//Put this in the section

أين العرب من الاستثمار السياسي لإيران في لبنان؟ – حسن فحص – القدس العربي

على الرغم من تبني إيران مبدأ «الحياد الإيجابي» في التعامل مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وما حمله هذا الموقف من إمكانية التعاون الإيراني مع القوات الغازية على مستويات محددة، كعدم ممانعة طهران من فتح محدود للاجواء الإيرانية امام الطائرات الحربية المشاركة في الهجوم، الا ان طهران كانت تتوجس من تداعيات هذا الاحتلال وامكانية ان يتحول إلى تهديد مباشر لها خصوصاً في ظل نزول أكثر من 150 الف جندي امريكي على حدودها الغربية – الجنوبية، قد تشكل كماشة مع عدد مماثل من الجنود ينتشرون على حدودها الشرقية في افغانستان منذ عام 2001، في حال كانت إيران الهدف الأمريكي التالي بعد العراق.

رغبة عربية

إيران تعاملت مع الامر الواقع الذي فرضه الاحتلال الأمريكي، فلم تقف مكتوفة الايدي وان تكون في موقف «رد الفعل»، بل بادرت إلى تحصين موقفها الميداني عبر تعزيز دور حلفائها على الساحة العراقية مستفيدة من التجربة الافغانية «قوات تحالف الشمال»، وتحولت إلى مصدر قلق للوجود الأمريكي من خلال تصعيد الأعمال العسكرية ضد قواته المنتشرة على مساحة العراق.

وراهنت طهران على الوقت في تعزيز وجودها ونفوذها على الساحة العراقية، مستفيدة من انكفاء عربي عام وخليجي خاص عن المبادرة للتعامل مع الوضع السياسي الجديد في العراق، واصرت هذه الدول على رفض العملية السياسية التي أفضت إلى وصول مكون عراقي وقوى سياسية تمثله مختلفة معها في المذهب والانتماء والتحالف السياسي إلى السلطة وتولي امور العراق على حساب مكون آخر يدور في فلكها او تتبناه.

وامام الرغبة العربية بأن يؤدي الاحتلال الأمريكي للقضاء على سلطة الرئيس العراقي صدام حسين الذي تحول إلى مصدر ازعاج لها نتيجة فائض القوة الذي استشعره بعد انتهاء الحرب مع إيران والذي ترجمه باحتلال الكويت، من دون ان يؤدي ذلك إلى خروج السلطة من يد المكون الذي كان يمثله، استطاعت إيران وبكثير من البراغماتية والقدرة على اقتناص اللحظة وتحويل التهديد إلى فرصة لفرض حلفائها على رأس السلطة الجديدة واعتمدت سياسة ملء الفراغ لتعزيز نفوذها ودورها على الساحة العراقية في مقابل النفوذ الأمريكي وعلى حساب الدور العربي دائما.

هذا الانكفاء العربي عن العراق قدم خدمة مجانية لايران وفر لها الارضية للتأسيس لدور اقليمي كان قبل ذلك متزعزعا يفتش عن مواطئ قدم صلبة على داخل الوطن العربي، وهو ما لم تستطع تحقيقه على مدى العقود الماضية من عمرها على الرغم من التحالفات التي ربطتها مع بعض الدول العربية خصوصاً سوريا في زمن حافظ الاسد، الذي وظف علاقته مع طهران لتعزيز مواقعه العربية من خلال ترسيخ قمة الاسكندرية مع مصر والسعودية كمرجعية عربية في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية.

حالة العراق يمكن تعميمها بمستويات مختلفة على كل من الساحتين السورية منذ 2011 واليمنية 2015، وها هي تتكرر اليوم على الساحة اللبنانية.

حرب استثمار

فالموقف الذي سربته مصادر عربية خليجية من انها غير معنية بتشكيل الحكومة اللبنانية برئاسة سعد الحريري، وانها كانت تفضل اعتذار الحريري عن التأليف، ولم تبادر بعد مرور أيام على تشكيل الحكومة على توجيه تهنئة بانطلاق العمل الحكومي، ورفعت سقف الموقف السلبي من رئيسها بوصفه «لا للسيف ولا للضيف» على ما يقول المثل العربي، يقارب إلى حد كبير الموقف الذي اتخذته من العراق الجديد. وهي وعلى الرغم من رفع شعار مواجهة إيران وحزب الله وقطع الطريق على فرض هيمنة هاتين الجهتين على الدولة اللبنانية وتغيير هوية لبنان العربية ومنع ادخاله في «محور الممانعة»، الا ان اللجوء إلى اتخاذ موقف بهذا المستوى يعني الدفع بلبنان إلى الحضن الإيراني واطلاق يد حزب الله في التحكم بمفاصل القرار اللبناني وسياساته العربية والدولية.

لا شك ان الصراع العربي – الإيراني على الساحة اللبنانية يعتبر في احد اوجهه الاساسية حرب استثمار، فالدول العربية خصوصاً الخليجية بدأت استثمارها في الساحة اللبنانية السياسية منذ أكثر من سبعين سنة، وكان من المفترض أن تكون مطمئنة لقدرتها على جني نتائج هذه الاستثمارات في المفاصل الحساسة والمصيرية، الا ان الحقيقة كشفت ان هذه الاستثمارات كانت في غير مكانها الصحيح، وان من راهنت عليهم لا يملكون القدرة على بلورة مشروع وطني او التأسيس لنظام مصلحة عربية قادر على مواجهة المشروع الإيراني الذي اتقن عملية الاستثمار التي بدأها متأخراً على الساحة اللبنانية وفي مدة لا تتعدى الاربعة قرون واستطاعت فرض نفسها كلاعب اساس على هذه الساحة وتجاوزها عبر حليفها اللبناني إلى العديد من الساحات العربية الاساسية خصوصًا في فلسطين وسوريا.

ان تترك دول الخليج سعد الحريري في العراء وهو الذي من المفترض به ان يكون الممثل لهذه الدول على الساحة اللبنانية لخصوصيات مركبة، وهو تخلٍ سبق تشكيل الحكومة التي لم يقدم الحريري على اعلانها ما لم يدرك انه استنفد كل الوسائل للوصول إلى تفاهم مع هذه الدول حول آلية التعامل مع الساحة اللبنانية، ما يحمل على الاعتقاد ان هذه الدول قد لا يكون لها مسوغاً للاعتراض على خطوة الحريري حتى وإن كانت على خلاف رغبتها.

واذا ما كانت هذه الدول قد لجأت لاعتماد سياسة الانفتاح على بعض القوى من المكون الشيعي لمواجهة الدور والنفوذ الإيراني على الساحة العراقية، وهي خطوة غير مضمونة النتائج لخصوصيات عراقية، فان اعتماد سياسة «فنجان قهوة» او «جولة دراجات نارية» في المناطق اللبنانية، لا تشكل استراتيجية لمواجهة حزب الله الذي يمثل منظومة سياسية وعسكرية وامنية تتجاوز الحدود اللبنانية وذات دور اقليمي موالية لايران.