//Put this in the section
راشد فايد - النهار

١٤/١٤ – راشد فايد – النهار

ليس 14 شباط يوم ذكرى وتذكّر: فالذكرى لمن نُسي، والتذكر لمن غاب عن العقل والقلب. 14 شباط يوم لتأكيد تجذر ارادة النهوض بالبلد، في كل مجال، وبابنائه في كل سياق. لذا، تجديد العهد الشعبي سنوياً، في هذا اليوم، هو، في خلاصته، رد على ما أراده من خططوا ونفذوا اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وفحوى هذا الرد ان ارادة الحياة والتقدم غادرت جسد الشهيد، ولم تغادر معه، بل هي تجذرت في قلوب كل اللبنانيين، لتشدهم بعضهم الى بعض، في كل 14 شباط، إعلانا لتجديد الايمان بلبنان وطناً، ودولة، وبالطائف دستوراً، وبالمناصفة نهجا، وبمصالحة العروبة مع اللبننة واقعاً.

أربع عشرة مرة وعاد 14 شباط. ومع كل عودة كان يتأكد ان ما أتى به رفيق الحريري الى لبنان، أكبر من أن يطويه الغياب: استعجل مصيره الدامي بكل خطوة أراد بها خروج لبنان من مخلفات الحروب على أرضه. فمن أراد إنهاء حياتِه، كان يراقب مسعاه ومآله. فهو لم يخف، يوما، اعتقاده، حتى الايمان، بأن النمو الاقتصادي ورفع مستوى عيش المواطنين، ينهي التفتت الاجتماعي، وذلك لا يكون من دون تكبير الاقتصاد، وتحريك عجلة الانتاج، وتقديم فرص للاستثمار، وتسهيلات، لتجعل البلد قبلة الشركات والمؤسسات الدولية.

نظر رفيق الحريري الى أبعد من يومه، وبرغم ان سلاحه لم يكن سوى إنعاش المجتمع وتقدمه، فإن نظام الوصاية لم يغفر له أنه يريد لبنان سيدا حرا مستقلا، وانه سعى عمليا الى ذلك، بالعمل المجدي، لا بالسلاح وتشكيل الميليشيات. ولأن أهل الوصاية يهابون التقدم، ويعرفون ان الراحة الاقتصادية العامة تجردهم من سلاح إفقار الشعبين في البلدين، لتطويعهما، عادوه. ولأنهم يدرون ان بقاءه قيد الحياة، بعد انصياعهم للقرار الأممي بإخراجهم من لبنان، سيجعل لبنان أكثر صلابة في وجه أطماعهم، وتشكيل هلال الاقليات، قتلوه لما كان سينجز لا لما أنجز.

14 شباط هذا العام لا يحل في ظروف محلية واقليمية، أكثر أو أقل سوءا مما سبقه في أعوام آفلة. ربما ظروفه مؤاتية، اذا أحسن استثمارها، لاعادة إطلاق النهوض الذي يحتاج اليه لبنان، بعدما اضعفت المماحكات والتجاذبات تماسك البنى العامة للدولة والمجتمع.

14 شباط يوم للعمل، وليس يوما للحزن أو البكاء. ذلك لا يفيد سوى العاجزين عن المبادرة. وهذا ما فهمه سعد رفيق الحريري، فبادر، باستمرار، الى ايجاد منافذ للأزمات، لا سيما المفتعل منها، في السياسة كما في الاقتصاد، وهو لم يسأل عن أي منها، منذ ان تبنى ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، بل كان يسأل، لا سيما نفسه، كيف الحل، وانهاؤها.

الزمان يكبر بالانسان، والمكان يكبر بالانسان. الاثنان كبرا برفيق الحريري، حتى خلّداه. ذلك مصير العظماء، حاضرين وغائبين.