//Put this in the section

جنبلاط يرتدي عباءة المعارضة من الداخل متوعدا بعهد لبناني ساخن

تقول أوساط سياسية لبنانية إن السجالات التي تلت الإعلان عن ولادة حكومة الوحدة الوطنية، بعد مخاض عسير دام تسعة أشهر، تشي بأن الحكومة الجديدة التي يحلو للبعض تسميتها بـ“حكومة العهد الأول”، ستكون ساحة صراع كبرى أحد أقطابها الزعيم الدرزي ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، الذي يبدو أنه حسم أمره بالتموقع خلف المعارضة ولكن من داخل السلطة، بعد استشعاره وجود نوايا لتحجيمه.

وفتح جنبلاط في الأيام الأخيرة النار على معظم مؤثثي المشهد السياسي، خاصا بالذكر رئيس الوزراء سعد الحريري الذي وعلى خلاف عادته غادر مربع الصمت ليشنّ هجوما معاكسا، على الزعيم الدرزي، في مؤشر عن مدى تدهور العلاقة بين الحليفيْن، وسط إيحاءات بأن الجانبيْن قطعا “شعرة معاوية” التي لطالما تمسكا بها عند كل اهتزاز تواتر بينهما بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.




واندلعت في اليومين الماضيين حربا كلامية بين الحريري وجنبلاط بلغت ذروتها مساء الاثنين، حيث قال رئيس الوزراء في بيان رسمي “إن رئاسة مجلس الوزراء، في ضوء ما يصدر من مواقف وتعليمات حول تشكيل الحكومة، لا تجد في الكلام الذي يحاول النيل من دورها ومكانتها، وأدائها في معالجة الأزمة الحكومية، سوى محاولة غير بريئة للاصطياد في المياه العكرة”.

ورد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي على حديث الحريري على “تويتر” بالقول “لا يا صاحب الجلالة، الدولة ليست ملكًا لكم أو لزميلكم، والدولة ليست دفتر شروط لتلزمها بالمطلق العام للقطاع الخاص، وفق فلسفة وزير الاتصالات، وكما فعل بعض الوزراء وباعوا المصفاة، ودير عمار، وقبل توظيف مال إضافي في الكهرباء، إياكم وزيادة التعرفة، حصلوا الهدر في الجباية، ويقدر بالأربعين في المئة”.

ليعاود الحريري الرد عليه مرة ثانية “الدولة ليست ملكًا لنا حتما، لكنها ليست مشاعا مباحا، لأي زعيم أو حزب، مشروعنا واضح هدفه، إنقاذ الدولة من الضياع، وإحالة حراس الهدر على التقاعد، والتغريد على تويتر لا يصنع سياسة، إنها ساعة تخلّي عن السياسة لمصلحة الاضطراب في الحسابات هيك، مش هيك”.

ويرى مراقبون أن تدهور العلاقة بين جنبلاط والحريري اللذين كانا في الأمس القريب ضمن حلف واحد “14 آذار” ليس وليد الأيام الماضية، لجهة العرض الذي قدّمه الأخير للحزب التقدمي بالتنازل عن حقيبة الصناعة لفائدة التيار الوطني الحر، بل مفاعيل هذا التوتر تعود إلى انطلاقة المشاورات بشأن تشكيل الحكومة.

حيث أن الزعيم الدرزي كان ينظر بارتياب إلى مدى تأثير رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، على الحريري، فقد اصطف معه في عدة محطات في مسيرة التشكيل الشاقة، فيما فضل الحياد في محطات أخرى منها حينما تعرض جنبلاط لضغوط قوية يقف خلفها باسيل بشأن توزير النائب الدرزي طلال أرسلان، للحيلولة دون احتكار رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي للصوت الدرزي داخل الحكومة، رغم حصده للأغلبية المطلقة من الأصوات في المناطق ذات الأغلبية الدرزية في الانتخابات النيابية الأخيرة.

واضطر جنبلاط في النهاية إلى التنازل والقبول بتوزير درزي من خارج عباءته ليفاجأ في ما بعد أن هذا الوزير هو صالح الغريب المحسوب على أرسلان والذي له صلة قرابة مباشرة بشيخ العقل الدرزي نصرالدين الغريب المقرّب من “المير”.

وكانت المفاجأة الثانية بالنسبة إلى جنبلاط إسناد حقيبة دولة لشؤون النازحين للغريب الأمر الذي أثار حفيظة جنبلاط، واصفا الوزير الجديد بأن “لونه سوري” في خشية بدت واضحة من أن الغريب سيكون المدخل لتطبيع حكومي تدريجي للعلاقات مع نظام بشار الأسد عبر ملف النازحين، الذين سبق وأشار الحريري قبل أيام إلى أنه لن يخصص أموالا لهم في الموازنات القادمة.

وخلف الغريب في هذا المنصب معين المرعبي المنتمي إلى تيار المستقبل والذي كانت له مواقف رافضة بشدة لأي تعاط مع الحكومة السورية، سواء في ملف النزوح أو غيره، مصرّا على ضرورة أن يكون التنسيق حصرا مع الأمم المتحدة في ما يتعلق بعودة النازحين.

ويرى متابعون أن تعيين الغريب في هذا المنصب يشي باستدارة في الحكومة الجديدة حيال التعاطي مع الملف السوري، تتماهى وسياسة التيار الوطني الحر، كما تتقاطع وأجندة حزب الله، وذلك أحد أسباب “انتفاضة” جنبلاط.

ويقول المراقبون إن الأمر لم يقف عند هذا الحد بالنسبة لجنبلاط فقد أصرّ رئيس التيار الوطني الحر على أن يكون وزير الدولة الجديد لشؤون النازحين ضمن اللجنة المكلّفة بصياغة البيان الوزاري في سابقة من نوعها، حيث أنه في السابق كان أحد الوزراء الذين يختارهم رئيس التقدمي الاشتراكي الممثل الوحيد للدروز في اللجنة.

وغرد جنبلاط الثلاثاء قائلا “لا أعتقد أنه من المعيب أو الغلط أن يتضمن البيان الوزاري بندا يتعلق بضرورة تحسين أوضاع السجون وبناء سجون جديدة”.

ويشير المتابعون إلى أن “وليد بيك” يعتبر أن الحريري خذله عدة مرات سواء حين قبل بقانون انتخابي فتح المجال أمام خصومه لمزاحمته في الساحة الدرزية، أو حينما لم يتصدّ لمساعي ضربه حكوميا.

ويرجّح المتابعون أن يكون جنبلاط خصما شرسا داخل الحكومة، غير مستبعدين انضمام قوى أخرى على غرار القوات اللبنانية التي تعرضت هي الأخرى لمحاولات تحجيمها من قبل التيار الوطني الحر.

ويبقى الثابت أن العهد سيكون ساخنا في ظل تحالفات جديدة قيد التشكل.