//Put this in the section
الياس خوري - القدس العربي

رجل يحترق ووطن من رماد – إلياس خوري – القدس العربي

سنة 1957 أصدر خليل حاوي ديوانه الأول: «نهر الرماد». العنوان الطباقي الذي اختاره حاوي جاء من مناخات تلك الأيام، حيث هيمن الأفق التموزي، وتحولت العنقاء إلى رمز لفكرة الانبعاث التي سادت في المرحلة الأولى من انطلاقة الشعر الحديث. رماد حاوي وابتهالات السياب لعشتار، وتموز الذي «يستدير صوب خصمه»، حسب أدونيس، كانت دعوات تستولد الجديد وتدعو إلى القيامة من الموت.

من جيل تلك المرحلة الإبداعية، كان حاوي أول الخائبين، لم ينتظر هزيمة الخامس من حزيران ـ يونيو ليكتشف خواء الانبعاث، مثلما فعل كثيرون. ففي قصيدته: «لعازار 1962»، المنشورة في ديوانه الثالث «بيادر الجوع» (1965)، أعلن خيبته. يصرخ لعازار الذي أقامه المسيح من الموت، حسب الرواية الإنجيلية: «الجماهير التي يعلكها دولاب نارْ/ من أنا حتى أردّ النار عنها والدوارْ/ عمّق الحفرة يا حفّار/ عمّقها لقاع لا قرارْ».




النار التي كانت مدخل الشاعر لصناعة نهر رماده الذي سيكون حاضنة الانبعاث تحولت في ديوانه الثالث إلى دولاب يعلك الناس، وصنعت دلالة هي نقيض دلالتها الأولى.

كما أن حاوي لم ينتظر هزيمة المقاومة الفلسطينية في بيروت وكارثة مذبحة شاتيلا ليعلن هذه المرة بانتحاره موقفاً يتوّج مسيرته الوجودية، فأقدم على إطلاق النار على صدغه في شرفة منزله في شارع المكحول في منطقة رأس بيروت، وكان ذلك في السادس من حزيران-يونيو 1982، أي بعد يومين على بداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

اختار حاوي التوقيت الملائم لموته، لأنه نظر إلى حياته الأدبية بصفتها تجسيداً للحظة توق إلى انبعاث تكشّف عن سراب؛ شاعر «نهر الرماد»، لم ينتحر في رماد جسده المشتعل، فالرماد لم يعد يحمل بريق الحياة كما في أسطورة طائر الفينيق. عاد الرماد إلى رماده، ولم يلد سوى صفة صارت اسماً. فكان اللون الرمادي مرادفاً للكآبة والحزن واليأس.

المفارقة أن من ورث شاعر الرماد لم يكن شاعراً أو مثقفاً يتعامل مع الانتحار بصفته عملاً فلسفياً، حسب نوفاليس، بل كان بائعاً جوالاً في سيدي بو زيد في تونس. وكان اسمه محمد البو عزيزي، شاب في السابعة والعشرين يبيع الخضار والفواكه على عربة. قام هذا الشاب بإشعال النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد، فأطلق رماد موته الثورة في تونس، التي منها انطلقت شرارة الربيع العربي. وصارت الكلمة التي استخدمتها الشرطية فادية حمدي التي صفعته وقالت له بالفرنسية Dégage، أي ارحل، أحد شعارات الثورة التونسية التي أطاحت ديكتاتورية زين العابدين بن علي.

رماد البوعزيزي أعاد الاعتبار إلى «نهر الرماد»، لكن ما خبأه لنا انقلابيو فكرة البعث والانبعاث من المستبدين والعسكر والمافيويين هو قدرتهم على إخماد الحريق وإطفاء احتمالات الرماد، عبر تحويل بلاد العرب إلى حقول للقتل يحتلها رماد الخراب، من سورية إلى اليمن، ومن مصر إلى ليبيا، إلى آخره…

شرارة الأمل التي أطلقها جسد الشاب التونسي المحترق بكرامته سرعان ما خبت وعاد نهر الرماد العربي إلى لونه، ليفترس الناس في أكبر مأساة تعيشها العرب في العصر الحديث.

لكن اليأس لا ييأس، فبالأمس، في قرية صغيرة في منطقة الكورة في لبنان، والتي تعطيها شجرة الزيتون نكهة الحياة، هناك في قرية بكفتين، أقدم جورج زريق، وهو سائق أجرة من مدينة الميناء في طرابلس، ويقيم في قرية راس مسقا، على الانتحار أمام مدرسة «سيدة بكفتين» محترقاً، بعدما رش البنزين على ثيابه.

انتحر الرجل أمام مدرسة ابنته، لأنه كان عاجزاً عن دفع «ما يتوجب عليه»، وكان مشهد موته نذيراً بالهاوية الاقتصادية-الاجتماعية-الأخلاقية التي سقطت فيها الطبقة الحاكمة، وقادت إلى إفقار لا سابق له للطبقات الوسطى والعاملة، وإلى أزمة اقتصادية خانقة.

ردة الفعل الامتصاصية لهذا الحدث المأساوي اتخذت أشكالاً غرائبية، من تعهد وزير التربية بتعليم ولدي الشهيد-الضحية، وكأن التعليم المجاني في المدارس الرسمية مِنة من الحكومة، إلى تعهد وزير آخر بالتكفل بتعليمهما الجامعي، في جامعة خاصة يملكها والده الوزير السابق… وانشغل الرأي العام بدفاع مدير المدرسة عن نفسه، وبمناظرة حول التحريم الديني للانتحار، وصولاً إلى تشكيك البعض وعزوهم الانتحار إلى أسباب خاصة…

المسألة واضحة، إنها أزمة التعليم في بلد «الإشعاع» الذي لا يشعّ، و«النور» الذي انطفأ من زمان.

التعليم في لبنان صار فضيحة، المدارس الرسمية أو العامة همشت نتيجة الإهمال وانهيار مستواها التجهيزي والتعليمي والإداري، والتعليم الخاص في أزمة طاحنة نتيجة انعكاس الأزمة الاقتصادية على الطبقات الوسطى. وحدها مدارس النخبة الاقتصادية تزدهر، وهي مدارس تترواح أقساطها السنوية بين سبعة آلاف وعشرة آلاف دولار أمريكي.

احتلت الطوائف والمذاهب التعليم، وهي في أزمتها تستنجد بدولة مفلسة، أما المؤسسات الجامعية فصارت دكاكين مشرّعة لزعماء المافيات والطوائف، بحيث بات مستوى التعليم الجامعي مهدداً بشكل حقيقي.

جورج زريق انتحر، لأن جميع الأبواب سدت في وجهه، وهذه الأبواب مسدودة في وجوه أكثرية اللبنانيين. هل تقترح الطبقة الحاكمة على المواطنين الانتحار؟ أم تعتقد أنها لا تزال قادرة على امتصاص النقمة عبر قنوات التصريف الطائفية؟

عندما صرخ الناس في تونس «ارحل»، كانوا يستهدفون نظاماً متمركزاً حول الرئيس-الديكتاتور، أما في لبنان فإننا أمام نظام أخطبوطي متعدد الأذرع، جاعلاً من «ارحل»، مشروعاً ضد تركيبة كاملة راسخة ومتحكّمة تغطي تسلطها بالطائفية، وتصنع من صراعات مافياتها موضوعاً لحياة سياسية فارغة من المعنى.

رماد جورج رزيق هو رمادنا كلنا، وموته ليس سوى صرخة كي يتحرك في أوصالنا المتعبة شيء اسمه كرامتنا المهدورة. موت جورج رزق يخاطب اليوم أولاً الحركة الطلابية اللبنانية. تلاشي هذه الحركة وإخضاعها للميليشيات وديناصورات الطبقة الحاكمة هو العائق الأساسي أمام مسار استعادة الوعي الطلابي، الذي يجب أن يكون طليعة المواجهة في القطاع التعليمي، ويمتلك هدفاً واضحاً هو استعادة التعليم العام الرسمي لمستواه وقدراته، كمقدمة لإقفال الدكاكين التعليمية الطائفية.

يأس جورج زريق لم ييأس، بل قاده إلى النار.

فهل نستطيع أن نحمي شعلة اللهب؟ أم أن لون الرماد الذي يحتل العالم العربي سوف ينجح في سَمْل عيوننا.