//Put this in the section

نادين لبكي.. أول امرأة عربية تدخل المسابقة وتنافس أسماء كبيرة على الأوسكار

لم يكن ترشيح فيلم “كفرناحوم ” للمخرجة اللبنانية نادين لبكي للفوز بجائزة أوسكار في فئة أفضل فيلم أجنبي خلال الدورة الحادية والتسعين، حدثا لبنانيا فحسب بل كان ايضا عربيا، نظرا الى ان لبكي هي اول امرأة عربية تخوض غمار الاوسكار وتدخل المسابقة الهوليودية العالمية بفيلم يصور مآسي المهجرين وكفاحهم اليومي للإستمرار في العيش ولو على هامش الحياة. وفي انتظار ليلة الرابع والعشرين من فبراير (شباط) المقبل التي تمنح خلالها الجوائز في حفلة باهرة تواجه المخرجة الشابة منافسة قوية في الفئة التي رشح فيلمها اليها تتمثل في ترشيح الفيلم المكسيكي “روما” الذي حصد نجاحا اعلاميا بعد عرضه في الصالات والبولندي “كولد وور” والألماني “نيفر لوك أواي” والياباني “شوبليفترز”. لكنّ لبكي تخوض “المعركة” بجرأة وحماسة كما قالت لـ”إندبنديت عربية” عبر مديرة مكتبها في لبنان، وتأمل ان فيلمها سيترك اثرا ايجابيا وانسانيا في اوساط هوليود، لتطرقه الى احدى ابرز الازمات البشرية الراهنة. وكررت قولها بإصرار إن فيلم “كفرناحوم” هو “مغامرة غيرت حياة الجمهور الذي شاهده، عبر تجسيده نماذج من الواقع الأليم الذي يعيشه الأطفال في لبنان، وعبر تصوير مأساة العائلات والأطفال السوريين اللاجئين الذين يعيشون من دون وثائق”. ووصفت الفيلم بـ: ” المؤثر جدا، وهذا ما يفسر ترشيحه لجوائز عدة وفوزه بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان “كان” العالمي”.

يدور “كفرناحوم”، وهو الفيلم الطويل الثالث للبكي بعد “سكر بنات” و” هلق لوين”، على احوال الأطفال المهمشين والمحرومين من أوراق تثبت هويتهم في لبنان عبر قصة طفل الشارع “زين” البالغ من العمر اثني عشر عاما وهو يسعى إلى مقاضاة والديه لأنهما أنجباه. وفي مستهل الفيلم يسأل قاضٍ في المحكمة هذا الفتى الموقوف: “لماذا تريد مقاضاة والديك؟”، فيجيبه بجرأة وبراءة: “لأنهما منحاني الحياة”. هذا الجواب غير “الطفولي” بتاتاً، سرعان ما يتحرر من “شعاريته” ورمزيته المباشرة في الفيلم بعد أن يكتشف الجمهور شخصية هذا الفتى المهجر وفطرته وحنكته أو ذكاءه. لم تفصل لبكي في فيلمها بين الأشخاص (الممثلين) والشخصيات التي يؤدونها، إنهم هم أنفسهم غالباً وراء الكاميرا أو أمامها، اختارتهم من قلب الحياة أو من هامشها ليظلوا في قلبها وعلى هامشها في أدائهم أدواراً هي الأدوار التي يعيشونها في حياتهم اليومية والواقعية. لم تختر ممثلين أو ممثلات، لا من اهل الاحتراف ولا من جماعة الكومبارس، اختارت أناساً حقيقيين و”أبطالاً” من لحم ودم ليطلوا كما هم، كما يشعرون وينفعلون ويتفاعلون، ولكن طبعاً تحت إدارتها البارعة. فتشت لبكي كثيرا لتعثر وفريقها على هؤلاء “الممثلين” الطبيعيين والفطريين الرائعين الذين لم يقفوا مرة أمام كاميرا. إنهم أبناء الأحياء الفقيرة، المهمشة والمعزولة في ما يشبه “غيتوات” الضواحي الفقيرة والمهملة وأحياء الصفيح في اطراف بيروت التي تدور فيها وقائع الفيلم. بحثت عنهم ووجدتهم، على اختلاف هوياتهم أو لا هوياتهم، مهجرين سوريين وعاملات آسيويات بلا أوراق وفقراء لبنانيين… وجميعهم يعانون الحرمان والبؤس والاضطهاد والملاحقة.

فيلم “كفرناحوم” ليس فيلماً روائياً في المعنى التقليدي للفيلم الروائي. لا قصة معلنة هنا ولا سرد كرونولجياً ولا أحداث تبدأ لتنتهي. حتى بنية الفيلم مفتوحة على المصادفات التي يقود إليها “البطل” الصغير “زين” في رحلته الشاقة التي بدأها، هارباً من بيت أهله البائسين وأنهاها في سجن الأحداث البائسين أيضاً. إنها باختصار “قصة” هذا الفتى المنتمي إلى عائلة فقيرة، بل معدمة تعيش في ضواحي بيروت المجهولة، في غرفة تشبه قن الدجاج. ينتقم زين لشقيقته ابنة الأحد عشر عاما التي يزوجها الأب القاسي والأم اللامبالية لرجل فتموت إثر نزيف حاد. يطعن الفتى الرجل المغتصب بالسكين في ظهره ويدخل سجن الأحداث. إلا أن رحلة “زين” ستكون هي ذاتها رحلة الكاميرا إلى عالم بائس وفقير ومجهول نادراً ما يخرج إلى الضوء. لم تتقصد نادين دخول العالم السفلي الذي يعيش فيه هؤلاء البشر من أجل تحقيق فيلم يتوخى صدم المشاهدين بقسوته، ولا تسعى إلى أداء دور المخرجة التي تبحث عن مادة تغريبية تدهش بها جمهورها، اللبناني والعربي والعالمي. العائلة المهجرة هي عائلة تعاني علناً حال التمزق والقرف واليأس، أفرادها لا يعيشون حياة سوية، مثلهم مثل الناس الذين يحيطون بهم. الأب والأم في خصام دائم يقع الأبناء ضحيته. هذه العائلة صورة عن البيئة التي تنتمي إليها، داخلها يشبه ما هو خارجها: فقر مدقع، مخدرات، تهريب، سرقات، احتيالات، شتائم، تشرد… من هذه البيئة، يخرج “زين” ليكتشف وجوهاً أخرى لهذا العالم السفلي ويدفع المشاهد إلى أن يشاركه هذا الاكتشاف، اكتشاف معالم وشخصيات ووقائع لبنانية أو بيروتية لا تخطر في بال نظرا الى وقوعها في وحول البؤس اليومي.

لا يمكن الإحاطة بما يضم الفيلم من مواقف ووقائع وأحداث وشخصيات بسبب غناه ورحابة عالمه البصري والدرامي البديع، القاسي والحنون في آن واحد. هذا الفيلم البديع والقوي لا يمكن حصره فقط في كونه فيلم قضية، هي قضية النازحين والمهجرين والعمال والعاملات الأجانب الذين يعانون التهميش والاضطهاد، بل إنه أيضاً فيلم بديع بجمالياته وتقنياته العالية ومداه التعبيري وبراعة تصويره وإخراجه.

والامل كل الامل ان يفوز هذا الفيلم الذي تطلب أربع سنوات من الاعداد وستة أشهر من التصوير وسنتين من المونتاج بجائزة الاوسكار في فئة أفضل فيلم أجنبي مع حضور نادين لبكي تحت اضواء ليلة الاوسكار في 24 الشهر المقبل.

عبده وازن – اندبندنت عربية