//Put this in the section

ظريف في إحدى ”عواصمه”!!

عبد الوهاب بدرخان – النهار

لعل الحدث الأهمّ في زيارة وزير الخارجية الإيراني لبيروت أنها دفعت نظيره اللبناني الى تذكّر “النأي بالنفس” بعد نسيان طويل. فحين ربّت محمد جواد ظريف على كتف لبنان قائلاً: “أحيي وأثمّن عالياً الموقف اللبناني النبيل” في شأن مؤتمر وارسو، أورد جبران باسيل سببين لغياب لبنان عن المؤتمر “الأول حضور إسرائيل”، والثاني “الوجهة المعطاة له فيما يعتمد لبنان سياسة النأي عن مشاكل المنطقة وليس الاصطفاف في محاور”. الواقع أن سببه الأول ليس حضور إسرائيل بل لأن المؤتمر معادٍ لإيران، وبالتالي فإن سببه الثاني ليس النأي وعدم الاصطفاف في محاور لأن باسيل كان يتحدّث واقفاً الى جانب ممثل أحد أسوأ المحاور في المنطقة. وقد جاء ظريف في هذا التوقيت لهدفٍ محدّدٍ، لمخاطبة العرب والأميركيين من بيروت وتأكيد أن لبنان واقع قسراً في محور إيراني.

عدا ذلك تدرك طهران، كما يدرك الأمين العام لـ”حزب الله”، أن لبنان لن يفكّر في/ بل لن يستطيع، لأسباب طال شرحها سابقاً، تزويد جيشه معدات عسكرية إيرانية، حتى لو كانت مجّانية… إلا إذا وُجد في الدولة مَن يريد استدراج لبنان وجيشه الى نفق عقوبات أميركية واوروبية. أما السبل الأخرى للتعاون التجاري بين البلدين فهي معروفة، ومحدودة، والأفضل عدم التفكير في شراء أدوية ايرانية لمصلحة وزارة الصحة بداعي أنها أصبحت في كنف “المقاومة”، فهذا يتطلّب تعاملاً مع المصارف ويمكنه أيضاً أن يعرّض لبنان لعقوبات. ولمزيد من الإيضاح فإن الآلية الأوروبية الخاصة للتجارة مع ايران تستند الى المقايضة وبات الخبراء يلخّصونها بـ”النفط مقابل الأغذية والمواد الطبّية” تذكيراً بوصفة مماثلة عومل بها عراق صدام حسين لتخفيف آلام الحصار الذي عانى منه الشعب لا النظام.

ليس هناك ما يؤسف عليه من الغياب عن مؤتمر وارسو، إذ حوّلته واشنطن فرصة لترويج “صفقة القرن” بغية ابتزاز العرب بخيار “الحماية من الوحش الايراني في مقابل التطبيع مع الوحش الإسرائيلي”. وتحاول طهران لعب هذا الخيار بصورة عكسية، فلا تخرج زيارة ظريف عن اطار استخدام “حزب الله” لاستفزاز الطرف الآخر، كما فعل أيضاً حين قصد العراق قبل شهر ليهندس مع “الحشد الشعبي” الجانب السياسي من حملة “برلمانية” للمطالبة بالانسحاب الأميركي، وهو اصطحب ممثّلين عن شركات تابعة لـ”الحرس الثوري” ليعرض المساهمة في إعادة الإعمار في العراق. كان ذلك مجرّد “علاقات عامة” على الطريقة الإيرانية، فلا العراق ولا سواه يستطيع الاعتماد على ايران وهي تحت العقوبات. وكان نائب الرئيس اسحق جهانجيري زار دمشق بالتزامن ووقّع اتفاقات تعاون “طويل الأمد”، في إشارة الى أن ايران باقية في سوريا خلافاً لرغبة اميركا. ولن يكون مصير هذه الاتفاقات بأفضل من تلك التي وقّعت أوائل 2017 في طهران ولا يزال تنفيذها ينتظر موافقات روسية.