الله” في سوريا، وروسيا تستعد لمساندة النظام السوري، وفي اليمن انقلاب استدعى تدخل السعودية بقيادة تحالف عربي لمساندة الشرعية. كلها عوامل غيّرت من موقع لبنان على لائحة الأولويات العربية والدولية ومنها السعودية، في وقت كانت إيران تدفع “حزب الله” لاستخدام لبنان كمنصة إعلامية وخطابية لتحريض الرأي العام على دول الخليج، ما انعكس سلباً على العلاقات وترجم في أشكال عدة، منها تراجع المملكة عن الهبة العسكرية للجيش اللبناني وتحذير مواطنيها من زيارة لبنان الذي كان حينها يغرق في تعطيل المؤسسات وفي مقدمها رئاسة الجمهورية، وفي سياسة تراخٍ منتشرة ضربت صفوف حلفاء المملكة.

مقارنةً بـ”العصر الذهبي”، لمس أصدقاء السعودية في لبنان غياباً سعودياً في الأعوام السابقة، يلحظه المراقبون في تراجع السياديين في لبنان وتقدم محور الممانعة، ولم يترك “حزب الله” وحلفاؤه فرصة إلا واستغلوها لضرب العلاقة بين البلدين، ومنها أزمة استقالة الحريري (تشرين 2017). بعدها بدأت السياسة تتغير خصوصاً مع دخول المستشار الملكي نزار العلولا المشهد اللبناني. وتؤكد المواقف الرسمية السعودية عدم تخليها عن لبنان. ومن المتوقع بعد تأليف الحكومة أن يبدأ العمل لتفعيل اللجنة العليا اللبنانية – السعودية المشتركة، وأن يكون على جدول أعمالها أكثر من 27 مشروع اتفاق، وهذا ما يؤشر إلى مستقبل علاقة أكثر قوة بين البلدين، وخصوصاً بعد عودة مستوى التمثيل الديبلوماسي السعودي إلى طبيعته بتعيين الوزير المفوض وليد بخاري سفيراً للمملكة في بيروت، الذي قدّم منذ توليه موقع القائم بأعمال السفارة، نهجاً ديبلوماسياً حديثاً لم يشهده اللبنانيون ولا السعوديون سابقاً.

للدكتور رضوان السيد علاقاته السعودية، ويشرح بتفاؤل لـ”النهار”: “السعوديون يقولون إنهم مع الرئيس الحريري قلباً وقالباً وأيضاً مع حلفائهم في لبنان. والعلاقات في حالة جيدة خلال الأشهر الأخيرة والدعم سيظهر بعد تأليف الحكومة. ويقولون إنهم لن يتخلوا عن لبنان وهم جزء من سيدر”.

“العصر الذهبي”

دخلت العلاقة عصرها الذهبي خلال فترة الراحل الملك عبد الله، ويقول الصحافي السعودي أحمد عدنان لـ”النهار”: “كان للبنان ورفيق الحريري مكانة خاصة في قلب العاهل الكبير عبدالله، إذ أقام في بيروت في أوج شبابه وربطته صداقة عميقة مع شخصيات لبنانية مهمة مثل كمال جنبلاط وموسى الصدر”. ويذكّر بأن الملك عبدالله “دعم إنهاء الوصاية السورية على لبنان، وتأسيس المحكمة الدولية، وإعادة إعمار لبنان بعد حرب تموز والحفاظ على استقرار الليرة، ودعم الحكومة الشرعية في وجه محاصرة إيران للسرايا، ودفع أقساط الطلاب اللبنانيين لعامين متواليين، وقدم هبة سخية لقوى الأمن وأخرى للجيش اللبناني”.

ويتوقف عدنان عند ما يثيره بعض اللبنانيين حول زيارة الحريري لدمشق في عهد الملك عبدالله، ويقول: “أوضح رئيس المخابرات السابق بندر بن سلطان هذا الأمر أخيراً. 1 – أنه كان هناك مناخ دولي يأمل بفصل بشار الأسد عن إيران، 2- اشترط الملك عبدالله على بشار تأييد الحريري ووافق الأسد، كان هناك سوء تقدير من المجتمع الدولي والأسد كذب كعادته، وعليه نحن أمام قضية لم يخطئ فيها الملك عبدالله او الرئيس الحريري”.

ويعتبر أن مستقبل العلاقة اللبنانية – السعودية “يحدده اللبنانيون قبل السعوديين، فإذا تمكن اللبنانيون من استعادة دولتهم من براثن إيران، او اجتمعت القوى السيادية مجدداً على هدف التحرر من وصاية السلاح الإيراني، أعتقد أن شباب العلاقات السعودية اللبنانية سيتجدد. وإنني أثق تماما أن المملكة ستقف خلف كل دولة عربية تطمح إلى مواجهة النفوذ الإيراني والتحرر منه. واعتقد أن أولى الخطوات اللازمة في هذا المسار إعادة الاعتبار إلى اتفاق الطائف والدستور”. في المقابل “حين يقوم رئيس فصيل مشارك في الحكومة والبرلمان بالتهجم على الدول الخليجية وتهريب المخدرات إليها، وتدريب الارهابيين من دون رادع لبناني، فمن الطبيعي أن تتضرر العلاقات. وهناك مسؤولية صريحة تقع على عاتق الدولة اللبنانية”.

قراءة خالد الدخيل

للكاتب والمحلل السعودي خالد الدخيل، قراءته للموضوع وهو يسأل: “هل لبنان أولوية سعودية؟ هو كذلك بالفعل. لكن لهذه الأولوية إطار إقليمي عربي. العالم العربي هو الأولوية الأولى والأهم بالنسبة للسعودية. لبنان إحدى الأولويات، لكن من حيث أن الأخير دائما هو مصدر الإشكال في العلاقات السعودية – اللبنانية، فإن السؤال يتوجه للبنانيين قبل غيرهم عن أولويات لبنان في هذه المرحلة، وتحديداً عن الأولوية التي يرون أنهم يجب أن يحتلوها عند دولة شقيقة مثل السعودية”.

ويلحظ الدخيل أن “لبنان منقسم بين قوى إحداها حزب الله. هناك لبنان الموحد، صاحب السيادة، الذي يحمل رسالة حضارية. وهو ما يتردد على ألسنة السياسيين اللبنانيين. لكن ماذا عن الواقع السياسي لهذا البلد العربي؟ حقيقة الأمر أن هناك مثلاً، لبنان باسيل والرئيس عون. ولبنان نبيه بري. ولبنان سمير جعجع. ثم هناك لبنان البطريرك، والمفتي، ورئيس المجلس الشيعي الأعلى. وهناك لبنان المستقبل. ولبنان المستقلين. المدهش أن هذه الخيارات لقوى الأغلبية تتضاءل، أو تتراجع أمام حزب الله”، مشيراً إلى أن “أبرز ملامح التضاؤل التكاذب العلني والشهير حول ما يعرف بـ”النأي بالنفس”. حتى الرئيس ميشال عون، تخلى عن استقلاليته وانضم الى اللعبة السياسية المكشوفة، نظراً لدور الحزب في دعم وصوله إلى قصر بعبدا”.

وقال: “فلنقارن ما انتهى إليه لبنان في محيطه العربي بسويسرا في محيطها الأوروبي. من الواضح أن سويسرا حددت أولوياتها بشكل مستقل في خضم الصراعات الأوروبية منذ القرن السابع عشر، وساهمت في تحديد أولويات الدول الأوروبية تجاهها كما استقرت عليه حتى الآن. أما لبنان فلم يحدد أولوياته كدولة مستقلة. انغمس في انقساماته الطائفية، ما أضعف الدولة وخلق مساحة واسعة للمناورات والتكاذب السياسي والتدخلات الخارجية. وهذا ما استغله “حزب الله” بذكاء لصالح راعيته إيران في ما بات يُعرف بتحالف الأقليات في المنطقة”.

وأضاف: “يمكن وصف استغلال الحزب للحال اللبنانية بأنه يتسم بالذكاء، لكنه ذكاء مدمر. والدليل انه بتدخله في سوريا خدم إيران ولَم يخدم الأسد، وقبل ذلك وبعده لم يخدم لبنان. في مثل هذه الحال يتوجه سؤال أولويات الدول الأخرى تجاه لبنان إلى اللبنانيين قبل غيرهم. فتحديد الأولويات لا يمكن ان يتم من طرف واحد، خاصة في ظل الأوضاع العربية المرتبكة والمربكة معاً”.

ويتابع: “غالبية القوى اللبنانية التي تتمسك باستقلال لبنان، تُصرّ على عدم مواجهة حقيقة الحزب وخطورته. هذا ما يفعله التيار الوطني الحر الذي استفاد منه بإيصال عون إلى الرئاسة. باسيل (صهر الرئيس) يريد ان يوظف العهد الجديد والحزب معاً لتمهيد الطريق أمامه ليصبح الرئيس المقبل. الغريب ان “تيار المستقبل” بدخوله في ما يعرف بالتسوية ساهم بتحقيق هذه المعادلة من دون ان يحصل على مكسب سياسي مقابل، بحجم ما قدمه من تنازل. من جانبه يرى نبيه بري انه يمكن تحسين موقعه باستئناف تحالفه مع بشار الاسد على حساب علاقاته العربية، وذلك ظناً منه أن الأسد انتصر في سوريا. وهو بذلك يضيف الى قوة غريمه القديم الجديد (حزب الله). وأولوية السعودية هي لبنان العربي المستقل وليس الخاضع لحزب يهيمن في الداخل، لكنه مرتهن سياسياً وإيديولوجيا لخارج لبنان. ومن ثم فالسؤال موجَّه أولاً إلى اللبنانيين وليس إلى السعوديين”.