//Put this in the section

… وخيّ الجميع – سمير عطاالله – النهار

تؤدي الاغتيالات السياسية في الغالب الى تخليد صاحبها، بعكس الهدف منها. وعلى رغم ان لبنان ساحة للقتل السياسي منذ رياض الصلح، لم تسجل استمرارية سياسية لأحد كما حدث مع بقاء الزعامة التي انشأها محاسب شاب من صيدا، انضم فتىً الى حركة القوميين العرب، ظناً منه أن الطريق الوحيد الممكن امامه هو العمل السري، لأن لا مكان للعائلات البسيطة في تاريخ لبنان.

قبل اشهر من غيابه قال لي رفيق الحريري كلاماَ لم يقله لأحد. ولم اعرف، وما زلت لا اعرف، لماذا اختارني لذلك، أو أنها كانت بنت اللحظة. فقد كان جميع الصحافيين اللبنانيين والعرب اقرب إليه مني. أو على الأدق لم أكن قريباً منه.

فوجئت به يقول لي في قريطم: قررتُ اعتزال السياسة. لقد بلغتُ اقصى ما يمكنني. عقد من رئاسة الوزراء يكفي، ولست اريد أن اقيم ديناستي في العائلة. بهاء في جنيف بالكاد نقنعه بالمجيء الى بيروت، وسعد في السعودية يتحمل مسؤوليات الاعمال. لا احد يريد السياسة بعد اليوم.

لولا اغتياله لربما تسنى له تنفيذ ذلك القرار. لكن وفاته القسرية جعلت إرثه السياسي الزامياً. وكان على سعد الحريري ان يضحّي بإدارة هادئة لإحدى اكبر الشركات في العالم، لكي يحفظ اسم وإرث رفيق الحريري في إحدى اعقد الساحات السياسية في العالم ايضاً.

مع ان الأب جاء الى الحكم بعد الحرب، فإن الإبن جاء إليه بعد بعدَ الحرب. والسياسات التي كان يراها في منزل والده من بعيد، اصبحت الآن في داره. وفي السرايا رأى عن قرب ان حياة رفيق الحريري كانت اصعب من موته. فالسياسة في لبنان لا امان فيها ولا وعد ولا عهد. ودخل يوماً إلى لقاء مع باراك اوباما ليكتشف بعد جلوسه انه لم يعد رئيساً للوزراء.

كان على سعد الحريري ان يقرر: يصمد أم يمضي؟ بكل طيبة واضحة، شمَّر عن ساعديه الرياضيين في ساحة الشهداء، وخاطب جماهيره قائلاً: محسوبكم سعد! وازداد رسوخاً في مسؤوليات وصعوبات وتعقيدات لبنان. وكان ذلك على حساب حياته الخاصة وامواله الخاصة ورغبات عائلته. ولا انسى أنني سألته مرة، وكان لا يزال في قريطم، ما هي مشاريعك، فرفع يديه في الهواء وقال: أن ارى عائلتي!

ظروف سعد الحريري في المسؤولية اكثر تعقيداً ومرارة وحدّة، مما كانت ايام والده. لكنها تزيد صلابته رسوخاً. وتزيد في لمعان صورته كزعيم سياسي صادق وعفوي ومتكرّس. وتزيد أهمية علاقاته وصداقاته العربية والدولية في تعميق زعامته الداخلية. وعندما قال انه “بيّ السنّة” نسي انه ايضاً، محسوبنا سعد، خيّ الجميع.