//Put this in the section

”ماكنزي” بين الانتقاد والتأييد… هل تخطّ سياسة لبنان الاقتصادية؟

باتريسيا جلاد – جريدة النهار

أثارت الدراسة التي أوكلت إلى شركة #ماكنزي للاستشارات الاقتصادية لدى صدورها منذ أشهر عدة ردود فعل إيجابية من الحكومة وسلبية من الخبراء الاقتصاديين اللبنانيين الذين اعتبروا أنها لم تأتِ بجديد، ولم تكن شاملة في الحلول المطروحة لكل المعضلات الاقتصادية، فضلاً عن أن كلفتها في ظل وضعنا الراهن والتي بلغت مليون و400 ألف دولار، شكلت عبئاً إضافياً على الخزينة. أين تبرز أهمية تلك الدراسة، وهل هي قابلة للدخول حيّز التطبيق فور إقرارها من الحكومة الحالية أم أن مصيرها سيكون كمثيلاتها قابعة في الأدراج ويتأكلها الغبار؟

بتاريخ 20 تشرين الأول 2017 وافق مجلس الوزراء على إجراء دراسة حول مستقبل لبنان الاقتصادي للسنوات الخمس المقبلة تحت عنوان “رؤية لبنان الاقتصادية والإجراءات الكفيلة لتحقيقها”.

الدراسة تلك تم تقسيمها إلى 8 فصول (1000 صفحة) اختتمت بآلية التنفيذ ( 100 صفحة) وهي من المواضيع الإصلاحية الجمّة التي يجب إقرارها مع الحكومة الجديدة لسوقها نحو التطبيق.

وتم في الدراسة تحديد برنامج التنمية الاقتصادية كواحدة من أبرز الأولويات عقب مؤتمر “سيدر”، إلى جانب برنامج الاستثمار الرأسمالي والإصلاحات المالية وإصلاحات القطاعات. ويهدف المشروع إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي، وإيجاد فرص عمل من خلال تحديد القطاعات المنتجة التي يمكن أن تصبح تنافسية، وفهم دور الحكومة في هذا الإطار.

وأثارت هذه الخطة التي كان عرّابها وزير الاقتصاد والتجارة السابق رائد خوري، ردود فعل مناهضة من قبل اقتصاديين لبنانيين. في حين اعتبر الخبير الاقتصادي د. جاسم عجاقة أن “مقترحات ماكنزي لم تأتِ بجديد إلا في بعض البنود، منها الاعتماد على عشر دول حيث الانتشار اللبناني وأيضاً تنشيط السياحة واعتماد استراتيجية الدول الكبرى مثل تركيا وفرنسا أو ما يسمى بـ”السياحة الكثيفة”، قال رئيس قسم الاقتصاد في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا، د. بسام همدر، إن الاقتراحات التي قدمتها ماكنزي تبدو كإرشادات عامة. فالبنى التحتية في لبنان تحتاج إلى إعادة تأهيل في ظل ما نعانيه من فساد وهدر على كل المستويات، والقطاع الزراعي مثلا مفلس، ولا يمكن نقله إلى وجهة جديدة من دون تحضيره وحلّ مشكلاته”.

مهنا: لا جديد والعبرة في التنفيذ

بدوره أيّد الخبير الاقتصادي وعميد كلية إدارة الأعمال والاقتصاد في جامعة الحكمة البروفسور روك انطوان مهنا في حديث لـ”النهار” آراء الخبراء، وقال إن دراسة ماكنزي لم تقدّم أمراً جديداً، إذ لم تذكر كيفية حلّ الإصلاحات للمشكلات التي لدينا في الاقتصاد، وإنما اكتفت بعرضها. لافتاً إلى أن العبرة في مضمون الدراسة يبقى في التنفيذ، وهنا يكمن التحدّي الأكبر. وأضاف حتى إن الدراسة لم تتطرق إلى كيفية القيام بالإصلاحات المطلوبة منها للانطلاق في مؤتمر “سيدر”، ولم تعدد القطاعات التي ستتم خصخصتها.

فـ”ماكنزي” بحسب مهنا ذكرت القطاعات التي يمكن أن تكون منتجة، ولم تحدد القطاعات المنافسة لها وكيفية مكافحة التهرب الضريبي بآلية جديدة والقطاعات التي يجب أن تشملها الخطة في مكافحة الفساد. ولفت إلى أنه يوجد آلية اقتصادية حديثة علمية يمكن أن تسدّ الثغرة في وضعنا الراهن وهي موضوع الكهرباء ومعالجة التسعيرة، فأين ذلك في الدراسة؟

وقال إن زيادة #الضريبة على القيمة المضافة، وعلى البنزين أو تسعيرة الكهرباء أمر خاطئ، اذ يجب القيام بدراسة إصلاحية لقطاع الكهرباء أولاً لمعرفة الكلفة الحقيقية، عندها نرى ماذا سنفعل بعيداً عن الهدر التقني وغير التقني واستعمال صناديق غير مدعومة وعدم تطبيق القانون وعدم وجود مجلس إدارة لمؤسسة الكهرباء وحتى حوكمة وهيئة ناظمة.

وشدد مهنا في موضوع #الكهرباء على استخدام الغاز بدل الفيول، وهو بكلفة أقل، وكذلك استقدام عدادات ذكية لزيادة نسبة الجباية والتخفيف من كلفتها، معتبراً أن زيادة التسعيرة على الكلفة الحقيقية هو بالأمر الخطأ في ظل الركود التضخّمي stagflation الذي يئن منه الاقتصاد.

خوري: “ماكنزي” تحدد هوية لبنان الاقتصادية

هذه الهواجس أو التساؤلات وسبب معارضة بعض الاقتصاديين الدراسة حملناها إلى وزير الاقتصاد السابق رائد خوري الذي كان له مقاربة مختلفة للدراسة. فقال بالنسبة إلى معضلة الكهرباء، لم نطلب من الشركة أن تجد لنا حلاً لها، لأن الخلاف حول طيّ هذا الملفّ هو سياسي بامتياز، والحلّ يكمن في بناء معامل جديدة لزيادة الإنتاجية.

وهنا عرض خوري لأهمية الدراسة التي لم تأت كلفتها كبيرة كما قال مقارنة مع سائر الدراسات المشابهة التي تكلف أكثر بكثير وتصل إلى 50 مليون دولار.

كما أن تلك الدراسة، كما قال، تُعتبر سابقة في شموليتها على صعيد الحكومات منذ أيام بشارة الخوري لغاية اليوم، وشارك فيها وزارات وإدارات ومتخصصون وأحزاب وقطاع خاص.

وأضاف خوري: قرار #مجلس_الوزراء تكليف الشركة هدفه تحديد هوية لبنان الاقتصادية، وهنا تبرز أهمية الدراسة التي ستخطّ سياسة لبنان الاقتصادية التي يجب أن تتوالى الحكومات والوزارات على اعتمادها. مشدداً على أن “ماكنزي” تركز على القطاعات المنتجة التي توفّر نمواً ووظائف، وتخفف من حجم الهوة بين الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة لبناء اقتصاد جيد.

كتاب واحد

ولفت خوري إلى أنه بعد إقرار الخطة سيقرأ كل وزير في الكتاب نفسه بغية الانطلاق في مشاريع وزارته، وليس في كتاب مختلف، كما هو الوضع اليوم. وبذلك فإن وزير الزراعة سيعلم ما هي الخطة التي ستعتمدها وزارة الصناعة والاتفاقيات التي ستوقعها…وكذلك الأمر للسياحة والاقتصاد والمال… فيسيرون جميعاً في اتجاه واحد لتحقيق الهدف المنشود من قبل الحكومة إسوة بالوضع الاقتصادي والقطاعات التي سيتمّ دعمها.

التخطيط يجذب المستثمرين

وأشارخوري إلى أنه بعد إقرار الحكومة الدراسة، سيكون في جعبة الدولة اللبنانية للمرة الأولى سياسة اقتصادية وخطة واضحة للسنوات المقبلة تتضمن قوانين يجب أن تقرّ في مجلس النواب. فالدراسة ستكون عابرة للحكومات والوزارات. الدولة لم تخطط يوماً لما ستقوم به في المستقبل، حتى كل الحكومات المتعاقبة كانت تعمل كأنها حكومة تصريف أعمال وتحاول حلّ المشاكل آنياً من دون أي توجّه. وسأل: كيف سيُقبل المستثمرون إلى البلاد من دون وجود تخطيط لتكبير قطاعات معينة؟. في مصر على سبيل المثال تخطط الدولة لتكبير قطاعات معينة ما يدفع المستثمرين إلى التوجه نحوها من ضمنهم لبنانيون.

وقال خوري: نقاط القوة في “ماكنزي” هي في المضمون، إذ جمعت خبرات دول أخرى تشبهنا من حيث حجم الدولة الصغير والمشاكل الاقتصادية التي نعاني منها، ولكن رغم ذلك استطاعت تلك الدول الانتقال في التراتبية من الرقم 100 إلى الرقم 25 أو 28 في النمو الاقتصادي وفي الناتج القومي وفي كل المعدلات حتى في الفساد، مثل سنغافورة وجورجيا وإيرلندا، وهي دول صغيرة ليس لديها موارد طبيعية مثل النفط وأصبحت اليوم الأهم.

وأضاف خوري: وزارة المال على سبيل المثال تعدّ موازناتها عادة استناداً إلى مبدأ المحاسبة وتجميع أرقام، بينما بعد الخطة ستعد الموازنة لتطابق التوجه الاقتصادي الذي لدينا. وأعني بذلك إذا كنا سنعزز القطاع الاستشفائي من خلال بناء مستشفيات على سبيل المثال، نعلن أن كل مستشفى ستبنى ستكون معفية من الضريبة لفترة 10 سنوات، وبما أن الدولة لديها مشاعات فيمكنها أن توفر الأرض مجاناً لفترة 20 عاماً. أما تحفيز الصناعة الغذائية، فيتطلب تحسين جودة ونوعية المزروعات لتوفير منتجات مصنوعة محلياً وفق المعايير الدولية، وهذا يتطلب تعاوناً وعملاً متكاملاً بين وزارتي الصناعة والزراعة.

نقاط القوة والضعف

وعن نقاط القوة في الاقتصاد اللبناني والتي تم تعزيزها في الدراسة قال خوري:

أولاً: في القطاع الإنتاجي، إذا أخذنا في الاعتبار أن الأرض في لبنان صغيرة وكلفتها كبيرة وكلفة اليد العاملة أيضاً كبيرة، هذا يعني أننا لا نستطيع أن ننافس في الإنتاج المحلي بالمجالات التي لا تتضمن إبداعاً، لأن قوتنا في الإبداع في الأمور التي تسمى mass production بمعنى أنه لا يمكن منافسة الصين مثلاً في الملابس ذات الأسعار المتدنية بل بماركات معينة مثل المحلات التجارية العالمية المتواجدة في لبنان.

ثانياً: في القطاع الصحّي، قوتنا هي في المستشفيات التي لدينا. من هنا يمكننا أن نفكّر في إقامة منطقة استشفائية في الجبل متخصصة لجذب العرب إلى لبنان، فنفعّل بذلك السياحة الاستشفائية ونجذب المستثمرين إلى لبنان. من هنا تكون الإفادة التي سنحققها مضاعفة.

ثالثاً، بالنسبة إلى قطاع الأدوية فهو يشكل بدوره نقطة قوة يمكن تطويره واستثماره. ففاتورة القطاع تبلغ مليار ونصف مليار دولار، فلماذا نستورد 500 مليون دولار أدوية جينيريك (بانادول…)، في حين أننا قادرون على إنتاجها محلياً ولدينا كل الطاقات والإمكانيات إسوة بسوريا ومصر والأردن. فتوفير واردات بقيمة 500 مليون دولار يعادل نمو الناتج القومي بنسبة 1 % اضافي، ما يدعم الاقتصاد.

هذا غيض من فيض من نقاط القوة التي يمكن استثمارها لدعم اقتصادنا، ختم خوري ومن ايجابية اتباع سياسة اقتصادية واحدة للبنان من خلال دراسة “ماكنزي” التي ستكون المرجع للوزارات والحكومات، وبمثابة الانجيل أو القرآن لاقتصادنا.