//Put this in the section

رسالة إلى أبو بهاء – بقلم فؤاد السنيورة – النهار

أخي وصديقي ورفيقي أبو بهاء،

تحية طيبة،




لم يخطر في بالي أني سأكتب إليك بعد أربعة عشر عاماً على غيابك حين غادرْتَنا في تلك الرحلة يوم الرابع عشر من شباط في العام 2005. إذ خرجْتَ حينذاك من جلسة اللجان النيابية في مجلس النواب وغادرْتَ في اتجاه منزلك في قريطم والى جانبك العزيز باسل فليحان. لكنك لم تصل إلى قريطم فقد انتظرَتْكَ بقرب فندق الفينيسيا عاصفة الحقد والغدر والتآمُر لتفجِّرَ موكبَكَ، فغادرْتَنا مع كوكبةٍ من الشهداء، ونحن منذ ذلك اليوم نبحث عنك وعن طيفك واثرك وذكراك الطيبة العطرة، التي نشرتها في لبنان وبيروت، وفي أنحاء العالم العربي والعالم الأوسع.

أخي أبو بهاء،

قبل اغتيالك كنت تردُّ على التحذيرات والتهديدات التي تصلك بالقول: من يجرؤ على التعرض لنا فسيكون سلوكه مستَنْكَراً، ومن يتعرض لنا فلن يَسْلَمَ من غضبَةِ الشعب والعالم، وسيكونُ مصيرُهُ صعباً وبالغَ الخطورة.

وسأُخبرك يا أخي، أنه بغيابك جرت في النهر مياهٌ كثيرة، وحصلت أحداثٌ كبرى وتاريخية في لبنان والوطن العربي لم يكن من الممكن أن يتخيلها أحد.

إخوانُك وأحبابُكَ في بيروت وكل لبنان لم يسكتوا إثْر اغتيالك. إذ كان من المؤمَّلِ من قِبَلِ مَنْ خَطّطوا لقتلك أنَّ الحدث الهائل سيبعث الرعب في نفوس مَنْ هم حولك، وسيكونُ الرعبُ هو السيِّدُ، ونتقبلُ التعازي مع العائلة ونسكت وتُحوَّلُ الجريمةُ كما حُوِّلَ غيرُها الى المجلس العدلي، وينتهي الأمر كما جرى بباقي جرائم الاغتيال السياسي العديدة التي ارتكبت في لبنان. لكنّ الذي جرى كان على عكس ما خطط واشتهى المجرمون. لقد دفعت الجريمةُ الشعبَ اللبنانيَّ مسلمين ومسيحيين إلى الانتفاض وإلى تفجير غضبهم والنزول إلى ساحة الشهداء في تظاهرةٍ تاريخيةٍ مليونية لتحيتك ولوداعك، وأيضاً للتعبير عن وحدتهم وغضبهم وتصميمهم على التمسك بلبنان الواحد، لبنان الحرّ السيد المستقل، لبنان العيش المشترك الإسلامي المسيحي الذي حَلِمْتَ به وناضلْتَ من أجله.

أبا بهاء،

لقد أدت انتفاضة الشعب اللبناني في ساحة الحرية إلى إطلاق شرارة التحرك والانتفاض والمطالبة بالإصلاح في المنطقة العربية وفي غالبية دولها من أجل تحقيق التلاؤم مع التغيرات والتحولات الجارية في العالم. وهي قد أدّت في لبنان إلى خروج الجيش السوري وانسحابه من لبنان. لقد تخيلنا لفترة وجيزة أننا نلْنا استقلالنا للمرة الثانية بعد الاستقلال الأول الذي تَمَّ عامَ 1943 وانصرفْنا إلى محاولة بناء الدولة التي عملتَ من أجلِها. لكنَّ يدَ الغدر التي طالتْكَ استمرت في نهجها لقتل الأحرار في لبنان، وكذلك مَنْ كانوا على خَطِّك ونهجك سائرين. فاغتيلت من بعدك كوكبةٌ من الشهداء منهم جورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم وفرنسوا الحاج ووسام الحسن ووسام عيد ومحمد شَطَح. كذلك جرى العمل على بث الفتن والانقسامات في جسم الوطن وبين اللبنانيين لإشغال اللبنانيين وحرفهم عن أهدافهم الحقيقية في بناء الوطن الذي يضاهي ما وصلت إليه الأمم المتقدمة وما يحقق ما تطمح إليه أجيالهم القادمة.

أبا بهاء،

أُقيمت من أجل الكشف عن جريمة اغتيالك محكمةٌ خاصةٌ بجريمتك وهي سابقة تحصل للمرة الاولى وذلك لكشف الحقيقة وإحقاق العدالة وللدفاع عن الحريات العامة ولوقْف مسلسل الاغتيال في لبنان، ولوضع حدّ نهائي لمسلسل الإفلات من العقاب. وقد اقتربت هذه المحكمة، بعد توجيه الاتهامات، من إصدار الأحكام واقتراح العقوبات.

ما أرادت أُسرتُك ولا أبناءُ تيّارك ولا اللبنانيون بكثرتهم الكاثرة الانتقام ولا زعزعة الاستقرار، ولذلك كانت المحكمةُ عملاً سياسياً كبيراً، وعملاً حكيماً أيضاً من أجل التأكيد أن يظل لبنان بلد العيش المشترك والواحد، وبلد الحريات وبلد العدالة وبلد الانفتاح والإشعاع وبلد الرسالة لبنيه ولأشقائه في الوطن العربي.

وسط وقلب مدينة بيروت الذي عمِلتَ على إعادة إعماره ليعيد تاريخ مدينة بيروت ومجدها وأهميتها، وليظل كما كان بيئةً للحراك المجتمعي المتنور والاقتصادي والمتنامي والعيش المشترك الواحد. ولكن ذلك لم يسلم من العبث والتخريب. وهو لذلك لم يكن مكاناً لاجتماع اللبنانيين وتآلفهم بعضم مع بعض، ومكاناً لانتفاضة الاستقلال الثاني فقط. فلقد أُغلق قلب المدينة وعُطّلت الأعمالُ فيه بهدف التخريب على الدولة وإفشالها، وتعطيل جهود نهوضها وزعزعة إمكانات فرض سلطتها على كامل أرضها، وكذلك لضرب حيوية الاقتصاد اللبناني ومجالات تطوره وازدهاره.

ولم يرتدع العدو الإسرائيلي عن لبنان فقد شنّ عدواناً، غير الاعتداءات التي عرفْتَها وواجهْتَها في نهايات القرن الماضي، وذلك في الثاني عشر من تموز 2006 حيث دمّر العدو الإسرائيلي أكثر من 300 قرية وبلدة في الجنوب والبقاع الغربي وشرّد سكانها ودمَّر البنى التحتية في أكثر من مكان في لبنان. إلاّ أننا تمكّنّا بفعل الإرادة الحازمة والوطنية للشعب اللبناني، ونتيجة لصموده واحتضانه بعضه لبعض، وكذلك بفضل حكومته الوطنية وأيضاً بمساعدةٍ من الأشقاء العرب وأصدقاء لبنان في العالم تتقدمهم المملكة العربية السعودية من إعادة إعمار ما دمّره ذلك العدوان الغاشم. وأعدْنا لبنان بيئة محفزة للنهوض والتقدم وإن لم يدم ذلك طويلاً. إذ ما لبثت أن أصابتْنا جراحٌ عميقة في البنية الوطنية بسبب انتشار وتفشي منطق الميليشيات والإصرار على الاستقواء على الدولة واستتباعها، وغلبة شهوة الطموح الى السيطرة والتحكم بمقادير البلاد. واصابتنا محن التخلي عن المسلّمات والمبادئ الدستورية والوطنية وحلّ بنا التلكؤ عن متابعة مسيرة الإصلاح بجوانبه كافة وأصابنا التقاعس عن التزام الشرعيتين العربية والدولية.

أخي أبا بهاء،

لقد تغيرت دنيا العرب تغيراً كبيراً، منذ رحيلك عنا. فلقد استشرست إسرائيل في سيطرتها وعدوانيتها، وفي رفضها للقرارات الدولية، وازداد وتوسع ارهابها من أجل تحقيق مخططها في تصفية القضية الفلسطينية برمتها. كذلك ظهر التغوّل الإيراني الذي بات يتفاخر بسيطرته على العديد من العواصم العربية. كلّ ذلك وسط تراجُع فكرة العروبة المستنيرة والشاملة والجامعة وانْحسار الاهتمام كإطار حضاري جامع بين العرب يحقق تكاملهم ويسهم في تقدمهم الحضاري والعلمي والاقتصادي. وأصبحت بلدان عربية عدة مسرحاً لتقاتل القوى الإقليمية والدولية على أرض العرب وبدماء العرب وبجهد العرب.

سوريا قلب العروبة النابض التي تعرفُها، لم تعد موجودة، فقد دمَّرها عنف النظام ضد شعبه، وفتك فيها الإرهاب، واستحكمت فيها التدخلات الإقليمية والدولية. وباتت مجدداً مسرحاً لصراع القوى الدولية والإقليمية وتنافسها. مدنها وقراها أصبحت مدمرة ومسحوقة وعاد الصراع في سوريا وعليها عنواناً للمرحلة، وذلك بعد أن لقي مئات الآلاف من السوريين حتفهم وجرى تهجير نصف شعبها الأبي في كل أنحاء الأرض، ومنهم زهاء المليون ونصف المليون اضطروا للنزوح إلى لبنان.

وتحاولُ مصر بإصرار وثبات الخروج من الاضطراب، والهجمات الإرهابية وضغوط التحول إلى دولة دينية. أما العراق فهو في مخاض صعب ومؤلم. والعراق في همّه وتشرذمه لا تزال التفرقة تأكله والتباعد بين أهله نتيجة الإرهاب ومحاولات السيطرة الإيرانية.

أما اليمن فهو في حربٍ طاحنةٍ، للخلاص من الميليشيات الإيرانية الهوى في التدريب والتسليح والتهجم والتخطيط للسيطرة والاعتداء.

أبا بهاء أخي وصديقي،

وطنُكَ الثاني في المملكة العربية السعودية يشهد تحولاً كبيراً إلى الأمام. فهذا البلد الذي أحببْتَ وعملْتَ فيه، يعيش الآن بداية تحول كبير لم يكن ممكناً من قبل على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. هناك توجه كبير لإنهاض الاقتصاد الوطني السعودي استنادا إلى القدرات الوطنية السعودية، وإنهاء أمد إدمان النفط.

الوطن العربي كله في تغير وتبدل حيث انطلقت شرارة التغيير من تونس الخضراء لينطلق الربيع العربي، الذي تحول شتاءً عاصفاً في كثيرٍ من الأنحاء العربية. لكنّ الإنسان العربي والدول العربية الكبرى صمدت وتعاونت في ما بينها وإن لم يكن على المستوى الذي لطالما رغبنا فيه وعملنا من أجله. وها هي الدول العربية الكبرى تحاول أن تستعيد السَوية تباعاً. ولكن يبقى العرب في انتظار أن تستعيد الدول العربية إرادتها ووحدتها وتكاملها من أجل أن تؤمّن عيشاً سيداً حراً مستقلاً وكريماً لمواطنيها في أنحاء الوطن العربي يحاكي طموحات الشعوب العربية في المستقبل. والأمل كل الأمل أنّ الربيع العربي الجدي والصادق الملتزم قضايا الأمة والإنسان العربي لن يطول غيابه.

العزيز أبو بهاء،

شُكِّلَتْ قبل أيام الحكومةُ الثالثةُ برئاسة نجلكم سعد وقد استغرق العمل على تشكيل هذه الحكومة تسعة أَشهرٍ من المماحكات والاتصالات ومحاولات إفراغ الدستور واتفاق الطائف من مضمونهما من طريق إحداث سوابق وأعراف لضرب التوازنات الدقيقة التي تحكم نظامنا الديموقراطي البرلماني القائم على مبدأ الفصل بين السلطات وعلى توازنها وتعاونها. وكذلك الإقدام على إدخال سوابق تؤدي إلى المسّ بصلاحيات رئيس مجلس الوزراء ولتعطيل النظام السياسي اللبناني والإمساك بأنفاس لبنان بقبضةٍ إيرانيةٍ عبر تسلط وكيله في لبنان.

لقد كثر التساؤل في الزمن الأخير عن الأمل بالمستقبل وإمكانات الخروج من المأزق. والحقيقة أنّ الأمل لا يزال قائماً وحاضراً وقوياً على رغم صعوبة الأوضاع التي يمر بها لبنان، وتمر بها المنطقة العربية، وذلك بالرغم من غياب المستوى المطلوب من الإرادة الحازمة والجازمة من أجل تحقيق النهوض.

نحن في لبنان لا نزال نسعى من أجل أن تكون لنا الإرادة المنطلقة والمستندة إلى تصميم الشعب اللبناني بشابّاته وشبّانه على تحقيق النهوض والتلاؤم المستمر. فالجيلان اللذان نشآ في عهديك في العمل الوطني، وفي رئاسة الحكومة، لن يقبلا بالخضوع لا للسيطرة الغريبة على لبنان، وإلى أي جهة انتمت، ولا للفساد والإفساد، ولا للتشرذم والوقوع في براثن الفتنة والانقسامات الطائفية والمذهبية، وكذلك لن يقبلا الوقوع في أحابيل الشعبوية البغيضة.

إنّ روح انتفاضة الاستقلال لم تمت ولن تموت وستبقى حاضرة في ضمائر اللبنانيين ووجدانهم، وهي إن تأخرت قليلاً فإنها حتماً ستعود.

أخي أبا بهاء،

في ذكرى غيابك الرابعة عشرة أجدِّدُ لك محبتي وصداقتي وتقديري ومودتي وفقدي لك وأجدد لك العهد والوعد والتمسك بطيب العشرة ونبل الاهداف بقدر ما أستطيعُ من أجل أن يبقى وطننا كما أردتَهُ، حراً سيداً مستقلاً.

إنها الحريرية النهضوية الوطنية التي لن نغادرها، ولن يغادرها كل الوطنيين الصادقين.

أخوكم دائماً وابداً.