//Put this in the section
وسام سعادة

أبعد من مواطن أحرق نفسه: مجتمع «القلّة» – وسام سعادة – القدس العربي

بانتظار أن يفهم اللبنانيون في الأيّام المقبلة ما إذا كانت ميسّرة صياغة البيان الوزاري للحكومة المشكلّة بعد ثمانية أشهر من المراوحة والعرقلة أو تحتاج هي الأخرى لدراما تستهلك الأشهر والأعصاب، تأتي الفاجعة المواطن الشمالي الذي أحرق نفسه في باحة المدرسة الخاصة التي تدرس فيها ابنته، لعدم تمكنه، بسبب من عدم سداده القسط، من الاستحصال على إفادة مدرسية تتيح نقلها إلى مدرسة رسمية مجانية. القهر الذي عاشه هذا المواطن، جورج زريق، وأدى به إلى إحراق نفسه بالبنزين المشتعل، فرضت رواج الإحالة إلى نموذج محمد البوعزيزي الذي أشعل انتفاضات العالم العربي قبل سبع سنوات يوم أضرم النار في نفسه احتجاجا على مصادرة عربة الخضار التي كان يسترزق منها. ظلمت هذه الإحالة المواطن زريق إلى حد كبير، لأنه طغى على استحضارها نغمة التحسّر من أنّ «المكان كلّه محاصر» في وضع بلد كلبنان ولا قابلية لكرة ثلج أو لكرة نار كما في الحالة التونسية التفجيرية للصاعق الثوري. والحال أنّه، ما بين البوعزيزي وزريق ثمة لائحة من عشرات المواطنين العرب الذين أحرقوا أنفسهم احتجاجاً على حالات قهرية اجتماعية مأسوية، ولم تنشب الشرارة في الهشيم إلا في حالة البوعزيزي.

هذا التحسّر، الناعي سلفاً لأي قابلية لانبثقاق طاقة احتجاجية جذرية في حال بلد كلبنان، رغم التصدّع المتزايد في بناه الإجتماعية، هو مشكلة حقيقية بحد ذاتها، خاصة أنّه كتحسّر يقوم على المبالغة في الشيءذلك أن الافتراض بأنّ تحريق مقهور لنفسه يمكنه أن يشعل قومة شعبية إجتماعية هو افتراض خاطىء، و»يميني» إلى حد كبير، بالضدّ من التقاليد التراكمية الصبورة للعمل المطلبي. ثم يحصل أن تقلب هذه المبالغة على ظهرها لتعمّم مناخ من السوداوية والتشاؤم، يثقل على الناس بدلاً من أن يخفّف عنهم، وطبعاً بدلاً من أن يفلح جديّاً في دفعهم إلى أي تحرّك له طبيعة احتجاجية مهمومة بكيفية اكتسابها منحى تراكميا.




إشاحة نموذج البوعزيزي عن حالة جورج زريق تبدو ضرورية لإنصاف هذين المواطنين. صحيح، في لبنان يبدو الوضع فعلاً كما لو أنّ «المكان كلّه محاصر». أكثر من أي وقت مضى تظهر أنّ المشكلات متشابكة لم يعد بالمستطاع وضع سلّم أولويات ثابت ومزمن، وبحيث لا يمكن التقدّم في أي قضية من دون التقدّم في مجموع القضايا، وبحيث في الوقت نفسه لا يمكن البدء في التصدّي لكل القضايا والملفات، سيادية وحرياتية واجتماعية في وقت واحد، وعلى نحو منهجي ومثابر.

في الوقت نفسه، المسألة الاجتماعية تفرض نفسها أكثر من وقت سابق كان يمكن أن يقتنع فيه نصف اللبنانيين بأن الأولوية لحماية سلاح المقاومة، والنصف الآخر بأن الأولوية لوضع سلاح «حزب الله» في كنف الدولة اللبنانية. لا يعني أنّ القضايا الاجتماعية في طريقها فعلاً لتتحول إلى نقطة الجذب والفصل الأساسية في الحياة السياسية، لكن معدّل حضورها يزداد، والمحاولة للتقليل من وطأة الوضع المعيشي لدى شرائح واسعة من الناس تولّد في هذه الفترة مفاعيل عكسية، من دون أن تكون هناك معطيات لإمكانية الانتفاع تراكمياً من كل هذا في الوقت الحالي.

تأتي مأساة جورج زريق لتضيء على سمات أساسية لهذه الوطأة، بل الاستفحال، في الأوضاع الحياتية للناس، وصعوبة تأمين مخارج إصلاحية جزئية تخفّف من هذا، في مقابل عدم وجود أي أرضية موضوعية وذاتية للتفكير في مخارج أكثر جذرية، أقله من ناحية المقاربة الشاملة للأمور. في بلد تقرّ المادة «جيم» من دستوره بأن الجمهورية فيه تقوم على «العدالة الاجتماعية والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين دون تمايز أو تفضيل» تأتي مواد أخرى من الدستور نفسه لتعطّل ذلك، منها المادة 10، التي تنص على أنه «لا يمكن أن تمس حقوق الطوائف من جهة إنشاء مدارسها الخاصة».

المشكلة التي دفع جورج زريق ثمنها حياته انها تتصل بالاقتصاد السياسي لهذه المادة. ففي هذا البلد، المؤسسات التي لا شغل لها غير الربح، مصرّة، كي تبقى تتربح، بأن تظل تعتبر رسالتها سامية «لا تمس»، وأن هذه الرسالة هي من وراء القصد والسعي، فيما التربح مسألة فرعية ثانوية، فقط بداعي الاستمرار. هذا ينطبق على المدرسة، حسب الدستور، لكنه يتمدّد إلى المستشفى. ‘كل مؤسسة ربحية تشمئز من الربحية في تعريفها لنفسها، وتعيش «رساليتها» التحضيرية للنفس أو للبدن أو للمجتمع. نصف المشكلة تكون حلت لو أن هذه المؤسسات، التربوية والاستشفائية، تعلن بصريح العبارة، أنها مؤسسات تبغي الربح، ويصبح «التلاميذ والطلاب» هم «زبائننا الكرام» لا أكثر ولا أقل، وطبعا المرضى.

إذاك، ستخضع المؤسسات هذه، كشركات استثمارية، لقوانين العرض والطلب، ويتوجب عليها دفع ضرائب جدية، فيما «الرسالية» تعفيها الآن من الضرائب، بل وتحث على الاستمرار بدعمها، من طرف الدولة، أو من أصحاب النفوذ والجاه. حتى المصرف يحسب أنه، في لبنان، مؤسسة أخلاقوية تربوية لا تبغي الربح من وراء القصد، بل البر والإحسان وعمل الخير، وما الربح إلا وسيلة لذلك لا غاية.

النقطة الثانية التي تلفت إليها مأساة جورج، أن «الفقر» كلمة يمكن أن تكون مضللة لفهم الواقع اللبناني. ذلك أن الفقر له معجم تعريفي ليس هو نفسه من بلد إلى آخر، ومن لغة إلى أخرى، وما يعيشه قسم كبير من اللبنانيين حالياً، بل لعله القسم الأكبر، هو نوع محدّد من الفقر اسمه المتداول لبنانياً هو «القلّة». القلّة ممكن أن تترافق مع نسبة معقولة من الملكية العقارية، فلا ينطبق عليها توصيف «الذين لا يملكون شيئا». هي شح في المدخول، تجميد للناس في مربعات معينة مقطوعة عن حركة العرض والطلب، كما يمكنها أن تكون حالة مداخيل تذهب أكثرها لسداد القروض المصرفية. القلة مخادعة، وتميل للتستر ظاهرياً على الفقر والبطالة إلى حد كبير. تعاش القلة كما لو أنها «شأن منزلي خاص» محجوب عن عيون الآخرين، وهي لأجل ذلك محبطة لأي نضال مطلبي، «خضوعية» إلى حد كبير، منزلية وانطوائية أكثر منها تشابكية واجتماعية. الاجتماعي بصددها أنّ كل طائفة تحرص على تفعيل أشكال من التستر على أصناف «القلة» التي تصيب أبناءها، بحيث تتجذر إلى حد كبير المعادلة التالية: كل طائفة تسعى إلى «ستر» فقرائها داخلها، أي بالنتيجة داخل منازلهم، وتروج أشكال مختلفة من تشخيص الفقر الأكثر استفحالاً على أنه عند أبناء طائفة أخرى. في الوقت نفسه، كل طائفة تتباهى بـ»فقرها الإجمالي» مأخوذة ككل، فهي المحرومة والمطحونة والمظلومة. كل طائفة تعيش «حالتها» كصراع طبقي ضد طائفة أخرى. هذا بشرط حظر الصراع الطبقي داخلها.