//Put this in the section

جنبلاط استشعر ”العزلة”… فشرع في حراك وقائي عنوانه ”الدفاع عن الذات”

ابراهيم بيرم – النهار

قبل أيام، شرع رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط في حراك سياسي مكثف عنوانه العريض:




– تحصين الذات.

– تأكيد الحضور.

– إعلان الاستعداد لمرحلة مقبلة عبر جهوزيةٍ لانعطافات وتفاهمات جديدة، وإنْ اقتضى الأمر نكوصاً عن مضامين خطابه السياسي القديم.

بالاجمال، إنها عملية هجوم مضاد من طبيعة وقائية دفاعية، بدا معها زعيم المختارة أنه ليس في أسعد أطواره السياسية، وقد تجلى ذلك اكثر ما يكون، وفق أوساط امتهنت رصد الشأن الجنبلاطي، عندما وقف قبل بضعة أيام خطيباً أمام لفيف من مشايخ طائفته في إحدى قاعات قصر الزعامة العتيق، وهي عادة لا تحدث إلا في أيام استشعاره الخطر أو تحسيس الآخرين بأنه مستهدَف، كاشفاً أمامهم عن ثلاثة مستجدات مفتوحة على مزيد من الاحتمالات:

1- ان هناك محاولات حثيثة لإعادة المختارة وما تمثّل في المعادلة الوطنية وفي الوجدان الدرزي، سبعين سنة الى الوراء (يبدو ان هذا الرقم مرتبط بطبيعة الساحة الدرزية)، معلناً انه سيواجه وانه ليس في وارد رفع راية الاستسلام. انها بالاجمال رسالة تحفيز الى الداخل ورسالة الى الآخرين في الخارج.

2- انه مستعد لإعادة مدّ جسور الحوار والتنسيق مع خصومه في الجبل، وهم النائب طلال ارسلان والوزير السابق وئام وهاب والحزب السوري القومي الاجتماعي وشخصيات اخرى ما برحت عصية على الاحتواء.

والذين هم على بيّنة من التفكير الجنبلاطي المضمَر يدركون ان في طيات هذا الكلام رسالة الى طرفين محددَين هما “حزب الله” من جهة، و”التيار الوطني الحر” والرئاسة الاولى من جهة أخرى.

3- اعلانه ان الطريق الى دمشق مفتوحة أمام مَن يريد سلوكها من مشايخ الدروز ولا حرج، واستطراداً لا حرم عليهم كما في السنين الخوالي.

وفي طوايا هذا الكلام ايضاً بوادر رسالة أولية الى دمشق نفسها، يدرك المعنيون والعاصمة السورية انه يمكن ان تمهد لما بعدها وإنْ تكن ثمارها ليست دانية القطوف، فضلاً عن أنها أتت متأخرة كثيراً عن موعد إرسالها.

وقبل هذا الكلام النادر والمنطوي على أبعاد، كان لجنبلاط موفده الى قصر بعبدا حيث أبلغ بلسانه الى سيده أنه رغم الكلام الذي اطلقه (جنبلاط) سابقاً، إلا أنه مازال مقيماً على بادرة حسن النية التي ارسلها سابقاً، وتحديداً قبل اشهر، وتجسدت باعطاء رئيس الجمهورية حق اختيار الوزير الدرزي الثالث، وهي خطوة عُدَّت في حينه “بيعة” للرئاسة الاولى.

ولعل المحطة الابرز والطبيعية في سياق حراك جنبلاط كانت زيارته الاخيرة الى عين التينة. واذا كان الامر طبيعياً لمن يعرف ان القطبين (الرئيس نبيه بري وجنبلاط) ما انفكّا يحافظان على تحالفهما القديم، فان اللافت كان توقيت الزيارة اذ أتت بعد سلسلة المواقف التي اظهرت وكأن هناك “انتفاضة جنبلاطية” في وجه أمر واقع يسعى مَن يسعى الى فرضه عليه وجعله أسير مندرجاته من جهة، وبعد كلامه امام المشايخ في المختارة من جهة اخرى.

والواضح ان الزعيم الاشتراكي شاء ان يختم اللقاء مع الرئيس بري باطلاق رسالة فحواها انه ما زال حليفاً لشخصية ما برحت من ثوابت المشهد السياسي اللبناني ومن معالم هذا المشهد التاريخية، وهو بذلك إنما يستهدف الرد ضمناً على المروّجين لنظرية أن سيد السلطة التشريعية منذ 27 عاماً من دون انقطاع ودوره الريادي الفاعل سابقاً قد تآكل وانكمش على نحو ملحوظ. وبناء عليه ما زال (جنبلاط) وحليفه (بري) رقماً صعباً في صلب المعادلة السياسية الراهنة.

وهذه الرسالة توشك ان تكون موجهة أكثر ما يكون نحو “بيت الوسط”، وهي تنطوي ضمناً على رد غير مباشر على كلام خشن اطلقه سيد هذا البيت الرئيس سعد الحريري غداة الولادة القسرية والقيصرية لحكومته، وقال فيه بصريح العبارة انه ماضٍ في خياراته وتحالفاته وليس ملزماً الرد على اية مزايدات.

ولم يعد خافياً ان مضمون كلام الحريري يفصح في شكل اساسي عن اصراره على التحالف الذي سبق له ان نسجه مع الوزير جبران باسيل والرئاسة الاولى عموماً، وانه ليس في وارد العودة عن هذا الخيار النهائي بالنسبة إليه حتى وإنْ كان على حساب تحالفات وتفاهمات مضى عليها الزمن وكان جنبلاط اول الخارجين عليها بُعيد انتخابات 2009.

في أي حال، يبدو جلياً ان زعيم التقدمي أيقن اكثر من اي وقت مضى ان زمن القعود والاستكانة لم يعد سياسة حكيمة، وانه بات لزاماً عليه ان يواجه بشراسة محاولات العزل والتهميش التي يستشعر أنها تطبِق عليه لانه لم يستشرف الحاجة الشديدة لبعض حلفائه الى الانخراط في تحولات داخلية واقليمية، وقد بقي هو (جنبلاط) اسير مواقفه السابقة التي بالغ في المضي فيها والرهان عليها. وبالتالي صار لزاماً على جنبلاط من الآن فصاعداً ان يبذل جهوداً اكبر لكي يثبت لمن يعنيهم الامر انه عصيّ على الشطب او تهميش دوره، خصوصاً ان شركاءه في مسرح اللعبة السياسية يتصرفون بمنطق استعجال أقصى لأنهم يجدون ان اللحظة السانحة هي لحظتهم الذهبية، وان عليهم استغلالها والبناء عليها قبل ان تمر هذه الفرصة مرَّ السحاب ولا تعود ثانية.