//Put this in the section

المشنوق: ”شعرة معاوية” مع الحريري

محمد نمر – النهار

لطالما تحدث النائب البيروتي نهاد المشنوق عن أنه سيدخل في إجازة طويلة بعد 5 سنوات من المهمة الثقيلة وزيراً للداخلية. لكن العارفين بطباعه يؤكدون أنه لن يستطيع الابتعاد عن الشأن العام أكثر من أسابيع قليلة، بسبب إدمانه التاريخي على تعاطي السياسة، إضافة الى العلاقات الدولية والعربية التي ورثها من حقبة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما قبلها كصحافي وما بعدها كأحد صقور السياسة في وجه محور الممانعة. كل هذا يجعله ركناً أساسياً من أركان السياسة في لبنان، وفي بيروت تحديداً.




التوقعات ترجح ألا تطول الإجازة وأن يعود المشنوق إلى المشهد السياسي منطلقاً من سنوات خدمته في الشأن العام ومن كونه نائباً منتخباً عن المقعد السني في بيروت، وبنتيجة لم يرضَ بها، على ما قال، وقد تحدث عن “طعنة” تعرّض لها من الأقربين، ربما بسبب قانون “قايين وهابيل” الانتخابي. وهذا يؤشّر إلى أن السنوات المقبلة لن تكون هادئة أو طبيعية بالنسبة إلى هذا الرجل، خصوصاً بعدما تحرر من ثقل “الداخلية” على ما تبدّى خلال خطاب التسليم والتسلم في وزارة الداخلية، والذي تضمّن عملية “ربط نزاع” توضح معالم مرحلته المقبلة، قائلاً إنه دخل هذه الحكومة متسلّحاً “بثقة الرئيس الحريري”، والحكومة التي قبلها متسلّحاً “بأخلاقية تمام بك”، وذلك على وقع “أخطار محدقة بتجربة الحريرية السياسية، التي عانت من الاغتيال الجسدي والمعنوي، وأخرج من الحكومة على وقع أخطار محدقة بالحريرية الوطنية، بما هي الدولة والطائف والسلم الأهلي”.

ثقل العمل اليومي في وزارة الداخلية فرض على المشنوق دفع الأثمان، خصوصاً من شعبيته. وكل ما هو مسموح لغيره كان ممنوعاً عليه. ومن المعروف أن من يدخل الحكومة يتحول وزيراً لكل اللبنانيين، ويصبح هامش اللعب بالسياسة ضيقاً مقارنة بملعب النائب أو الحزبي، فكيف إذا كانت الوزارة سيادية ومعنية بالأمن؟ وكيف إذا كان الوزير يجمع بين السياسة والأمن والصحافة، وعايش الحرب في لبنان وكان من أوائل مواجهي الوصاية السورية وأحد المتضررين من مخابراتها سواء بالاحتجاز أو بالنفي؟

ورغم الهامش الضيق، وتحديداً بعد دعمه التسوية مع رئيس الجمهورية ميشال عون، كان المشنوق يعرف “من أين تؤكل الكتف”، وعندما تتطلب المرحلة موقفاً لا يتردد في إطلاقه، وقد كانت له نصوص طلب من مهاجميه العودة إليها، وتذكّر بالسقوف التي كان دائماً يرفعها في وجه التجاوزات بحقّ التسوية، وآخرها ردّه على الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله في جريدة “الشرق الأوسط” حيث فنّد حديثه عن “الانتصارات”. ولديه ملاحظات عدة على مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس عون، ولم يتردد ضمن خطابه الأخير في توجيه الرسائل إلى كل من الوزير جبران باسيل ونصرالله، من دون أن يسميهما، بقوله: “المغالاة في استعراض السلطة والاجتهاد في الصلاحيات لا يؤدّيان إلّا إلى تشجيع الانهيار”.

شكَّل اسم المشنوق وسواساً قهرياً لدى منتقديه، فيما رأى محبوه أنه الوحيد بين الحاضرين الذي يشكل صلة وصل بين مرحلتي الرئيس الشهيد رفيق الحريري ونجله الرئيس سعد الحريري. ورغم محاولات البعض إحداث شرخ بين المشنوق والحريري، ينقل الأول رسائل عن تمسّكه بالحريرية وعلاقته بالحريري، ومَن يقرأ الخطاب الأخير للمشنوق يسجل ذكر اسم “الحريري” أكثر من 10 مرات، فضلاً عن ترداد مصطلحي “الحريرية السياسية” و”الحريرية الوطنية”، وبقوله: “الحريري اختارني لأكون وزيراً للداخلية في حكومتين، ولا يسعني إلا التعبير له عن عميق امتناني لثقته التي يقول لي البعض انها أصبحت ماضياً مضى وأنا لن أصدّق”.

في المقابل، يبرع أنصار البيت الواحد في شن الهجمات بعضهم على بعض بعكس العلاقة بين “الثنائي” أو حتى داخل الحزب الواحد، حيث يكون التباين الصحي داخلياً وليس كـ”حبال الغسيل”. ورغم اتهامه ماكينة “المستقبل” بأنها “طعنته” خلال الانتخابات النيابية، إلا أنه نجا، بغريزته السياسية وعلاقاته وخدماته لأهالي بيروت، من مقصلة أودت بآخرين. وللمشنوق حصص في الهجوم عليه من أنصار بيته أكثر من خصمه “حزب الله” وعدوه النظام السوري، علماً أن الحزب هو أول المتضررين منه ومن خطته الخمسية التي يجب أن تنتهي بعودة الجيش إلى الثكن والحدود، وتطوير قوى الأمن لتحلّ في الداخل مكان السلاح غير الشرعي، وقد كرّر خلال خطاب الوداع أن “لا حلّ لكلّ اللاشرعيات إلا باستراتيجية دفاعية وطنية”.

وليس خافياً على أحد أنه في الأيام الأخيرة قبل مغادرته الوزارة، شُنت حملة على المشنوق، ظهرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي والاعلام، وكأنها تريده أن يخرج من الداخلية موصوماً بالعار. لكن الرسالة كانت واضحة في جملته الأخيرة: “دخلت من باب مواجهة الارهاب وخرجت من باب لبنان الآمن”. واستمرت الحملة بآخر “الابداعات” التي تروّج لشرائه مصرفاً بقيمة 50 مليون دولار، وهو ما نفاه المشنوق، و”مياه مصرف لبنان تكذّب غطّاسي الشائعات”.