//Put this in the section

١٤ شباط ٢٠١٩ تفتقد حلفاء الأمس كيف تحكم الحكومة تحت التوازنات الجديدة؟

سابين عويس – النهار

على مسافة نحو أسبوعين من احياء رئيس تيار “المستقبل” الرئيس سعد الحريري والى جانبه فريق كبير من اللبنانيين الذكرى الرابعة عشرة لاغتيال والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري، توَج الحريري الابن الانتظار الثقيل الممتد لما يقرب الاشهر التسعة، بتأليف حكومته الثالثة، مذ تولى زعامة التيار السياسي الذي أسسه والده، وهي الحكومة الثانية له في عهد الرئيس ميشال عون، بعدما أُسقطت حكومته الأولى بتضامن وزراء “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” الذي بات يرأسه اليوم الوزير جبران باسيل، وذلك بفعل استقالتهم منها.




للمفارقة، ولدت الحكومة الثالثة للحريري بفعل تعاون وثيق بينه وبين باسيل، بتزامن لافت مع احياء الاخير نيابة عن الرئيس المؤسس، ذكرى “تفاهم مار مخايل” بين “التيار” و”حزب الله”.

اسئلة اقرب الى الهواجس تملكت بعض الاوساط السياسية ولا سيما منها تلك المنضوية تحت لواء الحركة الاستقلالية المولودة من رحم زلزال ١٤ شباط ٢٠٠٥، غداة المشهد الحكومي المنقلب على الاصطفاف الذي أفرزه ذلك الزلزال، وحكم البلاد على مدى عقد تقريبا، قبل ان يبدأ مسلسل الاغتيال السياسي للحريري ولمشروع الحريرية السياسية والاقتصادية.

تبدأ هذه الاسئلة من هواجس الآذاريين القدامى حيال التوازنات الجديدة التي باتت تحكم الحكومة، وتأثيرها على الثوابت التي تضمن سيادة لبنان وتنأى به عن صراع المحاور الاقليمي والدولي. فأكثر ما يخشاه هؤلاء، ولا يفهمون طبيعته، يتمثل في التقارب الحاصل بين زعيم “المستقبل” ورئيس “الوطني الحر”، وهو التقارب الذي ضرب اولا وحدة 14 آذار، قبل ان يسير رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع في المصالحة المسيحية، مانحا بركته وموافقته على ما عُرف في مرحلة لاحقة، بالتسوية الرئاسية التي اوصلت العماد عون الى سدة الرئاسة.

حرص الزعيم الدرزي وليد جنبلاط على الاضاءة على هذه المرحلة من خلال تسمية حقبة التسوية الرئاسية بتسوية “باريس1″، وحقبة التسوية الحكومية بتسوية “باريس2”.

لن يكون 14 شباط 2019 مماثلا لأي ذكرى سبقت، في الشكل كما في المضمون، بعدما فُرّغت الذكرى من جوهرها العابر للطوائف والتيارات، الامر الذي ستكشفه بصورة بليغة جدا ذكرى 14 آذار 2019.

فحلفاء الامس تفرقوا، وسقط الاصطفاف التقليدي على حساب تموضع جديد افرزته في الدرجة الاولى الانتخابات النيابية، وكرسته لاحقاً التركيبة الحكومية ومعاييرها الفضفاضة والاستنسابية.

لم يكن تكريس الخلل الفاضح في ميزان القوى الجديد نتيجة وهن قوى 14 آذار، او تخاذلها وصولا الى تفككها، ولا كان حصرا نتيجة الضغوط التي تعرض لها ركناها البارزان سعد الحريري ووليد جنبلاط، او حتى بفعل انشغال الراعي الاقليمي والدولي عنها.

هي كلها عوامل ساهمت حتما في تفكك هذا الفريق الذي شكل في ما مضى عامل توازن في وجه الفريق الآخر، لكن العامل الابرز كان نتيجة التماسك الذي واجهه التحالف الآذاري من جانب ذلك الفريق. فتحالف الثامن من آذار لم يسقط ضحية التفكك بل ظل متماسكا تحت قيادة “حزب الله” الذي نجح في كل محطة وامام كل اختبار في ابقاء تماسك فريقه. بل ربما ذهب ابعد في خوض المعارك من اجله، بدءا من خوضه معركة تعطيل البلاد بفعل الشغور الرئاسي لعامين ونصف العام حتى تحقيق مطلبه بانتخاب العماد عون رئيسا للجمهورية.

لم يخذل الحزب شريكه في “تفاهم مار مخايل”، كما لم يخذل حلفاءه في الطائفة السنية المعارضين للحريري، والحلفاء لدمشق. فصّل قانون الانتخاب على قياسهم من اجل تأمين وصول العدد الاكبر منهم الى الندوة البرلمانية بما يتيح كسر حصرية “المستقبل” في الزعامة السنية.

وكما في الداخل كذلك في المنطقة، حيث ظل الراعي الاقليمي الايراني ممسكا بثبات مع حلفائه، على رغم الضغوط العربية والدولية الرامية الى عزله واسقاط محور الممانعة الذي يمثله الى جانب النظام السوري.

أعطى هذا التماسك نتائج ايجابية لهذا الفريق بحيث تكرس في العهد الرئاسي كما في الحكومة.

ولكن ماذا عن الاداء الحكومي، وهل تصمد التوازنات الجديدة فيها امام التحديات الكبرى التي ستواجهها في السياسة كما في الامن والمال والاقتصاد والاستثمار؟

لا شك ان القضايا الاستراتيجية التي تجمع تحالف 8 آذار تحت مظلتها لن تكون عرضة لأي خرق. بدا ذلك واضحا في الصيغة المرنة للبيان الوزاري وتحفُّظ “القوات اللبنانية”.

في هذه المسائل، يشكل الحزب وحلفاؤه اغلبية تصل الى 18 وزيرا من دون استثناء او شك في ولاءاتهم. اما في المسائل المالية والاقتصادية والاستثمارية، فلا يُستبعد ان يرى اللبنانيون اصطفافا قواتيا – اشتراكيا الى جانب “حزب الله”. تجربة نجحت سابقا في ملف الكهرباء، وقد تتجدد في ملفات مماثلة، وخصوصا ان الحزب عقد العزم على الانخراط اكثر في الملفات الداخلية.

يبقى امام الحكومة بتوازناتها الجديدة تحدي التعامل مع الخارج، عربيا ودوليا في ظل القلق الخارجي من تنامي نفوذ “حزب الله” في الحكومة.

على رغم ان كفة الغلبة راجحة للحزب وحلفائه في الحكومة، كما في مجلس النواب، فإن لبنان يلمس تفهما دوليا يتم التعبير عنه من خلال تثبيت الدعم للحكومة الجديدة، بقطع النظر عن توازناتها، من دون التقليل من اهمية القلق حيال هذه التوازنات الذي يضع الحكومة تحت مجهر المراقبة القصوى.

المفارقة ان الحزب الذي يعي دقة هذه المسألة وحساسيتها، يحرص على التكيف مع موجباتها، وخصوصا ان سيف العقوبات والضغوط مصلت فوق رأس قياداته واركانه في الداخل كما في العالم.

هي في كل الاحوال، فترة سماح ومساحة اختبار تبدأ من وزارة الصحة ولا تنتهي عند اصلاحات “سيدر” وتوابعها!