//Put this in the section

سلام منح الحكومة الثقة: هناك خلل منذ اتفاق الدوحة أنتج سلسلة بدع مرفوضة

ألقى الرئيس تمام سلام كلمة في جلسة مناقشة البيان الوزاري جاء فيها:
“بين أيدينا بيان وزاري واعد، يتضمن برنامجا شاملا للنهوض المالي والاقتصادي، نأمل أن يتمكن الفريق الوزاري الجديد، بما فيه من خبرات سياسية وعلمية واقتصادية ومالية، وبدعم من جميع القوى السياسية المشاركة في الحكومة، من تحقيق الأهداف التي وردت فيه.

إن إنجاز الخطط والمشاريع التي يعد بها البيان الوزاري، من شأنه أن ينتشل لبنان من حال التراجع التي يعانيها على كل المستويات، والتي تشكل مصدر شكوى وقلق لجميع المواطنين.. وأن يحقق نقلة نوعية في مختلف قطاعات الانتاج، وفي عمل الإدارات العامة.

وسيؤدي ايضا إلى رفع مستوى الخدمات، وتحسين الأداء الاقتصادي ومناخ الاستثمار.. وبالتالي إلى تحسين مستوى عيش اللبنانيين، وفتح نافذة أمل أمام شبابنا بحياة أفضل في وطن على قدر آمالهم.

لن أخوض في نقاش تفصيلي حول بنود هذا البرنامج الطموح، الذي يتضمن حزمة من الإجراءات المالية والإستثمارية والخطوات الإصلاحية. وأتمنى لدولة رئيس مجلس الوزراء النجاح في مهمته الصعبة، وللوزراء أن يكونوا على مستوى المسؤولية الموكلة إليهم.

لم يشهد تاريخ لبنان منذ الاستقلال وحتى اليوم، ما رأيناه في السنوات الأخيرة، وبخاصة في الأشهر الطويلة التي استغرقها تشكيل هذه الحكومة، من محاولات لتجاوز الدستور، وقفز على القواعد والأصول، وتجرؤ على قضم انتقائي للصلاحيات، وتداخل غير مبرر بين السلطات، وانحدار غير مسبوق في الخطاب السياسي.

إن كل هذه الفوضى السياسية والدستورية، هي نتيجة التقاء خطيئتين:
الأولى، خطيئة الأداء المتهور لقوى سياسية، تريد القبض على المستقبل وإعادة عقارب الساعة الوطنية الى الوراء، عبر اختراع مفاهيم وقواعد تخل بالنظام السياسي في البلاد.

أما الثانية – الخطيئة الأصلية – فهي الخلل الذي دخل حياتنا السياسية منذ اتفاق الدوحة، وأنتج سلسلة من البدع المرفوضة.

أولى هذه المفاهيم والبدع المستجدة، وجوب أن تكون جميع الحكومات، حكومات ائتلافية يشارك فيها جميع الافرقاء السياسيين تحت عنوان الوحدة الوطنية…
هكذا ضرب التعريف الأول للديموقراطية، بما هي معادلة أكثرية تحكم وأقلية تعارض .. ونسف المدماك الأساس للنظام البرلماني القائم على الفصل بين السلطات.. وغابت القدرة على المساءلة والمحاسبة، لأن القوى السياسية الممثلة في مجلس النواب صارت شريكة في السلطة التنفيذية.

ثانية البدع غير الدستورية، مسألة الثلث المعطل التي دخلت معجم السياسة اللبنانية بعد اتفاق الدوحة، واخترعت لها تسمية ملطفة هي “الثلث الضامن”..
هذا المفهوم، الذي بات شرطا ملزما لتشكيل الحكومات، هو تعبير فج عن منطق الغلبة، والإصرار على التحكم المسبق بقرار الحكومة، تحت طائلة تعطيلها أو حتى إسقاطها، مثلما حدث عام 2011.

والبدعة الثالثة المستجدة، هي التحريف اليومي لمفهوم “الميثاقية” التي شكلت جوهر الكيان اللبناني المستقل.. وتحويلها إلى ذريعة يستعملها كل راغب في تعطيل المؤسسات، لتحقيق منفعة فئوية، أو خدمة لمصالح سياسية أو طائفية.

ولقد شهدنا في الأشهر التسعة التي استغرقتها عملية تشكيل الحكومة الكثير من الهرطقة التي تفرض أعرافا وقواعد مبتكرة في العمل السياسي من خارج النص الدستوري.
منها، مثلا، تحديد معايير للرئيس المكلف، عليه أن يعتمدها في تأليف حكومته. ومنها نظرية سحب التكليف منه، في حال تعثر عملية تأليف الحكومة وتأخرها..ومنها ما سمي حصة رئيس الجمهورية في الحكومة. المفهوم الذي اعتمد استثنائيا بعد اتفاق الدوحة، وكان فخامة الرئيس ميشال عون من أشد معارضيه، قائلا إنه ليس عرفا.

هرطقة أخرى أيضا تثبيت وزارات لطوائف وقوى سياسية معينة، بحيث ينشأ عرف تصبح معه الحكومات مجرد تجمع لمحميات مستقلة، ومناطق نفوذ موزعة على القوى والطوائف.
وهناك أيضا نظرية أن يكون لكل أربعة أو خمسة نواب وزير يمثلهم.. وتحول كل فريق سياسي شريكا مضاربا للرئيس المكلف تشكيل الحكومة.. يمتلك حق الفيتو على عملية التأليف، ويختار أسماء وزرائه وحقائبهم. لكنه لا يفصح عنها، إلا عندما تتحقق مطالبه وتلبى جميع شروطه.

إن مجمل هذه الممارسات، تأتي في إطار نهج متعمد بات يطبع حياتنا السياسية منذ سنوات، بحيث صارت أي محطة طبيعية من محطات تداول السلطة في نظامنا الديموقراطي، سواء كانت إنتخابات رئاسية أو نيابية أو تشكيل حكومة جديدة، أشبه بمعركة حياة أو موت، ومناسبة لتخويف اللبنانيين من مصير مجهول، وموسما للصراخ، وللترويج لعدم صلاحية النظام ووجوب إعادة النظر فيه.
هنا بيت القصيد، الدستور المنبثق من إتفاق الطائف، الذي مازالت قوى سياسية غير قادرة على هضمه على رغم ادعاء العكس.

هناك قوى مقيمة في ماض لا يمضي، تنظر الى الوطن بمنظار مصالحها الخاصة.. تعبث بخفة شديدة بالقواعد الدستورية، وتجازف بلا وجل بركائز البنيان الوطني.

إننا نؤكد أن دستور الطائف، الذي يحكم الحياة السياسية في لبنان، يجب أن يحظى باحترام الجميع، بنصه وروحه، وأي تعديل له لتحسينه أو لتطويره، لا يتم إلا بفعل إرادة وطنية جامعة، وليس بالتهريب او التشاطر. وبالتأكيد لا يتم بالغلبة والتهديد.

لقد طبق اتفاق الطائف حتى الآن بشكل مجتزأ، وبقي عدد من بنوده معلقا، ومنها بنود ذات أهمية قصوى، أبرزها إنشاء هيئة لإلغاء الطائفية السياسية، من شأنها إحداث نقلة هائلة الى الأمام في نظامنا السياسي، وبناء دولة المواطنة.

بموازاة البدع الدستورية المستجدة، دهمت قاموس يومياتنا السياسية في الآونة الأخيرة، تعابير وأوصاف وطرق غير مألوفة في التخاطب ومقاربة الشؤون العامة. منها استخدام مفرط ومحزن لصفة “القوة” التي باتت تسبغ على الأشخاص والهيئات، وتنسب إلى كل شيء، في بلد أصاب الضعف والوهن كل مفاصله، وباتت أمراضه المتراكمة، تحتاج إلى علاجات جدية ومسؤولة، وإلى مبضع خبير موثوق أولى ميزاته التواضع.

أين القوة في ما نحن فيه؟
في تعطيل تشكيل الحكومة تسعة أشهر؟ أم في التقصير في معالجة الملفات الحيوية وأولها وأهمها الكهرباء؟

في الطموحات المنتفخة بلا حدود؟ أم في الشراهة اللامتناهية على السلطة ومنافعها؟
هل من علامات القوة احتكار الطهارة ورمي كل الخصوم بالفساد؟

أين القوة في استسهال اللعب على غرائز الناس من أجل مكاسب سياسية، واعتماد خطاب طائفي، بل عنصري، مقزز للشحن والتخويف من توطين وغلبة مزعومين؟

هل من القوة تحويل الوزارات إلى متاريس؟

وماذا عن الظلم اللاحق بمئات الشابات والشبان من كل الطوائف، الممنوعين من التعيين في الوظيفة العامة، على رغم نجاحهم في امتحانات مجلس الخدمة المدنية؟

إن لبنان لا يحتمل هذا القدر من الاستكبار، وهذا السلوك الاستئثاري المسيء للمناخ السياسي في البلاد.
إننا في حاجة إلى خفض الصوت قليلا والتواضع كثير والتبصر طويلا في مشاكلنا التي تحتاج معالجتها إلى مسؤولية عالية، وإلى قدر كبير من الإحترام المتبادل الذي لا يلغي حق الإختلاف.

إننا في حاجة الى التنافس على ما يفيد، وليس إلى تناتش المغانم هنا وهناك.

اللبنانيون يعلقون آمالا كبيرة على هذه الحكومة، ويعولون على نجاحها في معالجة الملفات الكثيرة التي تنتظرها. ولا يختلف اثنان على أن أي عملية إصلاحية لن تصل إلى نتائج جدية، ما لم تبدأ باستئصال الفساد، الذي بلغ مستوى خطيرا ووضع لبنان في مرتبة مسيئةله بين الدول.

إن محاربة الفساد تحتاج إلى تفعيل الأجهزة الرقابية القائمة، وإعمال النصوص القانونية الموجودة، وإلى قضاء فاعل يؤدي دوره كاملا كسلطة مستقلة.

إن الشرط الأول لنجاح هذا المسار، هو إبعاد قبضة السياسة عن القضاء وعن الأجهزة الرقابية. ونحن نأمل في أن تنجح الحكومة في تحصين هذه المؤسسات إزاء كل انواع التدخلات.

مسألتان جوهريتان لا بد من التوقف عندهما:

الأولى تتعلق بالقانون الذي أجريت على أساسه الانتخابات التشريعية الأخيرة، والذي قسم الدوائر بطريقة عززت الفرز الطائفي بين اللبنانيين، واعتمد النظام النسبي مع ما سمي بالصوت التفضيلي.

وإذا كانت للنسبية حسناتها، فإن مسألة الصوت التفضيلي الواحد – كما تم اعتمادها – أفرغت الإنتخابات من معناها، وأفقدت المنافسة بين المرشحين بعدها السياسي. وهكذا لم تعد للتحالفات السياسية قيمة، فرأينا إئتلافات غريبة بين الخصوم، ومنافسات أغرب بين الحلفاء، أسفرت عن نتائج غير منطقية وغير منصفة.

إنني أدعو الحكومة إلى معالجة الشوائب في قانون الانتخاب، وأن تتقدم من مجلس النواب بمشروع قانون جديد، لإقراره واعتماده في الانتخابات المقبلة.

وهنا لا بد لي -استطرادا – من توجيه التهنئة الى الأحزاب والقوى السياسية التي أعلنت، بعد الانتخابات الأخيرة، اعتماد مبدأ فصل النيابة عن الوزارة. وأحض باقي القوى على أن تحذو حذوها، لما في هذه الخطوة من تفعيل للعمل التشريعي والحكومي، وتعزيز للمساءلة والمحاسبة ولمبدأ الفصل بين السلطات.

المسألة الجوهرية الثانية هي قضية النازحين السوريين.
إننا نشيد بما ورد في البيان الوزاري، حول ضرورة العودة الآمنة للنازحين إلى بلدهم، وتفعيل التواصل اللبناني-الروسي لوضع خطوات عملية لتطبيق المبادرة الروسية.
كما ندعو إلى إحياء اللجنة الوزارية المكلفة متابعة شؤون النازحين، لكي يشترك الجميع في صوغ سياسة حكومية واضحة للتعامل مع هذا الملف.

إن أي خطة سياسية في هذا الخصوص، يجب أن تقوم على احترام سيادة لبنان في المقام الأول. وفي الوقت نفسه، يجب أن تستند إلى معايير القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان والتزامات لبنان الدولية.

إنني أوجه دعوة صادقة الى كل المعنيين، الذين يجمعهم الحرص على مصلحة البلاد ويرفضون كل أشكال التوطين. أدعوهم إلى سحب موضوع النازحين السوريين من السجال الداخلي، وعدم استعماله سلاحا في معارك التحريض الطائفي والعنصري.

لا بد من التأكيد، ونحن نناقش برنامج عمل الحكومة، لأهمية الدور المركزي للدولة، التي يجب أن يعود إليها وحدها قرار الحرب والسلم، وحق امتلاك القوة المسلحة للدفاع عن الأرض.

إن حصر السلاح في يد الدولة، يجب أن يكون ضمن استراتيجية دفاعية يتم التوافق عليها في هيئة الحوار الوطني، التي أدعو إلى إحيائها لتستعيد دورها في بحث القضايا الوطنية الكبرى.

إذا كانت الحكومات المتعاقبة قد تبنت مبدأ النأي بالنفس، لإبعاد لبنان عن تأثيرات الأحداث الخطيرة الجارية حولنا، فإن ذلك لا يعني، ولا يجب أن يعني على الإطلاق، نأيا بالنفس عن انتمائنا إلى أسرتنا العربية، والابتعاد عن موجبات التضامن العربي.

إن ضرورة انتهاج سياسة مستقلة تأخذ مصالح لبنان في الاعتبار، خصوصا في القضايا الشائكة المختلف عليها، لا تنفي حاجتنا، اليوم وغدا وبعد غد، إلى تعزيز أواصر اللحمة مع أهلنا العرب، خصوصا في القضايا القومية الرئيسية.

دولة الرئيس
إسمحوا لي، ونحن على مسافة يومين من ذكرى 14 شباط من العام 2005 التاريخ المشؤوم الذي غير وجه لبنان – بتوجيه تحية إلى روح شهيد لبنان الكبير الرئيس رفيق الحريري، صاحب المشروع النهضوي، الذي أعاد إلى لبنان حضوره وألقه ومكانته على الخارطة السياسية والاقتصادية والسياحية في المنطقة والعالم.

لقد شكلت بيروت دوما حجر الزاوية في هذا المشروع الوطني.. وكانت عملية إعادة إعمارها والنهوض بها في رأس أولوياته، باعتبارها واجهة لبنان ومنارته ومركز قراره السياسي والاقتصادي، ومساحة التلاقي والتفاعل بين جميع أبنائه.
اليوم، من هذا المكان، نتطلع حولنا فنجد الشوارع التي كانت تغص بمهرجانات الفرح اليومي وقد صارت نهبا للريح، والمحال التي تدر الرزق الحلال لمئات العائلات ملعبا للغبار.

وما دام الوضع الأمني في البلاد، بات حصينا بدرجة عالية بفضل جيشنا وقوانا الأمنية وما دامت صفحة الإرهاب الذي كان يهددنا قبل سنوات قد طويت، فإننا نطالب بإعادة النبض إلى قلب عاصمتنا، لتسير الحياة فيه بايقاع يومي وطبيعي وزاخر، وليس بوتيرة موسمية خجولة كما يحصل حاليا

وأتمنى على دولة رئيس مجلس الوزراء، أن يعطي توجيهاته الى كل الجهات الحكومية والأجهزة المعنية، من أجل فتح كل الشوارع في بيروت وتحريرها من المربعات الأمنية غير المبررة، ومن كل أنواع العوائق الموضوعة خلافا للقانون، سواء أمام الداوئر الرسمية أو أمام الممتلكات الخاصة. ولقد سرني ما أعلنته معالي وزيرة الداخلية، من أنها تضع هذه المسألة في رأس أولوياتها، الى جانب التشدد في تطبيق قانون السير وقمع المخالفات.

لقد آن الأوان لإنهاء الأوضاع الشاذة، التي تخنق المدينة، وتشوه وجهها، وتعوق الحركة الطبيعية فيها، وتستهلك أعصاب الناس وتشعرهم بالعجز أمام أصحاب السطوة ومنتهكي القانون.
هذا حق لبيروت علينا وهذا واجبنا تجاهها.

لبنان ينادينا جميعا، وقد آن الأوان لنرأف به، ونبعده عن حافة الهاوية التي أوصلناه اليها.
آن أوان العمل لبث روح جديدة في جسمنا الوطني العليل.
آن أوان العمل لتعويض ما فات واللحاق بركب العصر.
آن أوان العمل لنعيد للشباب اللبناني الثقة بدولته، ونعطيه أملا بوطن على قدر أحلامه.
كل ذلك ممكن ونحن قادرون.

في ختام كلمتي، أود أن أشد على يدي أخي سعد الحريري، وأتمنى له النجاح في هذا التحدي الوطني الكبير، الذي يخوضه بكثير من الإيمان والعزيمة، وبقدر عال من الثقة بقدرة اللبنانيين على تخطي الصعاب.
وأعبر عن تفاؤلي بقدرة الحكومة الجديدة، بما فيها من خبرات وكفاءات جدية واعدة، على أن تكون على مستوى الآمال المعقودة عليها، وأن تعبر بلبنان إلى مرحلة أقل قلقا وأكثر إشراقا”.

وأعلن منح الحكومة الثقة.