//Put this in the section

لبنان في عصرٍ شيعي برئيسٍ مسيحي حليفٍ له وحكومة مُستسلِمة؟

سركيس نعوم

“صح النوم”. هذه الجملة الصغيرة والمُفيدة كانت أوّل ما خطر على بالي عندما قرأت عنوان قطعة تحليليّة – معلوماتيّة كتبتها زميلة جديّة في “النهار” تضمّن سؤالاً أو بالأحرى تساؤلاً هو الآتي: “هل يأخذ نصرالله لبنان إلى إيران؟” علماً أن العنوان الأقرب إلى الصحّة كان يفترض أن يكون: “هل أنجز نصرالله إحضار إيران إلى لبنان؟”. والسبب أن القيادات العلمائيّة والسياسيّة والعسكريّة و”الحرسيّة” من “حرس ثوري” قالت للبنانيّين من طهران وأكثر من مرّة منذ بضع سنوات أنّها صارت موجودة وفاعلة ونافذة في العواصم العربيّة الآتية: بغداد ودمشق وبيروت واليمن، كما في قطاع غزّة. هذا فضلاً عن وجودها السياسي والأمني الفاعل في دول عدّة من العالم يقع بعضها في أميركا اللاتينيّة، وبعضها الآخر في آسيا الوسطى، وبعضها الثالث في دول كبيرة مجاورة لها أبرزها أفغانستان، وبعضها الرابع في الخليج حيث يتعايش النفوذان أو بالأحرى الوجودان الإيراني والأميركي بفعل الأمر الواقع، في انتظار تحوّله تعايشاً متّفقاً عليه أو انتصار أحد طرفيه على الآخر مستقبلاً.




طبعاً لا ترمي هذه المقدّمة إلى “التمريك” على الزميلة التي أحب وأحترم بل إلى التصويب من خلال “العدد الخاص” لـ”النهار” اليوم، ولمناسبة تولّي رئيس الحكومة وزعيم “تيّار المستقبل” سعد الحريري رئاسة تحريره. كما لا ترمي إلى التبجّح ومدح الذات لأنّني الأبعد في مهنتنا الإعلاميّة عن ذلك ومنذ احترفتها قبل 45 عاماً باعتبار أنّني بدأتها قبل ذلك بسنوات قليلة. متى بدأ العصر الإيراني في لبنان؟ ومن هي الجهة الإيرانيّة التي بدأته؟ وما هي العوامل الموضوعيّة والظرفيّة التي ساعدت ليس في بدئه فحسب، بل أيضاً في تعميق جذوره ثم في نمو سنابله والتهيئة لـ”الحصاد”؟

سوريا الرئيس الراحل حافظ الأسد هي التي أدخلت لبنان العصر الإيراني وإن رغماً عنها. وأنا لا استعمل هذه العبارة للإساءة والتجريح بل إقراراً بأمر واقع. فهو قبل حرب لبنان التي بدأت عام 1975 وفي أثنائها كان له دور كبير فيه. وكان طموحه أن يبقى “حديقة خلفيّة” لها من دون أن يلتحق بها طوعاً أو قسراً أو ضمّاً أو إذا تعذّر إلحاق كهذا. واعتمد من أجل تحقيق ذلك على الشيعة في لبنان ليس لتقارب مذهبي معهم كما قد يتخّل البعض أو ليس فقط لهذا السبب. بل لأن مسيحيّيه رفضوا مشروعه وقاوموه رغم إغراءاته الكثيرة لهم واستعانوا بعدوّ سوريا وعدوّ العرب وعدوّهم حتّى إسرائيل، ولأن المُسلّحين السُنّة في لبنان لم يشعروا بارتياح إلى دوره والعكس صحيح أيضاً. ولأن دروزه ما كانوا موالين له طوعاً (مقتل كمال جنبلاط). فلم يبقَ أمامه إلّا الشيعة و”حركة المحرومين” (“أمل”) التي أسّسها الإمام المُغيّب موسى الصدر والتي ضمّت غالبيّتهم الساحقة. منذ ذلك اليوم بدأ العصر الشيعي يتأسّس في لبنان بعد عصر مسيحي استمرّ منذ الاستقلال حتّى انتهاء الحرب، وأعقبه عصر سُنّي قصير العمر بعد “إخراج” إسرائيل داعمه الأوّل الفلسطينيّين بل منظّمة تحريرهم ومقاتليها من لبنان عام 1982. لكن ما حصل في هذا العام خربط الحسابات اللبنانيّة للأسد الراحل. فالجمهوريّة الإسلاميّة الإيرايّة دخلت لبنان “حديقته الخلفيّة” بتأسيسها أو ربّما بمساعدتها شيعة لبنانيّين موالين لها في تأسيس حركة مقاومة للاحتلال الاسرائيلي للجنوب سُمّيت “حزب الله”. أزعج ذلك الأسد الأب رغم تحالفه معها ضد عراق صدّام حسين ومشاركته إيّاها في مواقف إقليميّة ودوليّة عدّة.

لكن طهران لم تأبه لذلك فاتخذ إجراءات لافهامها رفضه وانزعاجه. لكنّها لم تتراجع. واصطدم الإثنان من خلال حرب بالوكالة بين “أمل” و”حزب الله” في لبنان وتحديداً في الجنوب وبيروت وضاحيتها الجنوبيّة استمرّت سنوات وسقط فيهانحو 2500 قتيل وآلاف الجرحى. طبعاً لم يؤثّر ذلك على تحالفهما الإقليمي، الأمر الذي ساعدهما على إنهائها باتفاقٍ حصر المقاومة المسلّحة لإسرائيل المحتلّة “الجنوب”بـ”حزب الله” والعمل السياسي في لبنان بكل متفرّعاته الإداريّة – التوظفيّة – الأمنيّة بـ”أمل”. وفي اختصار جعل ذلك إيران شريكة في العصر الشيعي الذي كان بدأ لبنان يدخله. ومع الوقت وبعد النجاحات “المقاومة” التي تحقّقت في أكثر من معركة قبل عام 2000 الذي شهد ربيعه نهاية الاحتلال بدأ “حزب الله” ومعه إيران يُظهران قواتهما. وعندما انتقل الأسد الأب إلى جوار ربّه في العام المذكور “ركبت” علاقة مميّزة بين وارثه في النظام والحكم ابنه بشّار و”الحزب” وتحديداً أمينه العام السيد حسن نصرالله، كما بينه وبين إيران الإسلاميّة الأمر الذي انعكس سلباً على “العلاقات السوريّة المتوازنة” التي أرساها الأب مع الأعداء والأخصام والمنافسين والحلفاء في الساحات السورية واللبنانية والفلسطينية والعربيّة والإقليمية والدولية. وعندما بدأ “الربيع السوري” عام 2011، ثم تحوّل ثورة صادرها الإرهاب الإسلامي المُتشدّد حتّى التكفير، غذّت إيران الأسد الابن بالمال والسلاح والخبراء وبـ”حزب الله” اللبناني ونجحت في منع انهياره حتّى عام 2015. وعندما تأكّدت من عجزها عن الاستمرار في إبقائه استنجدت بروسيا فلبّى رئيسها وحصل ما يعرفه الجميع. انتصارات في معارك سورية عدّة، انتهاء “داعش” وقرب انتهاء مثيلاتها، وفي الوقت نفسه تحوّل سوريا ساحة للاعبين الإقليميّين والدوليّين كلّهم، ثم دخولها العصر الروسي بعدما كانت دخلت العصر الشيعي أو بالأحرى الإيراني قبل ذلك. هذا الواقع انعكس على لبنان بدوره فصار العصر الشيعي فيه إيرانيّاً سوريا فيه حليف غير مُقرّر، و”لبنان الجديد” صار صاحب كلمة مهمّة فيها عسكرياً وسياسياً طبعاً مع حليفه الدائم طهران.

هل كان في الإمكان تلافي ذلك؟ ربّما لو تصرّف الأسد الأب وبعدها سوريا الإبن، بعدما فرضت إيران شراكتها عليه، بطريقة مختلفة بعد تحرير لبنان من إسرائيل عام 2000. يومها قال الرئيس اللبناني السابق الياس الهراوي علانية أن طلقة من “حزب الله” لن تطلق عليها بعد إجبارها على الانسحاب. لكن سوريا الأسدَيْن كان لها رأي مختلف. ذلك أن جولانها لا يزال مُحتلّاً، وهي لا تزال في حاجة إلى المقاومة في لبنان وبواسطة أبنائه وإن حلفاء إيران لارغامها على الانسحاب منه. فسحبت ورقة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا من الملفات وقالت أن التحرير غير تام واستمرّت المقاومة متقطّعة. طبعاً وافقت إيران على ذلك ربّما بسبب مشروعها التوسّعي الذي سمّاه ملك الأردن “الهلال الشيعي”، وحصدت أرباحه وحدها حتّى الآن على الأقل، إذ بدأ عصرها اللبناني وصار لها عصرها في سوريا فضلاً عن عصرها في العراق وفي غزّة، وربّما لاحقاً في اليمن أو في قسم منه إذا عاد التقسيم إليه. طبعاً لم تكن مرجعيّات لبنانيّة عدّة، وبعضها شيعي، بارزة جدّاً مرتاحة لافتعال قضيّة المزارع رغم أنّها مُحقّة لاقتناعها بأن حلّها ممكن بمفاوضات غير مباشرة عبر الأمم المتحدة، وبأن التمسّك بالحل العسكري لها (المقاوِم) سيؤذي لبنان على أكثر من صعيد. وقد اسمع هذا البعض حلفاء لبنانيّين لسوريا لهم مواقع رسمية مُهمّة جدّاً كلاماً قاسياً جدّاً جرّاء قبولهم الافتعال المُشار إليه.

كيف بدأ “صبّ أساسات” العصر الشيعي (الإيراني) في لبنان؟ “الصبّ” يعني أن “الأرض اشتُريت” وحفرت وأن عمليّة الإشادة بدأت. وهي بدأت عملياً يوم صار “حزب الله” الجهة الشيعيّة الأكثر فاعليّة بفعل التحرير الذي اجتذب أخصامه ومكّنه من “اختراق” الساحة الشيعيّة بكاملها ولكن بلباقة حفاظاً على وحدة الصف. وتجلّت اللباقة بـ”الثنائيّة الشيعيّة” المعروفة. وبدأت رسميّاً عام 2006 في 6 شباط عندما اخترق “حزب الله” الشيعي ابن إيران الساحة المسيحيّة باتفاق وقّعه مع رئيس “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون. واستمرّت بعد نجاحه في إشباع شهوة الأخير إلى السلطة بإيصاله إلى رئاسة الجمهوريّة. ويبدو أنّها ستستمرّ رغم التوتّرات والتباينات التي تسبّبت بها الانتخابات النيابيّة والطموحات الرئاسيّة والزعاماتيّة لصهر عون الوزير جبران باسيل. علماً أن للعصر نفسه مُرتكزات مسيحيّة أقدم من عون وأكثر ثباتاً أهمّها الزعيم الزغرتاوي سليمان فرنجيه. والسبب أن محاولة فك “التحالف” ستكون مكلفة جدّاً على أكثر من صعيد. طبعاً لا يبدو أن فريقاً مسيحياً مهمّاً هو “حزب القوات اللبنانية” سيدخل العصر نفسه، لكنّه في الوقت نفسه لن يذهب إلى الحرب معه رغم تمسّكه بمواقفه السلبيّة منه، لأنّها مكلفة جدّاً ولأن لا حلفاء مُهمّين له فيها في المنطقة والخارج، كما لأن “حزب الله” يحتاج إلى ساحة مسيحيّة لا عنف فيها لأنّه يعرف ما يعتمل داخلها من خوف من كل المسلمين سُنّة وشيعة ودروز.

وعلى الساحة الدرزيّة بدأت “عمليّة بناء” العصر الشيعي (الإيراني) أوّلاً بتهدئة من نوع مُعيّن بين “الحزب” والزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط قامت على ركيزتين. الأولى عدم الاصطدام الشيعي – الدرزي والتحوّل نحو الوسطيّة في السياسة داخلاً وخارجاً بفعل الأمر الواقع وليس الاقتناع. والثانية قبول استمرار جنبلاط بعدائه الشديد لنظام الأسد في سوريا بعد ثورتها وحربها الأهليّة أو “الكونيّة” كما يسمّيها هو. لكن في هذه الأثناء كان لسوريا والحزب حليفان درزيان. الأوّل الأمير طلال ارسلان وريث اليزبكيّة أحد جناحي الطائفة سياسيّاً رغم الرعاية التي أحاطه بها وليد جنبلاط منذ دخول المعترك السياسي بعد تدخّل والدته الجنبلاطيّة العائلة، ورغم معرفته أن فوزه في الانتخابات النيابيّة الأخيرة وربّما التي قبلها ما كان مضموناً لو لم يترك له وليد بك مقعداً فارغاً على لائحته. أمّا الثاني فهو وئام وهّاب الجنبلاطي حزباً وانتماء سياسيّاً – عشائريّاً إذا جاز التعبير الذي بنى نفسه بنفسه على الطريقة اللبنانيّة أي بالعمل مع النافذين وأصحاب القرار في بلاده من لبنانيّين وغير لبنانيّين. والإثنان كانا حليفين لكنّهما اختلفا بقوّة واستعصى اتفاقهما رغم مساعي “الحزب” وسوريا. لكن عندما بدأت عمليّة بناء “العصر الشيعي” (الإيراني) عادا إلى التحالف بعد حادثة الجاهليّة قبل أسابيع. ويدل ذلك على أن مساعي التوفيق السابقة لم تكن ملحاحة مثل مساعي الأمس القريب.

ماذا عن الساحة السُنيّة؟

المعلومات المتوافرة أشارت وقبل الانتخابات النيابيّة الأخيرة إلى عمل جدّي لـ”حزب الله” لتأليف حزب سُنّي مؤيّد لسياساته بعد انتهائها، بضم نخباً متنوّعة وطامحة إلى العمل السياسي ومعه “سرايا المقاومة” صاحبة الدور الأمني بعد تطهيرها من الأسماء التي جعلتها سيّئة السمعة في الأوساط السُنّية. وأشارت أيضاً إلى عمل لتأمين فوز عدد من النوّاب السُنّة المُعادين أو المُخاصمين لـ”تيّار المستقبل” المستمرّ في تمثيله غالبيّة السُنّة في لبنان رغم انخفاض نسبته. والوقائع التي حصلت قبل الانتخابات النيابيّة، وأبرزها الاحتجاز القسري لرئيس الحكومة سعد الحريري في السعوديّة والاستقالة القسريّة التي قدّمها منها تلفزيونيّاً، ووقوف الرئيس عون و”حزب الله” وقسم كبير من الفاعليّات في لبنان معه، ثم عودته إلى لبنان بعد تدخّل رئيس فرنسا ماكرون وعودته عن الاستقالة، ذلك كلُه عطّل علاقاته السعوديّة. علماً أنها كانت عاطلة أصلاً مع الحكم الجديد فيها، ودفع “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” وآخرين إلى احتضانه ومحاولة الإفادة من ذلك لاستمالته إلى صفِّهم، وإن من دون أن يعني ذلك تخليّه تماماً عن خطّه السياسي “السُنّي” و”العربي” و”الأنتي – سوري” وعن حقّه في معرفة قاتل أبيه الشهيد رفيق الحريري.

علماً أن ما تجدر الإشارة إليه هنا هو أنّه وتيّاره كان أجرى ربط نزاع من نوع ما مع “الحزب” قام على التعاون في حكومة يترأسها لحل مشكلات لبنان غير السياسيّة وهي هائلة، وعلى عدم التصادم بسبب الخلافات غير القابلة للحل الآن سواء في الداخل أو مع الخارج. لكن ذلك لم يعد يكفي. إذ وفّر استحقاق تأليف حكومة ما بعد الانتخابات النيابيّة للعصر الشيعي (الإيراني) فرصة ذهبيّة لاختراق الساحة السُنيّة في صورة رسميّة تمهيداً لاختراقها شعبيّاً وتنظيميّاً لاحقاً. وحصل ذلك بتكوين “لقاء تشاوري” ضمّ نوّاباً سُنّة مؤيّدين لـ”الحزب” وسوريا وبالإصرار على تمثيلهم حكوميّاً وبالنجاح في ذلك. ويُفترض أن يرعى “حزب الله” استمرار اللقاء المذكور وترتيب علاقته مع “التيّار الوطني الحر” المصر على اعتبار وزيره جزءاً من كتلته النيابيّة. ويمكن أن ينجح في ذلك بسبب قدرته العمليّة على “المونة” عليهما معاً. وفي هذه الحال يمكن أن يعمد إلى توسيع اللقاء النيابي التشاوري بتوسيعه وتحويله ائتلافاً يضم شخصيّات سياسيّة واقتصاديّة وثقافيّة واجتماعيّة (طامحة كلّها طبعاً) إلى النوّاب الستّة والوزير الذي يمثّلهم. لكن هل يكفي ذلك كلّه لتكريس دخول لبنان العصر الشيعي (الإيراني؟ يحتاج ذلك إلى استسلام زعيم السُنّة سعد الحريري فهل يفعل؟ ما حصل أساسي ومُهم ويؤكّد أن العودة سلميّاً عن هذا العصر لم تعد سهلة أو حتّى مُتاحة، لكنّه يحتاج إلى أمور عدّة كثيرة كي يصبح نهائياً. فـ”حزب الله” موجود الآن في كل مؤسّسات الدولة السياسيّة والحزبيّة وغير السياسيّة (النقابيّة) وفي كل الحياة السياسيّة داخل الطوائف والمذاهب وصاحب نفوذ داخلها. لكن غيره ومنهم أخصام وأعداء موجودون فيها أيضاً وأصحاب نفوذ وإن بدرجة أقل منه. هذا الواقع يجعله في حاجة إلى ملء الفراغات داخلها والتي فيها مُناهضون له وذلك كي يمسك بها بقوّة تجنّباً لأي مفاجأة غير سارة قد تعدّ له. ويجعله في حاجة أيضاً إلى خطّة شعبيّة – سياسيّة – حزبيّة – طائفيّة – مذهبيّة – أمنيّة – عسكريّة متّفق عليها مُسبقاً مع جهات أساسيّة فاعلة في الداخل والإقليم وربّما في العالم لمواجهة أي فوضى يغرق فيها لبنان جرّاء أوضاعه المُعقّدة الاقتصاديّة – الماليّة – الاجتماعيّة – الفساديّة (من فساد). إلّا أن دخول لبنان العصر الشيعي هل يكون دائماً أو موقّتاً؟

لا أحد يعرف. وذلك نوع من التبصير. فالقيادات اللبنانية المعروفة بالاستشراف والاستشعار عند بعد تقول أن المنطقة ستشهد دولة فاطميّة جديدة (سيطرة إيران على المنطقة). وهي قد لا تكون أبديّة وتزول بعد عقود كثيرة أو قليلة مثلما زالت الدولة الفاطميّة الأولى. لكن ذلك على أهميّته لا يُطمئن لبنانيّي اليوم على اختلافهم وتناقضهم. لأن لبنانيّي العصور البعيدة دفعوا ثمن صعود الدولة الفاطميّة ثمّ انهيارها. وبعضها الآخر يعتقد أن إسرائيل لن تدع لبنان الشيعي يقوم أو يعيش مُستقرّاً في ظل استمرار عداء “حزب الله” لها ومؤسّسته الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة. وربّما تشاركها أميركا إذا بقي ترامب رئيساً لها في منع حصول ذلك.

إلّا أن البعض الآخر يعتقد أن تفاهماً أميركيّاً – روسيّاً وإن جزئيّاً قد يوفّر فرصة التأسيس للبنان الشيعي إذا ضمن الاستقرار على الحدود مع إسرائيل من دون أي تسوية أو صلح معها، وإذا ضمن الاستقرار على الحدود مع سوريا. والضمان الأخير لم يتحقّق يوماً لأن العدو كان دائماً إسرائيل ولا تزال وهي كذلك. أمّا سوريا فشقيق ولذلك لا يُقاتلها اللبنانيّون. وذلك غير مُحقّ إذ قد يعتدي عليك الشقيق فماذا تفعل؟ هل تصلّي له. ويلفت البعض الأخير هذا إلى أن للعصر الشيعي مصلحة في مراقبة الحدود السورية وإن إنتهى “داعش” وحرب سوريا، لأن غالبيّة شعب سوريا سُنّة وستبقى ولن تكون مُتساهلة أو متقبّلة للعصر المذكور، ولا سيّما بعد استيقاظ المذهبيّة بين المسلمين على النحو المعروف من القسوة والشدّة والهمجية.