//Put this in the section

معالي وزيرة الداخلية – محمد كريشان – القدس العربي

لا شك أن الصورة الجماعية للحكومة اللبنانية الجديدة بدت أحلى بوزيراتها الأربع حتى وإن جاءت ولادتها عسيرة بعد تسعة أشهر. لم نتعود في بلادنا العربية على هذا العدد من الوزيرات في حكومة واحدة، فما بالك أن تكون إحداهن، ريا الحسن، وزيرة للداخلية.

جيد أن تكون الحكومة اللبنانية قد ضمنت، على الأقل، مثل هذا التميز حتى لا يبقى الحديث عنها مقتصرا على استعصاء تشكيلها ودقة المحاصصة الطائفية والحزبية التي تراعيها. إن وجود ريا الحسن في حقيبة الداخلية إلى جانب كل من مي شدياق وزيرة دولة لشؤون التنمية الإدارية، وندى خوري للطاقة والمياه، وفيوليت الصفدي وزيرة دولــة لشــؤون التأهيــل الاقتصادي والاجتماعــي للشــباب والمــرأة أعاد إلى الساحة مرة أخرى ذاك الحديث عن دور ومكانة المرأة في الحياة السياسية العربية ومقارنة ذلك بما حققته المرأة في هذا المجال في أماكن أخرى كثيرة من العالم.




ربما لا نتذكر في السنوات الأخيرة من وزيرة داخلية معروفة سوى تيريزا ماي قبل أن تصبح رئيسة للحكومة البريطانية، كما نستحضر من بين الشهيرات على الساحة الدولية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل طبعا إلى جانب منسقة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغريني التي كانت خلفت قبل خمس سنوات سيدة أخرى في المنصب نفسه هي كاثرين أشتون، هذا بدون أن ننسى حاليا زعيمة الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي ورئيسة جهاز المخابرات الأمريكية جينا هاسبل.

الحضور النسائي في بعض الحكومات العربية ليس جديدا لكنه بالتأكيد لم يكن كما هو الحالة اللبنانية بهذا العدد وبإسناد حقيبة سيادية كوزارة الداخلية.

كانت هناك في السنوات الماضية سيدات في وزارات تونس والمغرب والجزائر وكذلك سوريا ومصر وغيرها، وحتى في دول الخليج العربية تم في السنوات الماضية توزير بعض النساء على استحياء ولو أن قطر مضت أبعد قليلا حين اختارت علياء أحمد بن سيف آل ثاني مندوبة دائمة لها في الأمم المتحدة.

لا شيء في مسيرة أو تكوين وزيرة الداخلية اللبنانية الجديدة ما يفيد بوجود خلفية أمنية تدعم اختيارها، بل إنها فوجئت بتعيينها في هذا المنصب على ما قالت بنفسها، لكن ذلك لا يقلل في شيء من قدرتها على النجاح لأن وزارة الداخلية منصب سياسي بامتياز ولا يتطلب بالضرورة أن يكون من يتبوأه ضابط شرطة أو مسؤولا أمنيا رفيعا رغم تعودنا في البلاد العربية على أن يكون في الغالب متجهم الوجه قاسي الملامح أو متخشبها.

إن مشاركة المرأة العربية في الحياة السياسية لم تكن يوما مرتبطة بتقلدها منصبا وزاريا فقد خاضت كثيرات معركة النضال ضد الاستعمار في أكثر من بلد وعرفن السجون والملاحقات. وفي معركة الحريات والديمقراطية اشتهر عدد من السيدات من تيارات مختلفة بعنادهن وإصرارهن على الوقوف في وجه سياسات التخويف وتكميم الأفواه. بدا ذلك في مقارعة عدد منهن أنظمة الاستبداد في تونس ومصر وسوريا، كما كان لهن مشاركة فعالة في تلك الثورات التي اندلعت في بداية عام 2011 حيث شاركن في المظاهرات وهتفن فيها وقدن بعضها ورُفعن على الأكتاف، كما عرفت مواقع التواصل الاجتماعي جيلا جديدا من الناشطات الشابات المؤثرات. وبعد أن كانت هؤلاء السيدات مناضلات محدودات العدد ومن تيارات سياسية معينة، يسارا ويمينا، أصبحن في السنوات الماضية من الفنانات والممثلات وغير ذلك من الشرائح كما بدا ذلك جليا في الثورة السورية. وبعد أن كانت المرأة السياسية أو المسيسة في سوريا مثلا هي أمرأة السلطة كنجاح العطار الوزيرة ونائبة رئيس الجمهورية لسنوات طويلة تغيرت الصورة بالكامل لتصبح الرمزية لأيقونات الثورة سواء من اللائي رحلن كفدوى سليمان ورزان زيتونة ولمى الباشا ومي سكاف أو ممن يزلن يكابدن صراع الدكتاتورية المرير، كما أن بلدا مثل تونس عرف سيدات وقفن بقوة ضد ديكتاتورية بن علي مثل راضية النصراوي وسهام بن سدرين والراحلة مية الجريبي أصبح اليوم ينظر للمرأة كعنصر مساهم في الحياة الديمقراطية من مواقع مختلفة وزيرة ونائبة في البرلمان سواء من الائتلاف الحاكم أو المعارضة.

حضور المرأة في الحياة السياسية أو العامة في هذا البلد أو ذاك ليس دائما مرتبطا بمدى الحرية المتوفرة فيه ولا بمكانة المرأة المتميزة هناك وإلا لما وجدنا ناشطات سعوديات مثل لجين الهذيل أو جامعيات مرموقات مثل هتون الفاسي يدفعن حاليا ثمن رفع مطالب اجتماعية مشروعة أو ثمن موقف سياسي مختلف عن الموقف الرسمي، كما أن هذا الحضور ليس بالضرورة مرتبطا بمدى تقدم التشريعات الخاصة بالمرأة والأسرة في هذا المجتمع أو ذاك وإلا لكنا وجدنا نصف التشكيل الوزاري التونسي من النساء وما كنا وجدنا وزيرة داخلية في بلد ما زالت فيه المرأة غير قادرة على منح جنسيتها لأبنائها أو أن تختار شريك حياتها بكل حرية… لكن هذه قصة أخرى.